الثورة في سنويتها.. تحديات التغيير ومواجهة معلّم التلحيم وداعش

تتواصل التراجيديا السوداء فصولاً. «معلّم التلحيم» يتنقّل في البلد زارعاً الرعب، حرقاً وتفجيرات غامضة وتجويعاً وخرقاً للدستور وانتهاكاً للمؤسسات، فيما تتوزع اهتمامات المنظومة المتحكّمة بين الإفادة مما يجري لإذلال الشعب ومراكمة الأرباح، واللعب على الخارج لإعادة تسويق نفسها.

ليس الدواء الشحيح والمحرقات الملتهبة والسلع الكاوية مسرحاً لإجرام هؤلاء فحسب، بل الإمعان بتسخير الدستور لاصطناع انتصارات ديبلوماسية وهمية ولحماية موقوفين في تفجير المرفأ الإجرامي لطمس الحقائق. .

لبنان ينجو من 19 هجوماً انتحارياً متزامناً وفكرة استهداف ماكرون وردت.. “داعش” يتحرك

الحرب الاهلية هل تتجدّد؟”

“إرتفع منسوب القلق الامني لدى المسؤولين اللبنانيين والغربيين على حدٍ سواء. فالخلاصات التي ظهرت بعد تفكيك خلية “داعش”، إثر الاعتداء الذي نفذته في قرية كفتون، أظهرت انّ الوضع اخطر مما كان يبدو.

فالمجموعة الكبيرة التي جرى القضاء عليها والمؤلّفة من 32 ارهابياً، لا يصح وصفها بالخلية النائمة، التي عادةً ما تتراوح بين ثلاثة الى خمسة ارهابيين. أما هنا فإنّ المجموعة كانت تنقسم الى ثلاث خلايا، واحدة للقتال وتنفيذ العمليات، وهي برئاسة مباشرة من خالد التلاوي ويعاونه احمد الشامي، ومؤلفة من 19 ارهابياً، وأخريين لمهام اللوجستي والدعم والمساندة، وكانتا تتبعان ايضاً للتلاوي.

ولم يكن العدد الكبير لهذه المجموعة هو اللافت فقط، بل ايضاً بقاء 9 ارهابيين سوياً والاختباء في وادي خالد، حيث قاتلوا بشراسة لـ6 ساعات مع القوة الضاربة، قبل ان يُقتلوا جميعاً. والغرابة هنا، انّ الخلايا الارهابية، وعند انكشاف امرها، يقوم عناصرها بالهرب، كل لوحده او في الحدّ الاقصى يترافق عنصران سوياً وليس اكثر. وبين جميع الذين تمّ اعتقالهم، يبدو انّ احمد الشامي الموجود لدى مخابرات الجيش، هو الوحيد الذي يملك القدر الأكبر من المعلومات، وبالتالي يعرف الاهداف الحقيقية لهذه المجموعة، لذلك سيأخذ هذا التحقيق مداه. خصوصاً وانّه جرى مصادرة مبلغ مالي يقارب الـ30 الف دولار اميركي.

في الواقع، فإنّ السرقات التي قام بها الارهابيون لتمويل انفسهم، لا تغطي هذا المبلغ. وبالتالي، فإنّ السؤال الاهم: هل جرى تأمين مبالغ لهؤلاء من خارج الحدود؟ وبأي طريقة؟

المعلومة الأهم التي أدلى بها الشامي، أنّ المجموعة الارهابية كانت مرتبطة بقيادة “داعش” في ادلب في سوريا. وهو ما يعني انّ تنظيم “داعش”، الذي باشر تجديد عملياته منذ فترة في العراق وسوريا، مهتم بالتحرّك في لبنان.

في الواقع، اعلن “داعش” عبر موقعه الرسمي عن تنفيذ حوالى 1300 عملية في العراق منذ بداية العام 2020 وحتى الآن. وبالتالي، فإنّ السؤال هو، ماذا كانت تريد قيادة “داعش” او من يقف وراءها، من مجموعة “داعشية” كبيرة وبهذا الحجم؟
في لائحة الاهداف، كان هنالك العديد من التحضيرات غير المكتملة بعد، كمثل تنفيذ يوم ارهابي حافل يتضمن 19 هجوماً انتحارياً متزامناً في الوقت نفسه مع 19 هدفاً موزعة في لبنان.

وكان هنالك تركيز على اماكن ومعابد دينية مسيحية واسلامية وعلى مراكز للجيش اللبناني. وخلال التباحث بين مسؤولي المجموعة الارهابية، وردت فكرة استهداف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته الثانية الى بيروت.

ولا شك، انّ خزنة الاسرار التي يحملها الارهابي احمد الشامي سيُعمل على فتحها بعناية وتأنٍ، وهو ما سيأخذ بعض الوقت بطبيعة الحال. لكن طالما ثبت الترابط بين المجموعة الارهابية وقيادة «داعش» في سوريا، فلا بدّ عندها توقّع وجود خلايا أخرى يجب رصدها وانتظار ارتكابها اي هفوة تؤدي الى كشفها. لكن المشكلة الفعلية التي تلعب لصالح نمو الخلايا الارهابية، هو الصراع السياسي المتصاعد، والذي يبلغ ذروته مع الفراغ الحكومي، مضافاً اليه احتقان مذهبي يُترجم صداماً على الارض في محطات عدة، وكل ذلك وسط انهيار اقتصادي ومالي وارتفاع كبير في نسبة الفقراء وازدياد هائل في نسبة العاطلين من العمل. ومعه، هل هنالك نية لفتح الساحة اللبنانية امام الرسائل الامنية؟ ولماذا التفكير باستهداف الرئيس الفرنسي في وقت تستعر فيه الحرب الاستخباراتية والامنية بين فرنسا وتركيا من سوريا وصولًا الى ليبيا. فالمعلومات تتحدث عن عمليات امنية متبادلة تحدث بين الاجهزة الامنية للدولتين، وحرب استخباراتية فعلية تدور تحت الارض، وتطال الاراضي الفرنسية احياناً”.

استشارات رفع العتب

هل تسفر استشارات الخميس المقبل عن كسرٍ لحلقةِ الأزمةِ المفرغة، وينفتح الباب لتشكيل حكومة تنتشل الشعب منقعر العقر؟

أغلبُ الظن.. أغلبُ الظن، وفق المعطيات المتوفرة، أن ذلك لن يحصل (ليس التسمية بل تسهيل التأليف). فالقوى السياسيّة تواصلُ، إلى جانب رهاناتها الخارجية، مكرَها التقليدي لتخطي صدمة المؤتمر الصحافي الأخير للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بعد «نجاحها» بتعطيل المبادرة الفرنسية ودفع مصطفى أديب إلى الاعتذار،

والتسبّب بإغراق البلاد بمزيد من الفوضى والارتهان والانهيار، تأكيداً لوصف ماكرون لهم بـ «الخونَة». هؤلاء لم يكتفوا بإفشال المسعى الفرنسي، وهم يمعنون بتضخيم الأزمة السياسية، الاقتصادية، المالية، الاجتماعية والحياتية لدفع كل الأطراف المؤثرة إلى إعادة تبنّي تعويمهم.. أو الذهاب نحو الفوضى.

ذاهبون إلى مزيد من التأزيم والحرائق والتفجيرات الغامضة وهزّ الاستقرار واستحضار الخلايا، والاستثمار في التخريب، تقطيعاً للوقت، ولإرغام هذا على التنازل لذاك

وبحسب متابعين، المبادرة الفرنسية لم تمت، والطبقة السياسية بالرغم من إفشال جولتها الأولى،

أكثر تمسكاً بها لإدراكهم بأنها خشبة خلاص متوفرة سواء لناحية إعادة إنعاش تحكّمهم أو لاستجرار مليارات صندوق النقد و»سيدر» التي يبدو البلد بأمسّ الحاجة إليها، لكن، بحسب المتابعين أيضاً، إن ما فات أصحاب هذه الرهانات، هو أن المبادرة الفرنسية كانت بـ «نكهة أميركية» أكثر وضوحاً وتشدداً في شروط محددة تتجاوز الاستجابة «المتذاكية» لمطلب المباشرة بترسيم الحدود البحرية،

خصوصاً لناحية شكل الحكومة، واستقلاليتها، والانخراط بمكافحة الفساد، والتحضير للانتخابات، قانوناً وإجراءً، وإنجاز الترسيم (وعدم الاكتفاء بالنوايا توصلاً لشياطين التفاصيل والرهان، تالياً، على عامل الوقت)، واستعادة سيادة الدولة على مرافقها وحدودها ومؤسساتها وأجهزتها.. هكذا تكون مواقف ماكرون بإدانة السلوك المليشيوي والتورط بهزّ الاستقرار الإقليمي وتوظيف ذلك في العملية السياسية اللبنانية، وتوبيخ المسؤولين على قلة مسؤوليتهم وفسادهم وتواطئهم مجرد تمهيد للمطالب الجديّة.

في التقدير أيضاً، فإنه – والحال هذه – كما تمّ دفع أديب للاعتذار، وهو أمر كان متوقعاً، فإن أيّ شخصية سيتم تكليفها ستصل إلى ذات النتيجة، إذ كيف سيتم تشكيل حكومة إنقاذية مستقلّة في ظل هيمنة مافيا تتحكم بالسلطة، وتنصب الأفخاخ،

وتمتهن التضليل، وتنسج المؤامرات باسم الدستور والطوائف، وتمعن بعزل لبنان وإفقاره وتجويعه! ولا قيمة لكل مواقف التغزّل والإشادة وإعلان التملّص من مسؤولية إفشال هذا المسعى أو تلك المبادرة، لأنه تقليد لبناني قديم لا يمكن تصديقه أو البناء عليه.

ما جرى سوف يتكرر ما لم يتم تبني خيار الضغط الأقصى على القوى المعطّلة داخلياً وإقليمياً التي تستمر باختطاف لبنان وشعبه كورقة ضغط في مفاوضاتها مع القوى الدولية. هنا يبدو الكلام عن إجراء الاستشارات النيابية أو إعلان النوايا الطيبة أمراً ثانوياً للغاية، قنبلة صوتية تضاهي في خروجها عن السياق الإشادات الماكرة سابقاً بالمبادرة الفرنسية من قبل من عطّلها.

وبعيداً عن الرهان على نتائج الانتخابات الأميركية كيف يمكن فكّ أسر لبنان وشعبه قبل الوصول إلى الانهيار التام؟ من يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن كل ّذلك، ومن أعطى لطرف حزبي، ثنائي أو ثلاثي، صلاحية تهديم لبنان، وعرقلة إنقاذه، وعزله عن محيطه والعالم، وجعله دولة فاشلة وخارجة عن القوانين؟! وكيف يمكن القبول بلعبة التعطيل من قبل أقطاب الفساد، ثم لبس قناع البراءة والحرص على المصالح الوطنية والدستور، متى ينتهي، وإلى الأبد، الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية (أي حكومات نهب ومحاصصة طائفية وحزبية)؟

في الخلاصة، الأمور ما تزال تحت نقطة الصفر، ونحن أمام إستشارات نيابية لتقطيع الوقت واستثارة المكونات الحزبية ودغدغة الشعبويات الطائفية، بعد ذلك سنكون أمام تسمية رئيس مكلف (بعد المرور بمحطة الثنائي الشهير)، ثم مفاوضات قائمة على الذهنية التقليدية في المحاصصة والشروط والشروط المضادة من دون أي التفات لمصالح البلد، ثم الكلام عن حقوق الطوائف والأحزاب والتوازن الوهمي الكاذب ممزوجاً بالكثير الكثير من النفاق والتزوير على الداخل والمجتمع الدولي (الذي يصرّ لأسباب مستهجنة على الظهور بمظهر المخدوع بكلام السياسيين اللبنانيين!)، قبل اللعب على وتر الشارع والحساسيات، واستحضار الإرهاب وسقوط ضحايا، أو اللجوء مجدداً إلى معلم التلحيم (ما غيرو) للضغط على الداخل والخارج.. وأخيراً، رشّة أزمات بنزين، وطحين، وأدوية وسوق سوداء ووجوه سوداء وواقع سوداوي لمزيد من الضغط، ورجال دين يقارعون دولوز وجون راولز في التنظير للدولة المدنية.. كل ذلك للوصول إلى أحد خياري: إعادة إنتاج المنظومة نفسها أو دفع أيّ رئيس مكلف للاعتذار ومزيد من رهن البلاد.. وعلى عينك يا مجتمع دولي!

على المجتمع الدولي وأصدقاء لبنان إدراك أنه يستحيل تشكيل حكومة مُهمّة، أو حكومة إنقاذ، أو حكومة مستقلّين، في ظل وجود هذه المنظومة التي تنصب الأفخاخ، وتبيع الأكاذيب، وتتلاعب بالدستور، وتحترف التعطيل، ثم تتلطى بخلق المؤمرات.. لبنان يعيش في فراغ، وعزلة، وتفكّك. وعليهم جميعاً أن يعرفوا أن هذه المنظومة، قبل 4 آب، وبعده، وقبل المبادرة الفرنسية، وبعدها، وقبل الانتخابات الأميركية، وبعدها… وقحة، طائفية، ناهبة، فاسدة لا تحترم الدستور، ولا مصالح الشعب، ولا تؤتمن على الاستقرار، وهي لن تتورّع بالذهاب نحو الفوضى والمزيد من إبداعات «معلم التلحيم» لإنقاذ نفسها.

على أي حال، في الطريق إلى قعر جهنّم التي بشّرنا بها الرئيس عون، نحن ذاهبون إلى مزيد من التأزيم، والحرائق، والتفجيرات الغامضة، وهزّ الاستقرار واللعب بالأمن، واستحضار الخلايا، والاستثمار في الفوضى والتخريب المرتبط بالخارج وكل ما يمكن أن ينتجه العقل التخريبي المجرم، تقطيعاً للوقت ولإرغام هذا المحور على التنازل لذاك، أما اللبنانيين، فسيزداد بؤسهم وشقاؤهم ووجعهم مع الطبقة إياها ومع هذا العهد، ومع تخلّي المجتمعين العربي والدولي عنهم. في الطريق إلى الاستشارات النيابية، وإلى ما بعد نتائج الانتخابات الأميركية؛ ماذا ستطرح الثورة في سنويتها الأولى، ومن سينتصر؛ لبنان وشعبه أم «معلم التلحيم»؟

اللواء + الجمهورية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق