الوزير يحارب الاحتكار بتغريدة وهم يردون ببيان تحدّي

أصبحت قضية الاحتكار في قطاع الإسمنت جزءاً من فسيفساء الاحتكارات في لبنان. ويكتسب هذا القطاع مناعة سياسية وطائفية تجعله عصيّاً على الاختراق، حتى القانوني منه. واللافت أن أيّ اقتراب من المحميات الإسمنتية، يبقى اقتراباً خجولاً وإن كان اقتراباً وزارياً، على غرار ما فعله وزير الصناعة عماد حب الله الذي أحرَجَ نفسه وقَلَّصَ زخم مبادرته بيديه.

محاربة الاحتكار أونلاين
آثَرَ اعتماد التكنولوجيا لممارسة مهامه الوزارية، فهدَّدَ شركات الترابة عبر تغريدة على تويتر، واضعاً أمامهم ثلاثة خيارات “مداهمة المصانع، فتح باب الاستيراد، وقف التصدير”، وذلك ما لم تضبط الشركات أسعارها وتكفّ عن رمي أسباب ارتفاع أسعار الترابة نحو الموزّعين أو قلّة المخزون، فبرأي الوزير “الطلب قليل ولديكم المواد”.
صَدَقَ الوزير حيال وجود المخزون وانخفاض مستوى الطلب على الترابة، بفعل الجمود العام الذي تشهده البلاد. لكن ما هكذا يُحارَب الاحتكار. فالتسليم بوجود مواد كافية في مخازن الشركات، هو اعتراف بوجود احتكار، هو الآخر معروف منذ عقود. لكن لربما ضعفت ذاكرة الوزير أو لم يكن على قدر كافٍ من الاطّلاع قبل اعتلائه كرسيّ الوزارة.
التهديد أونلاين لا يُرهِب مَن احترف اللعبة على أرض الواقع. فضلاً عن أن الكلام تكنولوجياً لا مفاعيل قانونية له، بل كل ما يُفيد به هو زيادة عدد الكلمات المكتوبة على المواقع الالكترونية. على عكس تصفّح القانون وإصدار القرارات الرسمية المستندة إليه.

المزيد من الأدلة
بعيداً عن قلّة الحيلة الإلكترونية، ماذا ينتظر وزير الصناعة لحماية مواطنيه؟ هل يريد إشباع الواقع تمحيصاً ودراسة ليُدرك حجم الارتكابات التي تطال قطاع الترابة؟ ومع ذلك، فلا ضير من إيراد بعض المؤشّرات السريعة التي يمكن للوزير الاستئناس بها، إذا ما أراد خوض غمار مواجهة كارتيل الإسمنت.

قبل تبدّل أحوال البلاد اقتصادياً ونقدياً وسياسياً، وحين كان المصرف المركزي يمجّد سياساته ويعتبر تثبيت سعر الليرة على مستوى 1515 ليرة للدولار أيقونة العمل المصرفي، كانت شركات الترابة تبيع الطن بنحو 120 ألف ليرة، أي بنحو 80 دولاراً، فيما يجري تصديره للخارج بنحو 45 ألف ليرة، أي ما يوازي 30 دولار. فيُحرَم السوق المحلي من وفر بحوالى 75 ألف ليرة، أي 50 دولاراً. وبعبارة أخرى، يُسرَق مِن المواطن اللبناني حوالى 50 دولاراً لكل طن.

آلت ظروف البلاد إلى ما نعيشه اليوم، فبات طن الترابة يُباع بحوالى مليون و200 ألف ليرة، إن وُجِد في السوق. أي أن الشركات تُخفيه، وهو ما اعترف به الوزير، وبالتوازي رفعت سعره من دون وجه حق.

هل الاستيراد مفيد؟
ممارسات كارتيل الإسمنت ليست جديدة، وكذلك المطالبة بفتح باب الاستيراد. فما يهدد به الوزير ويعتبره نقطة الكمال في قراراته، يُعتَبَر من أبسط حقوق المواطنين غير المضطرين إلى خسارة نحو 50 دولاراً لكل طن، فيما يمكنهم الحصول على طن الترابة المستورد بنحو 50 دولاراً والطن الوطني بنحو 30 دولاراً، فيما لو اعتُبِرت كلفة تصديره موازية لكلفة بيعه في السوق المحلي.

ما تبيّنه الأرقام والملاحظة السريعة لواقع قطاع الترابة، يعني أن فتح باب الاستيراد ليس تَرَفاً أو ضربة تحذيرية للكارتيلات، بل هو ضرورة يجب على الوزير القيام بها، وفق ما يؤكّده عضو المجلس الاقتصادي الاجتماعي، صادق علوية، الذي يشير في حديث لـ”المدن” إلى أن “على الوزير عدم التهديد، بل اللجوء إلى فتح باب الاستيراد، وهو حق يمتلكه الوزير”.

ويرى علوية أن “الوزير لا يمكنه الاكتفاء بالتحذيرات على تويتر. فالبلد لم يعد يحتمل الاحتكارات”. أما التذرّع بالإيرادات الدولارية التي تؤمّنها عملية تصدير الإسمنت إلى الخارج، فهي حجّة واهية لأن “مّن يصدِّر الإسمنت لا يُدخل الدولارات إلى البلد بل إلى جيوبه”، أي أن السوق لا يستفيد من تلك الدولارات. وفي هذه الحالة “ما على الوزير إلا فتح مجال المنافسة وفرض رسوم جمركية على البضاعة المستوردة بهدف حماية الانتاج المحلي، شرط عدم رفع معدّل الرسوم بصورة غير تنافسية، فتُبقي الانتاج المحلي بصيغة الاحتكار”.
في المقلب الآخر، إن أحوال البلاد تعيق الاستيراد لأنه يتطلب تأمين الدولار. وهذا ما يُدخِل قطاع الترابة في دوامة ما تعانيه باقي القطاعات غير القادرة على تأمين الدولار المطلوب. لكن ذلك لا يمنع وضع الأسس الأولى لكسر الاحتكار، وهو فتح باب الاستيراد قانونياً. والأمر الآخر الذي يدخل في معادلة كسر الاحتكار، هو وقف احتكار التوزيع وليس الانتاج فقط. فشركات الإسمنت لا تفتح المجال أمام كل التجار للحصول على الإسمنت، بل تحدد حصّة معينة (كوتا) لبعضهم. وهذا ما يساهم في رفع سعر الترابة في السوق المحلي، لأن طن الترابة ينتقل من المصنع إلى أصحاب الكوتا، ثم إلى حلقة أصغر من التجار، وصولاً إلى المستهلك. وهذا المسار يراكم أكلافاً إضافية. فالمطلوب في هذه الحالة، هو قرار من الوزير يسمح لأي تاجر بالوصول إلى المصانع.

يأسف علوية كَونَ تغريدة الوزير ستبقى أحرفاً تكنولوجية ولن تُتَرجَم إلى أفعال قانونية واقعية. والأيام كفيلة في إثبات ذلك. فالوزير بتهديداته أحرَجَ نفسه، إذ قرَّرَ العبث في وكر الوحوش كلامياً، بدل استعمال حقه القانوني. وبذلك، أظهر نفسه بصورة المتوسِّل للمحتكرين، بأن خفّضوا أسعاركم لو سمحتم، فنغضُّ الطرف عن الاستيراد.

الرد الهزيل
ردّ الشركات جاء هزيلاً يحمل بين سطوره استهزاءً وتحدّياً يزيد من إحراج الوزير. ففي بيان لها، أوضحت شركة الترابة الوطنية – إسمنت السبع، أن شركات الترابة “إلتزمت بشكل كامل بمفاعيل الإغلاق الشامل الذي فرضته الحكومة بتاريخ 5 كانون الثاني 2021، ولم تتمكن بالتالي من تسليم كميات الإسمنت المتبقية من مخزونها. علماً أن المقالع متوقفة عن الإنتاج بشكل كامل منذ تشرين الثاني 2020، مما قلص وبشكل كبير الكميات المخزنة لدى الشركات”.

أي أن الشركات تقول أن ارتفاع الأسعار وتشكُّل سوق سوداء في القطاع، مَردُّه إلى قرارات الحكومة، لا إلى الاحتكارات. إلاّ أن جوهر الردَّ الأقوى كان من خلال الإعلان عن مباشرة شركة الترابة بيع “ما تبقى لديها من مخزون ابتداءً من الاثنين 8 شباط، حتى نفاذ الكميات المتبقية لديها وذلك بسعر 240 ألف ليرة (من دون TVA) للطن الواحد على ظهر الشاحنة في المصنع”. فهذا الرد يعني أن المخزون المُنتَج وفق الأسعار القديمة، شارف على النفاذ. كما أن السعر المعروض، ما زال مرتفعاً جداً، إذ تضاف إلى القيمة المعلنة، أكلاف الضريبة على القيمة المضافة والشحن، وصولاً إلى المستهلك. فيما الفكرة الأساسية من قضية الإسمنت، هي ارتفاع الأسعار بما لا يتلاءم مع كلفة الانتاج والتوزيع.

المدن

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق