تدخل فرنسي يؤجل اعتذار أديب واتهام واشنطن بالعرقلة

 باتت مبتذلة جداً ما آلت اليه عملية تأليف الحكومة. وإذا كان الاستمهال لمزيد من المساعي لا شك أفضل بكثير من إيقاف عجلة الاتصالات واعلان فشل المبادرة الفرنسية بما تمثله من القشة الأخيرة التي يتعلق بها لبنان الغريق، إلا أن ما يجري في هذه الاتصالات من كباش وتعنّت ومطالب حول الوزارات، تارة حول “المالية” وطورًا حول “الطاقة”، يبعث على اليأس من إمكانية تغيّر الذهنية التي تتحكم بإدارة البلاد، ويدفع باللبنانيين الى مزيد من الإحباط المعطوف على سيل من الأزمات.

صفر تقدّم سجّل في اليوم السادس عشر لتكليف مصطفى اديب تأليف الحكومة الجديدة، اذ ظلت الامور تراوح مكانها وسط ضغط فرنسي كبير على جميع الافرقاء لكي يتفقوا سريعاً على حكومة والشروع بتنفيذ البرنامج الانقاذي. لكنّ الضبابية باتت تلف المشهد اكثر من اي وقت مضى.

تولى الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إجراء اتصالات بواشنطن، حيث قالت المعلومات إنه تحادث مع وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو معاتباً على كلامه حول لقاء ماكرون برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ضمن إطار ما كان متفقاً عليه بين باريس وواشنطن لمضمون الدور الفرنسي، وموضحاً أن المداورة لم تطرح ضمن الخطة الفرنسيّة وبالتالي لا يمكن تحميل مطلب التوقيع الثالث مسؤولية تعطيل المبادرة الفرنسية، طالباً المزيد من الدعم مع نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي وصفته مصادر تراقب دوره الصاعد بالحزب الحاكم الشمولي. وقالت المعلومات إن ماكرون اتصل بولي العهد السعودي محمد بن سلمان للغرض نفسه، وأوضح للرئيس سعد الحريري موقف باريس داعياً لتليين الموقف من مطلب الثنائي بالتوقيع الثالث، سائلاً الحريري عن سبب عدم مصارحته بمطلبه قبل السير بالخطة الفرنسيّة لمناقشة الأمر مع الثنائيّ قبل اعتماد الخطة والتفاهم على تسهيل عمل الحكومة بدلاً من الوقوع في مطبات مشابهة لما هو حاصل.

مصادر فرنسية قالت إن الرئيس ماكرون يتولى مباشرة وعبر مدير مخابراته السفير برنار ايميه ومسؤول ملف لبنان في الرئاسة السفير امانويل بون، تفاصيل التفاوض الذي بدأ بمسعى فرنسي بين الرئيس المكلف مصطفى اديب وممثلي الثنائي المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل، حيث تبلغ الثنائي عدم الممانعة بالتوقيع الثالث، مقابل تولي التسمية من قبل الرئيس المكلف، ولما دار النقاش معه وعرضت أمامه المواقف طلب الاستمهال لسؤال مرجعيته التي تتمثل بالرؤساء السابقين للحكومات، بعدما كان أديب زار قصر بعبدا وطلب من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المزيد من الوقت لمزيد من المشاورات تطبيقاً للنصيحة الفرنسية.

وفي معلومات “الجمهورية” انّ اديب، الذي تريّث بناء على طلب فرنسي في الاعتذار الذي يعتزم الاقدام عليه، تلقى نصيحة بضرورة الجلوس مع “الثنائي الشيعي” للتفاوض، وعلى هذا الاساس كان لقاؤه مع “الخليلين” أمس، ولكن خلال هذا اللقاء لا هو خرج عن طلب رؤساء الحكومات السابقين المتشدّد باستعادة وزارة المال الى حصة الطائفة السنية واعتماد المداورة الشاملة في كل الوزارات، وفي المقابل لم يتنازل الخليلان عن موقف الثنائي الشيعي المتمسّك بالاحتفاظ بوزارة المال ضمن حصته كحق ميثاقي يجعل الطائفة الشيعية شريكة وازنة في القرار على مستوى السلطة.

وعلمت “الجمهورية” انّ اديب قال للخليلين انه يأخذ برأي رؤساء الحكومات السابقين “لأنهم هم من سَمّوني ولا استطيع ان اخرج عن رأيهم وموقفهم”. امّا الخليلان فأبلغا إليه “انّ كل الامور يمكن ان تكون قيد النقاش وإننا منفتحون على التشاور في كل النقاط باستثناء وزارة المال وتسمية من سيتولّاها، أي ان المطلب الثابت الذي لا نقاش فيه هو اننا نريد حقيبة وزارة المال ونحن من نسمّي وزيرها بالاتفاق معك”.

وكشفت مصادر مطلعة على أجواء التأليف ان الرئيس سعد الحريري كان قد أبدى مرونة خلال ساعات ما قبل الظهر حول اسناد وزارة المال الى الثنائي الشيعي، لكنه عاد وتراجع عنها تحت ضغط رؤساء الحكومات السابقين ولا سيما منهم الرئيس فؤاد السنيورة.

وقالت هذه المصادر: “صحيح انّ الجميع ملتزم المبادرة الفرنسية وكل طرف يفصّلها على قياسه فيما بنودها هي عناوين عريضة ولم تحدد تفاصيلها، لكن الاكيد انّ هناك من يتلطّى خلف هذه المبادرة لتحقيق مكاسب بذريعة انّ من يرفض يتحمّل المسؤولية عن فشل المبادرة في حال حصوله”.

وسُئلت المصادر عن الوزير جبران باسيل النائي بنفسه حالياً عن كل ما يحصل، فأجابت “انّ باسيل الآن هو خلف رئيس الجمهورية الذي سيعود له توقيع مرسوم تأليف الحكومة، وهو ينتظر ما ستؤول اليه الامور”.

وعلمت “الجمهورية” انّ اتصالاً سيحصل في الساعات المقبلة بين عون وماكرون للتشاور في آخر التطورات.

وكان عون قد التقى أديب الخامسة عصر أمس وعرضَ معه نتائج الاتصالات والمشاورات الجارية لتشكيل الحكومة العتيدة، والسبل الآيلة الى تذليل الصعوبات التي برزت في الفترة الاخيرة، مع الابقاء على هدف الاسراع في ان تُبصر الحكومة الجديدة النور في اسرع وقت ممكن.

وخلال اللقاء، طلب عون من أديب “الاستمرار في الاتصالات الجارية لمعالجة الملف الحكومي، لأنّ الظروف الراهنة في البلاد تستوجب عملاً إنقاذياً سريعاً، لا سيما انه انقضى 16 يوماً على التكليف ولبنان ينتظر التفاهم على تشكيل حكومة جديدة”. وأكد “التمسّك بالمبادرة الفرنسية بكل مندرجاتها، والتي كانت قد حظيت بتوافق القيادات السياسية اللبنانية”.

وبعد اللقاء قال أديب: “عرضتُ مع فخامة الرئيس الصعوبات التي تعترضنا في تشكيل الحكومة الجديدة، وإنني أَعي تماماً ان ليس لدينا ترف الوقت، وأعوّل على تعاون الجميع من اجل تشكيل حكومة تكون صلاحياتها تنفيذ ما اتفق عليه مع الرئيس ماكرون. اتفقنا مع فخامة الرئيس على التريّث قليلاً لإعطاء مزيد من الوقت للمشاورات لتشكيل الحكومة، ونأمل خيراً”.

حول لقاء عون وأديب
وفي الوقت الذي تردد انّ اديب كان يحمل كتاب اعتذراه في جيبه، نَفت مصادر مطلعة عل اجواء قصر بعبدا لـ”الجمهورية” ان تكون دوائره قد اطّلعت او انها على علم بمِثل هذه الخطوة، وإن كان هناك من قال انّ الرئيس المكلف أبقى كتاب الإستقالة في سيارته ولم يحمله في جيبه.

وفي ضوء هذه الرواية أكدت المصادر المطلعة لـ”الجمهورية” انّ اديب تلقى اتصالات في اللحظات الأخيرة التي سبقت وصوله الى بعبدا من مراجع معنية في باريس نَصحته بالإستفادة من مهلة التأليف الممددة الى نهاية الأسبوع، وتأجيل الحديث عن اعتذار او اعتكاف.

وقالت مصادر بعبدا لـ”الجمهورية” انّ أديب “لو فاتحَ عون بمثل هذه الخطوة لكان هو ايضاً سيطلب منه التريّث قبل الاقدام عليها، فالاجواء توحي بوجود نية لاستكمال الاتصالات والاستفادة من كل مسعى لتأليف الحكومة في وقت قريب”.

واضافت المصادر انّ المهلة المتاحة كافية لإيجاد المخرج المطلوب، من دون ان تشير الى شكل هذا المخرج او ماهيته، مؤكدة “انّ هناك فرصة حقيقية، وإن لم تكن مضمونة حتى اللحظة، فالوضع لا يتحمّل خسارة المبادرة الفرنسية او فشلها، وهو أمر يدركه جميع الأطراف وهم على علم بخطورته”.

وفي المقابل، أجمعت مراجع ديبلوماسية وسياسية معنية عبر “الجمهورية” على نَفي الروايات المسرّبة التي قالت انّ باريس أنهت النقاش في موضوع المداورة في الحقائب الوزارية، وانها كانت وما زالت مع اي مخرج يؤدي الى تطبيقها.

ولفتت المصادر الى انّ عدم المداورة والحديث عن حق بعض الأطراف بتسمية اي وزير من وزراء الحكومة العتيدة يُنهي دورها واهميتها وما أُريد لها للخروج من المأزق في المرحلة الانتقالية المقبلة.

 رصد أخباركم عن: الجمهورية+الأنباء+البناء  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق