أديب ينتظر مبادرة فرنسية أو الإنهيار

بين الضغط الأميركي والتوازنات الداخلية، تترنّح المبادرة الفرنسية في انتظار خرق ما يعدّل مسارها، أو يدفع بها إلى الهاوية. فطريق تأليف الحكومة حتى مساء أمس، كان لا يزال مليئاً بالمطبات.

وقد أجرت مصادر فرنسية “جردة حساب” لمبادرات الأسبوعين الماضيين، وأقرّت بأن باريس غرقت في الوحل اللبناني. فهي من جهة محاصرة بشرط اميركي يطالب باستبعاد حزب الله عن الحكومة.

وهو ما عبّر عنه مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر في زيارته الاخيرة لبيروت. ومن جهة اخرى، عانت المبادرة الفرنسية من عطب أساسي تمثّل بتعدد الطباخين: السفارة في بيروت، الخارجية، المخابرات الخارجية، والإليزيه.

ولكلّ من هذه الدوائر “مصادرها” التي تزوّدها بـ”المعلومات” والتقديرات… إضافة إلى لوائح بالمرشحين للتوزير كانت سيرهم الذاتية تُجمع في بيروت وتُرسل إلى العاصمة الفرنسية من اجل التدقيق فيها!

وبحسب المصادر الفرنسية لـ”الأخبار”، فإن احد الاخطاء المرتكبة كان في استسهال ترك أمر التأليف بيد ثلاثي سعد الحريري وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي.

كما بدأت تلوح معالم دفع مكشوف من جانب الثنائي الشيعي خصوصا لابقاء البلاد تحت وطأة تصريف الاعمال الطويل الذي تتولاه حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة ربما الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني المقبل.

ذلك ان التصعيد الكبير الذي طبع موقف الثنائي الشيعي والذي ابلغ بطريقة رسمية مثبتة الى الرئيس عون امس تحت شعار الرفض المطلق للتخلي عن حقيبة المال غير القابل للمراجعة او التراجع، بل واشتراط تسمية الوزير الذي سيشغل هذه الحقيبة، وكذلك تسمية كل الوزراء الشيعة، رسم اطارا صداميا مكشوفا للموقف الشيعي في مواجهة كل من الرئيس المكلف والفريق السني الذي يدعمه وتحديدا الرئيس سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين كما في مواجهة المبادرة الفرنسية التي راح بعض الغرف السياسية والإعلامية المرتبطة بالثنائي الشيعي يروجون معطيات مزعومة عن اتجاهها الى الأخذ باشتراطات الثنائي بل والضغط المزعوم على الفريق الداعم للرئيس المكلف لاتباع المرونة مع اشتراطات الثنائي الشيعي. في أي حال لم تتأخر الوقائع الحقيقية في تظهير ما انكشف من وجود “غرفة عمليات” سياسية لم تعد مهمتها محصورة بإدارة معركة الثنائية الشيعية وحدها بل اتسعت لتوزيع التوجيهات على حلفاء الثنائي من قوى 8 آذار.

وانكشفت هذه المعطيات بوضوح من خلال اتساع عدوى الاشتراطات لدى الكتل النيابية الحليفة للثنائي ولو من أبواب أخرى غير تلك التي يتشبث بها الثنائي بما يكبل واقعيا الرئيس المكلف ويجعله امام احراج شديد بين ان يسلم بقواعد عادت القوى السياسية لتمليها عليه وتفرضها كأمر واقع، وكأنه يحكم على مهمته وحكومته برمتها بالانتحار الاستباقي، وبين ان يرمي كرة التحدي في وجه المعرقلين والمنقلبين على تعهداتهم امام الفرنسيين بما يثير خطر انفجار سياسي ومذهبي لا تحتمله البلاد. ولذا قيل ان الرئيس المكلف سيكون جاهزا لاحتمال اعلان اعتذاره ما لم تخضع اشتراطات المعرقلين لتدوير زوايا وإعادة نظر. ولعل الساعات المقبلة التي ستشهد لقاء في قصر بعبدا بين الرئيس عون والرئيس المكلف مصطفى أديب لاطلاع الاخير على نتائج الاستشارات التي اجراها رئيس الجمهورية ستشكل مفترقا حاسما في قرار أديب الأقرب الى الاعتذار بعدما ضربت مهمته كما أجهضت المبادرة الفرنسية.

خيار الاعتذار
ووفق المعلومات ان خيار الاعتذار هو احد ابرز الخيارات الجدية. وتقول مصادر مطلعة على موقف الرئيس المكلّف انه ” ليس متمسكاً بالتكليف ولا يريد تحدي اي طرف كما لا يريد ان يتخلى عن مبادئه بتشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين غير منتمين سياسياً، فحكومته هي “حكومة مهمة” وهو الذي يسمي الوزراء وهو ليس سياسياً لتكون حكومته او وزراءها سياسيين او ممثلين لسياسيين.
وتشير المصادر المطلعة نفسها الى ان أديب “لا يريد معركة مع احد ولا يريد السير بوجه طائفة او اي طرف واذا لم يكن مدعوماً من كل الاطراف فلن تكون “حكومة المهمة” قادرة على انجاز المهمة المطلوب انجازها في اشهر قليلة”. لذلك ، تقول المصادر إن الاعتذار يشكل احد ابرز الخيارات الجدية لدى الرئيس المكلّف، وهو لا يريد اضاعة المزيد من الوقت، والاعتذار هو لإفساح المجال امام محاولة ايجاد فرصة جديدة للحل.
انطلاقاً من هذه المعطيات ، من المتوقع ان يعتذر اديب عن التكليف بعد التشاور مع رئيس الجمهورية، واذا لم يكن ذلك في لقاء اليوم الاربعاء فغداً ، خصوصاً اذا لم يطرأ تدخل فرنسي لانقاذ المبادرة والحكومة قبل الوصول الى هذا القرار الذي يعني عملياً انتهاء المبادرة الفرنسية ، والدخول في مرحلة جديدة من الغموض.
وكان رئيس الجمهورية انهى مشاوراته التي اكدت المؤكد انما بشكل رسمي: الثنائي الشيعي “أمل” و”حزب الله” يتمسكان بحقيبة المال للطائفة الشيعية وبتسمية الوزراء الشيعة في الحكومة مع استعداد للاتفاق على اسماء الوزراء مع الرئيس المكلّف.
وهذا الموقف الموحد سمعه رئيس الجمهورية من رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” محمد رعد ومن وفد كتلة التنمية والتحرير الذي ضم علي حسن خليل ومحمد خواجة.
والموقف نفسه كان محور اتصال مطول تم اول من امس بين رئيس الجمهورية والرئيس نبيه بري الذي يصر على ان حقيبة المال هي خارج مبدأ المداورة.
والمفارقة ان رئيس الجمهورية مع المداورة الشاملة بما فيها المال وبشرط موافقة جميع الاطراف. وكذلك كل الكتل الاخرى خارج الثنائي الشيعي كانت مع المداورة الشاملة. وعلم ايضاً ان رؤساء الحكومات السابقين الاربعة اجتمعوا اول من امس في بيت الوسط بعيداً من الاعلام للتشاور في ما آلت اليه الازمة، وفِي كيفية الخروج منها بعدما دخلت عملية التأليف في مأزق.

بومبيو وباريس
وسط هذه المناخات المأزومة جاءت مواقف جديدة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لتزيد سخونة الموقف المتصل بالوساطة الفرنسية اذ ان بومبيو انتقد عدم تصنيف فرنسا “حزب الله” كمنظمة ارهابية، موجهاً سهامه في مقال نشر على موقعي “لوفيغارو” و”الخارجية الأميركية” الى لقاء الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد . ومما قاله :”… ترفض فرنسا، للأسف، تصنيف “حزب الله” بأكمله في خانة التنظيمات الإرهابية، أسوةً بما فعلته دول أوروبية أخرى. وقد عطّلت أيضاً تقدّم الاتحاد الأوروبي باتجاه اتخاذ مثل هذا الإجراء. بدلاً من ذلك، تتمسّك فرنسا بالوهم القائل بوجود “جناح سياسي” لـ”حزب الله”، في حين أن الحزب بأكمله يخضع لسيطرة إرهابي واحد هو حسن نصرالله…. تؤدّي الحسابات السياسية أيضاً دوراً في الموقف الأوروبي، إذ يمتنع العديد من القادة عن القيام بأي خطوة بانتظار ما ستؤول إليه الانتخابات الرئاسية الأميركية. تنظر هذه المناورة الوقحة إلى ما تمارسه إيران من تشويه وقتل بأنه أضرار جانبية مقبولة، في حين أنها تعتبر، للأسف، أن واشنطن هي أشد خطورة من طهران على العالم. أتساءل إذا كان سكّان بيروت أو الرياض أو القدس – أي المدن الأكثر تعرّضاً للخطر بسبب إيران – يتفقون في الرأي مع هذه النظرة؟ كيف يُعقَل أن تصوّت فرنسا ضد تمديد حظر السلاح، وأن يلتقي الرئيس ماكرون مسؤولاً كبيراً في “حزب الله” في الأسبوع التالي؟”. وفي حديث الى “راديو فرانس إنترناسيونال” اعلن بومبيو ان “الولايات المتحدة ستمنع ايران من تزويد حليفها “حزب الله ” السلاح ومن الحصول على أسلحة روسية وصينية ما قد يؤدي الى نسف جهود ماكرون في لبنان.

أيّ سيناريو ينتظر لبنان بحال عدم ‏تشكيل حكومة؟

رأى مدير أنظمة الدفع سابقا في مصرف لبنان رمزي حمادة “سيناريو كارثياً ينتظر لبنان بحال عدم ‏تشكيل حكومة إنقاذ، محوره الفوضى، الذي سيضرب على مختلف الأصعد، من الإقتصاد إلى الأمن والسياسية”، ‏محذّرا من “نسب الفقر التي ترتفع بشكل ملحوظ، والتي ستؤدّي إلى مشاكل إضافية، مع إحتمال إرتفاع نسب الجريمة ‏والسرقة، خصوصا مع رفع الدعم الذي ينتظره المواطن قريبا، وبالتالي المس بالأمن الغذائي والصحي‎”.‎

في السياق، أشار حمادة إلى “فقدان الدولة مصادر التمويل، وبالتالي قد تتخلف أيضا عن دفع رواتب الموظفين، بعد ‏فترة لا تتعدى شهر شباط أو آذار، بحال إستمر الوضع على حاله‎”.‎

أما في حال قررت الدولة التخلف عن دفع سندات الدين، كالتخلّف السابق عن دفع اليوروبوندز‎ “Eurobonds”‎، ‏فيتوقع حمادة “توجّه دائني لبنان إلى القضاء، لمقاضاة الدولة، ما يعني عزل لبنان أكثر، وإستحالة إمكانية الإستدانة ‏مرة أخرى، كما وفرض عقوبات، وبالتالي وقف مصادر تمويل الدولة، بحيث أن اللبنانيين نفسهم لن يرسلوا الأموال ‏بعدها‎”.‎

أما في ما خص صندوق النقد الدولي، فقد لفت حمادة إلى أن “فرصة صندوق النقد سانحة دائما، إلّا أن تراجع الوضع ‏الإقتصادي أكثر سيفرض شروطا أصعب، كما أن الصندوق يراقب لبنان اليوم، وقد سجّل نظرة سيئة، ما سيصعّب ‏الأمور أكثر‎”.‎

وختم حمادة مشدّدا على “ضرورة تغيير النهج الحالي والعقلية المتّبعة، وتشكيل حكومة إختصاصيين مستقلين، على أن ‏يُعتمد مبدأ المداورة بالنسبة للمقاعد الوزارية، والتوجّه فورا دون تأخير للإصلاحات ومحاولة الإستفادة من ‏المساعدات، لتفادي السيناريو المرعب بحال فات قطار لبنان محطّة النهوض‎”.

النهار+الأخبار+الأنباء

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق