تطبيقات سعر الدولار هل يمكن ايقافها؟

حمل العام الماضي الكثير من المآسي على الشعب اللبناني. من أزمةٍ نهشت بكل القطاعات، إلى تفشٍ وبائي أغلق البلاد، ناهيك عن تفجيرٍ نووي قضى على ما بقي من اقتصادٍ لبناني.

كان عاماً مليئاً بـ “أديش الدولار اليوم؟”. وعلى ما يبدو، لن يختلف هذا السؤال في أشهر العام الجديد.

لامس سعر صرف الدولار الواحد 9000 ليرة الأسبوع الفائت فيما لا يزال سعر الصرف الرسمي 1515 ليرة، وسعر المنصّة الإلكترونية 3900 ليرة، في أزمةٍ اقتصادية مستمرة منذ اندلاع ثورة 17 تشرين 2019.

انتشرت تطبيقات سعر صرف الدولار في السوق السوداء بلبنان لاعبةً دوراً أساسياً في عمليات الصرف، متخذةً طابع الأولوية في حياة الشعب اللبناني عام 2020.

وتضع هذه التطبيقات سعر صرفٍ للشراء وسعراً آخر للبيع، ويتم تعديلها بحسب اختلاف السعر في السوق السوداء لتكون وسيلة إعلام المواطنين بها.

وبالرغم من إعلان الحكومة اللبنانية أكثر من مرة أنّها ستمنع هذه التطبيقات، متهمةً إياها بتهديد قيمة العملة الوطنية وتهديد الأمن النقدي في البلاد. لم يحصل هذا الأمر، لكن يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة إيقاف هذه التطبيقات، وبأيّ آلية؟

تواصلنا مع المدير الإقليمي في شركة “#سيسكو” الرائدة في مجال الأمن السيبراني، فؤاد الصلح، للاطّلاع على آلية عمل هذه التطبيقات والخيارات المتاحة لإيقافها.

يشرح الصلح أنّ هذه التطبيقات تندرج ضمن الفئة الأولى، وهي التطبيقات الإخبارية التي تُعلِم المستخدم بسعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي. آلية عملها بسيطة، وتطويرها لا يكلّف سوى بضع مئات من الدولارات لتقديم الغاية المذكورة، لكنه يحذّر من وصولها إلى الفئة الثالثة، إذ تصبح منصّة تُجرى العمليات من خلالها وتكون المرحلة الأشدّ خطراً.

وعند سؤاله عن الخيارات التقنية التي قد تلجأ إليها الدولة لوقف هذه التطبيقات، تحدّث عن ثلاث تقنيات من المحتمل أن تستخدمها الدولة اللبنانية في هذه الحالة:

الخيار الأول يتمثل بتواصل قطاعٍ تنظيمي يمثّل الدولة اللبنانية مع متاجر التطبيقات “بلاي ستور” و”آب ستور” لإزالة هذه التطبيقات. هذه العملية قد تكون أسهل على أجهزة “آبل” من أجهزة “أندرويد”، نظراً لدقة الأول في توفير التطبيقات على المتجر، لكنّ فاعلية الخيار تبقى موضع شكّ.

الخيار الثاني هو تعقب مضيف التطبيق “Hosting Provider” بشكلٍ مباشر، والطلب منه إيقاف التطبيق. إن لم يتجاوب، يمكن للدولة تعقّب موقع المضيف إذا كان في لبنان، والعمل على إيقاف نشاطاته ضمن الصلاحيات القانونية. أما إذا كان خارج البلاد، فأقصى ما يمكن أن تقوم به الدولة هو تفعيل نوع من “بلوك” لهذا التطبيق، الأمر الذي يسهّل الالتفاف عليه في عالم الأمن السيبراني.

أما الخيار الثالث فيتلخص باعتماد آلية “Deep Packet Inspection” المعروفة باسم “DPI”، وهي تقنية تسمح بعرقلة ولوج الأشخاص إلى هذه التطبيقات.

وبحسب الصلح، عادة ما يقوم المطوّر يالانتقال من مضيف إلى آخر أو إجراء تغيير بسيط ببرمجة التطبيق وإعادته إلى العمل، كما أن المستخدم يستطيع تفعيل خدمة “VPN” لفتح التطبيق على أنّه خارج الأراضي اللبنانية، ولكن باعتماد هذه الآلية تبدأ عملية كرّ وفرّ بين المطوّر والدولة، تعوّل فيها الأخيرة على أن تصبّ خبرة المستخدم “User Experience” في مصلحتها.

ويشير الصلح إلى أن معظم خدمات الـ “VPN” ليست مجّانية، لذا لن يدفع المستخدم الأموال مقابل هذه الخدمة للوصول إلى معلوماتٍ يجدها على “فايسبوك”، كما أن عملية الكرّ والفرّ المذكورة تعني أن يزيل المطوّر التطبيق ويعيد إدراجه على المتجر، ما يعني أنّ على المستخدم إعادة تحميله من جديد. عملية سيجدها المستخدم اللبناني مقلقة ويستغني عنها، لتصبح خبرة المستخدم عنصراً يصبّ في مصلحة الدولة.

ويؤكد الصلح أنّ “الآليات غير فعّالة بشكلٍ قاطع لمحاربة تطبيقات سعر الدولار في لبنان، إذ إن الجمهور سيجابه الدولة للوصول إلى المعلومة”.

أما في ما يخص الناحية القانونية، يقول المحامي بول مُرقص، مؤسس منظمة “Justicia” الحقوقية لـ”النهار” بأنّ لا تشريعاتٍ صريحة وواضحة تبيح وقف هذه التطبيقات حتى الساعة. الفقرة “و” من مقدمة الدستور اللبناني تنصّ على أنّ النظام الاقتصادي ليبرالي حرّ يقوم على المبادرة الفردية، لكن ليس هناك ما يعوق صدور تشريع خاصّ يمنع المضاربة على العملة الوطنية.

الجرائم المخلّة بالنقد الوطني وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والنيل من مكانة الدولة موجودة في قانون العقوبات اللبناني، إلّا أنّ تشريعاً خاصاً لهذه التطبيقات يجاري التطور التقني الذي وصلنا إليه اليوم أصبح مطلوباً.

وأضاف مُرقص: “لديّ معلومات تفيد بأنّ نقابة الصرّافين سعت جاهدةً إلى مطالبة السلطات القضائية والأمنية المختصّة بضبط هذه التطبيقات حفاظاً على الحدّ الأدنى من استقرار سعر الصرف، ولم تفلح الجهود”.

وفي رأيه، “يصعب ضبط هذه التطبيقات لأسبابٍ تقنية عديدة. أنشأ هذه التطبيقات محترفون تقنيون لديهم إلمام بالأسواق المالية وليسوا هواةً. يُرجَّح أنّ هذه التطبيقات نشأت في بلادٍ آسيوية لا في لبنان، ووراءهم نفوذ مالي أو سياسي أو الإثنان معاً”.

هذه الأساليب التقنية والقانونية لن تمكّن الدولة من إلغاء التطبيقات بين ليلةٍ وضحاها، لكنّها بالتأكيد تستطيع التأثير عليها والتخفيف من وطأتها في المجتمع اللبناني، وعليه، إذا ما أرادت الدولة التحرّك كما تزعم فالطريق واضح، لكن هل الخطر الحقيقي لسعر صرفٍ تضاعف 6 مرّات هي تطبيقاتُ تداول الأسعار أم خطط اقتصادية فاشلة؟

الأزمة الحقيقية لا تكمن في التطبيقات، إنها مجرد عملية إلهاء مفادها أنّ المسؤولين يتحركون لضبط سعر صرف دولار طائر بلا حدود، فيما لا توجد خطوات جدّية لمعالجة الوضع، حتى الساعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق