هل يكون آذار “غدّار” بحق موظفي مصارف لبنان؟

إعادة رسملة البنوك شارفت على نهايتها

هل وصل “الموس” إلى ذقن العاملين في المصارف؟

ولّت أيام العملة الصعبة

يُقال في المثل الشعبي “خبي الفحمات الكبار لعمّك آذار” أما في لغة أهل المصارف فآذار قد يكون غداراً. يومان بعد وينتهي شباط ويطل آذار الذي سيشهد (إفتراضياً) تغييراً جذرياً في القطاع المصرفي في لبنان تختفي معه مصارف وتندمج مصارف وتستحوذ مصارف على مصارف. فهل القطاع المصرفي ذاهب بعد 28 شباط الى جهنم أم هو عائد منها؟ أيادي 25 ألف موظف وموظفة، في 70 مصرفاً، لديها أكثر من 1000 فرع في كل لبنان، على قلوبهم. فما مرّ كثير والآتي قد يكون أكبر.

موظفو المصارف الذين طالما “قلبوا” (منذ السابع عشر من تشرين) “الشفاه” في وجوه الزبائن، أصحاب الحقوق والودائع، يعيشون هم اليوم نفس الوجع. فلا خيمة فوق رأس أحد في بلد مثل لبنان. ومسار إعادة الرسملة، الذي طلبت حاكمية مصرف لبنان، من كل المصارف سلوكه ينتهي في 28 شباط. فهل سنشهد في آذار مجزرة جديدة في حقّ موظفي مصارف لبنان بعد سلسلة المجازر في حقّ المودعين؟

يفترض أن تدخل المصارف في لبنان بعد 28 شباط فصلاً آخر جديداً أوّل من سيتأثر به هم الموظفون أنفسهم الذين قد يُصبح بعضهم بلا عمل. مَن الأول؟ من سيصدر فيه حكم البطالة أولاً؟

محمد شمس الدين

الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين يتوقع صرف بين 7 آلاف وعشرة آلاف موظف مصرفي. الرقم عالٍ. وفي التفاصيل كان عدد هؤلاء قد ارتفع في القطاع المصرفي بين 2000 و2019، 9,671 موظفاً أي بنسبة 63,6 في المئة وسجل عام 2017 الرقم الأعلى وبلغ 26,005 موظفين. وأتى عام 2018 ليتراجع العدد الى 97 موظفاً وعاد وتراجع في 2019 نحو 1022 موظفاً ليبلغ مجموع عدد الموظفين في القطاع المصرفي 24 ألفاً و886 موظفاً. ووصلت كلفة اليد العاملة المصرفية في العام 2000 الى 620 مليار ليرة وارتفعت في 2019 الى 2,040,4 مليار ليرة تقسم على الشكل التالي: مليار و349 مليوناً كرواتب و38,7 ملياراً كتعويضات عائلية و222,5 ملياراً كتعويضات نهاية الخدمة و110,8 مليارات كضمان صحي و319,1 ملياراً تعويضات أخرى. الكلفة عالية لقطاع شبه ميت. لهذا كان لا بُدّ برأي القيمين عليه من الإنطلاق من هنا من القوى العاملة المصرفية.

وفي كل مرة تعيد المؤسسات رسملة نفسها تتوقف عن الإنفاق غير المجدي. والعنصر البشري في كثير من أقسامها ما عاد مجدياً. فهل ستحدث المصارف مجازر بين موظفيها من أجل تقليص القطاع؟

جورج الحاج

رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان جورج الحاج ينتظر ما سيُعلن عن مصرف لبنان يوم الإثنين المقبل، في الأول من آذار، للقيام بما يجب، ويقول “بالنسبة لنا ستكون ردة فعلنا استناداً الى الفعل نفسه. وهناك تكتم حول تطبيق تعميم حاكم مصرف لبنان رقم 154 الهادف الى إعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان وذلك من خلال حث عملائها الذين حولوا ما يفوق مجموعه 500 ألف دولار الى الخارج من أجل إيداع في حساب خاص مجمد مبلغاً يوازي 15 في المئة من القيمة المحولة. وكل ذلك تحت عنوان “إجراءات إستثنائية لإعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان”. العمل يجري بصمت. والمعلومات ليست واضحة حول ماهية عمل المصارف تجاه هذا التعميم وهو ما سيُكشف بعد 28 شباط.

إنطلاقاً من النتائج المعلنة سيُصار الى إعلان إما إفلاس مصارف أو سيُصار الى استحواذ مصارف أو دمج مصارف. وتجاه كل هذا يستمر السؤال: ماذا عن مصير موظفي تلك المصارف أنفسهم؟

رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان يجزم “انه لن يقال في الأول من آذار الى أي موظف: إذهب الى البيت. وبالتالي قد يمرّ النصف الأول كله من 2021 بلا أي متغيرات على صعيد العمالة”. ويستطرد: “صرف الموظفين بدأ منذ العام 2019 في شكل محدود وبالتراضي او التوافق في كثير من الأحيان. وأتوقع ان تتراوح نسبة الصرف بين 5 الى 10 في المئة من العمالة لكن بشروط”. ويتوقف الحاج هنا عند إقتراح القانون الذي تقدمت به كتلة الجمهورية القوية لتعديل المادة الرابعة من قانون دمج المصارف وإنصاف المستخدمين التي تُحدد حقوق وتعويضات الموظفين في المصارف بستة أشهر كمعدل وسطي وذلك بتحويل التعويضات الى الدولار وقبضها على سعر المنصة. ويقول: “إقترحت هذه الكتلة أن يكون التعويض عبارة عن راتب 20 شهراً للسنة الأولى إضافة الى شهرين عن كل سنة خدمة لغاية 36 سنة خدمة، على أن تحتسب سنين الخدمة المتواصلة في القطاع المصرفي إلا في حال كان الموظف قد استفاد من تعويض دمج سابق”.

إتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان

الإنصاف لا بُدّ منه في ظلّ كل هندسة جديدة و”لو علم بعض المهندسين ماذا في هندساتهم لامتنعوا عنها”!

ما رأي الأمين العام لاتحاد نقابات موظفي المصارف حكمت السيّد؟ يجيب: “يشهد القطاع المصرفي حالياً تراجعاً كبيراً بسبب الوضع الإقتصادي حيث تدنى النشاط المصرفي نحو 80 في المئة. ولم تعد تعمل أقسام التحاويل الى الخارج وفتح اعتمادات وحركة الشيكات الجارية. لهذا فكرت مصارف كثيرة بتخفيض عدد موظفيها”. ويستطرد: بدأت بعض المصارف تتخلى منذ العام الماضي عن بعض موظفيها وهي فعلت ذلك في شكل متدنّ، بسيط، وطالما الأوضاع تسوء سيرتفع حتماً العدد. فكل مصرف يراجع حالياً أحواله وطبيعي ان يطلب من الفائض المغادرة. وإذا أردنا ان نكون متفائلين نقول ان النسبة ستتراوح بين 5 و10 في المئة من العدد الإجمالي لكن كلما ساء الوضع أكثر زادت النسبة ارتفاعاً.

عملية الصرف تتعلق بإدارات كل مصرف على حدة ويقول السيّد “نحن كنقابات لا حقّ لنا بالتدخل بالعدد بل بالتعويضات العادلة. فكل مصرف سيتخلى عن الموظفين غير المنتجين وقد يطلب نقل من يتمتعون بالقيمة الإضافية من قسم الى آخر. وقد تعمد تلك الإدارات الى الإستغناء عمن هم فوق سن الستين أولاً لكن وفق بروتوكولات نضعها للصرف الجماعي. وكل مصرف يقرر الإستغناء عن أكثر من موظَّفين سيخضع حتماً الى هذه البروتوكولات”.

حقيقة ما بعد 28 شباط هنا

“ثلاثة مصارف استغنت بحسب السيّد العام الماضي عن موظفين لديها وهي: بنك بيروت والبلاد العربية، بنك الإعتماد المصرفي، والبنك اللبناني للتجارة”. ويشرح: “مهما نال الموظف من حقوق ستبقى قليلة في الوقت الراهن. لأن إيجاد عمل بديل شبه مستحيل. والأسعار كل يوم ترتفع. ومهما قبض سيظل زهيداً. لهذا نسعى الى ان يتقاضى معاش سنتين ريثما يجد عملاً”.

ماذا عن عمليات الدمج التي يحكى عنها في القطاع المصرفي؟ يجيب السيّد “الجواب عند حاكم مصرف لبنان وحده. فهو أعطى المصارف مهلة تنتهي آخر هذا الشهر كي تزيد رأسمالها بنسبة 20 في المئة. على ان تكون نسبة ثلاثة في المئة من الودائع في البنوك الخارجية على شكل اموال طازجة. ولا معلومات لدينا حتى الساعة من نجح في اتمام هذه العملية ومن فشل. في كل حال قد يقرر الحاكم تمديد المهل وقد يقرر إحالة مصارف الى الهيئة المصرفية العليا من اجل الدمج او وضع يده على المصرف من اجل بيعه. وهنا يأتي دورنا كاتحاد من اجل ان يأخذ الموظفون الذين سيصرفون حقوقهم. والى حينه تبقى كل المعلومات في علم الحاكم”.

حكمت السيد

جورج الحاج من جهته يدقق كثيراً في كل كلمة يقولها “لأن الموظفين، كما كل العالم، في حال انهيار نفسي” ويجزم “إذا لم يصر الى حلّ سياسي لن نصبح في جهنم بل في قعر جهنم. فقد وصلنا الى الخط الأحمر وسنصبح في وضع أسوأ بكثير من فنزويلا. فأموال البنوك عند الدولة والدولة مفلسة. ونحتاج الى ميثاق اجتماعي سريع فوراً. علينا ان نبدأ من مكان ما وتشكيل الحكومة فوراً قد يُشكل بداية في قلب المعمعة”. ويستطرد: “نحن في انتظار بلورة مشهدية ما بعد 28 شباط لنتصرف وفق المقتضى. لذا لن نتفاوض مع أي مؤسسة طالما الزملاء ما زالوا على الطاولات يعملون”.

لا معطيات واضحة عن المرحلة المقبلة سوى لدى الحاكم. لكن تتحدث بعض المعطيات عن إلتزام جزء كبير من المصارف في تأمين الرساميل اما الإشكالية فتكمن في توفير 3 في المئة في البنوك الخارجية والطلب من المودعين ردّ 15 في المئة من ودائعهم.

موظفون في المجهول

القطاع المصرفي مرآة للوضع الكارثي في لبنان. فلنعد الى الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لسؤاله عن رأيه من خلال المعلومات والأرقام التي في جعبته عن القطاع المصرفي الذي نحن مقبلون عليه؟ يجيب: “الثابت أن المصارف ستتابع في الفترة المقبلة تقليص بعض فروعها، التي تزيد في كل لبنان عن 1089 فرعاً. كما نتوقع أن ينزل عدد الموظفين من 25 ألفاً الى 17 ألف موظف. هناك نحو عشرة آلاف موظف من المهددين. ونتوقع ان تترافق هذه العملية مع إغراءات من نوع ان من يستحق له، على سبيل المثال لا الحصر، مئة مليون كتعويض، يُضرب المبلغ بسعر الدولار على 1500 ليرة، ويجمد تحت اسمه في المصرف على ان يتقاضى شهرياً السقف المالي الذي يستحقه على سعر المنصة. وهذا ما سبق وطُبق في مصارف بينها بنك البحر المتوسط وبنك بيروت”.

مصارف لبنان في 2025

يتوقع شمس الدين ان يُصار الى الإستغناء عن أصحاب الأجور العالية. فهناك رواتب تزيد عن 14 مليون ليرة شهرياً.

هل يضع موظفو المصارف أيديهم في المياه الباردة أم على قلوبهم؟

يبقى أن يعرف الجميع في لبنان أن لا خيمة فوق رأس أحد. وموظفو المصارف قد وصل “الموس” الى ذقونهم. فها هو آذار يقترب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق