موافقة على المداورة بالحقائب وصيغة جامعة للحكومة

‎بعدما أعلن معظمهم في مشاورات التأليف النيابية أنهم لا يريدون شيئاً ثم ذيّلوها بشروط تنقض إستغناءهم عن التمسك ببعض الحقائب ظهر جليّاً أن الأمور بعد زيارة الرئيس الفرنسي لم تتغيّر وأن السلطة الحاكمة مازالت تتمسك بأي شيء يعيدها تحت ستار مستشارين أو إختصاصيين أو سياسيين للهروب من المحاسبة بقضية المرفأ و التدقيق الجنائي.

وعلى رغم الستار الكثيف من الكتمان الذي يغلف مجريات الاتصالات والمشاورات لتأليف ‏الحكومة الجديدة والتي يبدو ان الرئيس المكلف مصطفى أديب يحرص على إبقائها في ‏منأى عن الاستنزاف الإعلامي اليومي ولعبة حرق الأسماء، بدأت تتجمع معطيات جدية في ‏شأن الأسبوع الثاني والنهائي من “مهلة ماكرون” لانجاز تشكيل الحكومة بما يفترض معه ‏توقع الولادة الحكومية في نهاية الأسبوع الحالي او مطلع الأسبوع الطالع على ابعد تقدير، ‏ذلك ان البارز في ما تسرب لـ”النهار” من معطيات عن مناخ استحقاق تشكيل الحكومة ‏يتمثل في ان مهلة الأسبوعين التي اتفق عليها بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ‏والقيادات السياسية والحزبية اللبنانية في قصر الصنوبر تفترض ولادة الحكومة ما بين 16 ‏و20 أيلول الحالي كحد اقصى الامر الذي يضفي على العد العكسي الجاري لانجاز استحقاق ‏التأليف جدية استثنائية لم يسبق ان جرت عملية تشكيل حكومة في ظل مهلة مماثلة لها ‏وبهذا الالتزام السياسي شبه الجماعي اقله امام الرئيس الفرنسي.

واللافت في هذا السياق، انّ غالبية هذه القوى التي سمّت اديب، وبعد مرور اسبوع من ‏مهلة الاسبوعين، ليست على علم او بيّنة مما لدى الرئيس المكلّف، او مما يريده، او الأسس ‏التي سيبني عليها حكومته. فما يرد اليها في هذا المجال، ليس اكثر من روايات وتحليلات ‏وافتراضات سياسية وصحافية، ما خلا بعض قليل جداً، تسنّى له الاطلاع من اديب على ‏اوراقه المستورة، فلاحظ انّ الصيغة الحكومية التي يريدها، هي نفسها الصيغة التي ارادها ‏الرئيس سعد الحريري، وسبق ان نادى بها مراراً بعد استقالته بعد انطلاق انتفاضة 17 ‏تشرين الاول 2019، اي حكومة اختصاصيين بلا سياسيين، تعمل بلا اي معوقات او مطبّات ‏أو محاولات تعطيل. واستنتج المطلعون على الاوراق المستورة، من ذلك، أنّ دوراً ما، ‏مباشراً او غير مباشر، للرئيس الحريري في حركة التأليف التي بدأها الرئيس المكلّف‎.‎

وتبعا لذلك ترجح ‏المعطيات المتوافرة لـ”النهار” ان يضع الرئيس المكلف تصوره الأول لتركيبته خلال ‏الساعات المقبلة وان يزور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لاطلاعه عليه. وبات في ‏حكم المؤكد تقريبا ان الرئيس المكلف الذي لم يقتنع بتركيبة حكومية موسعة من 22 او 24 ‏وزيرا كما اقترح عليه الرئيس عون في لقائهما السابق يتجه الى وضع تصوره من 14 وزيرا ‏لاختصاصيين غير حزبيين وغير منتمين سياسيا الى أي جهات ويعتمد اختيارهم على معيار ‏الاختصاص والكفاءة. وفي المعلومات أيضا ان أديب يتولى الاتصالات اللازمة بالمرشحين ‏المحتملين لتولي حقائب وزارية من داخل لبنان وخارجه أيضا تبعا للاختصاصات وأصحاب ‏الكفايات.

ومن النماذج على محاولات استقطاب أصحاب كفاءات عالية ان البروفسور جمال ‏الأيوبي رئيس مركز الجراحة النسائية وطفل الأنبوب في جامعة باريس المعروف أيضا ‏بنشاطه البارز مع الإدارة الفرنسية في تقديم الدعم الصحي والطبي والاستشفائي الى ‏لبنان تلقى اتصالات من الرئيس المكلف في مجال اقتراح انضمامه الى الحكومة العتيدة ‏ولكنه اعتذر متعهدا المضي بلا كلل في توفير كل مجالات الدعم للقطاع الصحي ‏والاستفائي في لبنان. كما ان أديب يبدو حريصا على استكمال فريق اختصاصيين منسجم ‏ومتماسك ما لم تخترق الحسابات السياسية او بعضها خطته. وتفيد معلومات في هذا ‏الصدد بان أديب يراهن على ان يلاقيه الافرقاء كما وعدوا بالتسهيلات لتأليف فريق عمل ‏منتج ومنسجم ولكن اذا تعذر عليه تشكيل هذا الفريق الوزاري بسبب قيود او شروط فانه ‏سيعتذر عن تأليف الحكومة . ويبدو كما توافرت معلومات لـ”النهار” ان ثمة معطيات برزت ‏في الساعات الأخيرة تشير الى امكان قبول الثنائي الشيعي باعتماد المداورة في الحقائب ‏بما يعني قبوله بذهاب وزارة المال الى غير وزير شيعي وذلك لقطع الطريق على أي ‏فريق اخر للتمسك باي حقيبة كما ان الأحزاب والقوى السياسية لن تسمي مرشحين. وتشير ‏هذه المعطيات الى ان “حزب الله” يبدي حرصا شديدا على عدم اغضاب الجانب الفرنسي ‏اذ يبدي الحزب ارتياحا كبيرا لوساطة ماكرون‎.‎
‎ ‎
وبرز في سياق المواقف السياسية من استحقاق التأليف تحذير رئيس الحزب التقدمي ‏الاشتراكي وليد جنبلاط مساء امس من تأخير تشكيل الحكومة اذ وصف مجددا مبادرة ‏الرئيس ماكرون بانها “آخر فرصة انقاذية للبنان بعد كارثة تدمير الأشرفية ومار مخايل ‏والمرفأ “. وقال عقب استقباله رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في ‏كليمنصو “اذا غرقنا في التفاصيل الوزارية يبقى المرفأ مدمرا ومار مخايل والاشرفية ‏وغيرها مدمرة وقد يغرق لبنان في المزيد من التأزم الاقتصادي‎”.‎

 و تقول مصادر معنية بالملف الحكومي ‏لـ”الجمهورية”،انّ كفة الاختيار قد تميل الى التسليم بحكومة اختصاصيين متفاهم عليها بين الجميع‎.‎
وقالت المصادر: “انّ التزام الاطراف جميعهم بالمبادرة الفرنسية وانجاحها، والتعجيل في ‏تشكيلها، يضاف اليه الضغط الخارجي الكبير، وتحديداً من قِبل الفرنسيين للتعجيل ‏بالحكومة، يُضعف اي احتمال لأي اشتباك حول شكل الحكومة، او اي اصرار على اشراك ‏سياسيين فيها. وبما انّ التوجّه العام لدى مختلف القوى السياسية هو تجنّب الدخول في ‏عملية شدّ الحبال، كما كان يحصل من قبل حول الحكومة بشكلها وتركيبتها واسماء وزرائها ‏وتوزيعة حقائبها، فعلى قاعدة التسهيل، من غير المستبعد التسليم بالذهاب بسلاسة الى ‏حكومة اختصاصيين بالكامل، مؤيّدة بغطاء سياسي من خارجها، ممتد على كل القوى التي ‏سمّت اديب لرئاسة الحكومة‎.‎

وتخالف المصادر ما يُقال عن انّه في الذهاب الى حكومة اختصاصيين، كسراً لأي طرف، او ‏انّ هذه الحكومة هي حكومة تكنوقراط تشبه بشكل او بآخر حكومة حسان دياب بتركيبتها. ‏ذلك انّ جملة وقائع تثبت عكس ذلك‎:‎

اولاً، انّ حكومة الاختصاصيين، إن تمّ التوافق على الذهاب اليها، لن تكون شبيهة بحكومة ‏حساب دياب، وبطاقمها الوزاري الضعيف فيها، وبافتقادها للحضانة السياسية الواسعة لها‎.‎

ثانياً، انّ لدى الحكومة الجديدة، برنامجاً واضحاً، وكل الاطراف السياسية مؤيّدة مسبقاً لهذا ‏البرنامج، وملتزمة برعايته وحمايته وتنفيذه كما حدّدته المبادرة الفرنسية. ومع هذا التأييد ‏الواسع لا يعود مهماً ان تضمّ سياسيين في تشكيلتها. فهذا تفصيل بسيط يمكن تجاوزه ‏بسهوله، وبالتالي لن يشكّل عقدة في طريق ولادة الحكومة‎.‎

ثالثاً، انّ وضع الحكومة الجديدة مختلف كلياً عن الحكومة السابقة، فهي متمتعة سلفاً بثقة ‏واسعة في مجلس النواب، تؤمّنها الاكثرية النيابية الموصوفة التي سمّت اديب، خلافاً ‏للحكومة السابقة التي كانت مقيّدة ومحكومة لأكثرية حرجة في مجلس النواب أمّنت لها ‏ثقة على المنخار، وكانت عرضة للاهتزاز في اي لحظة. ذلك انّ استقالة وزير واحد (مسمّى ‏من قوى سياسية او حزبية) منها كانت كافية لسقوطها، اذا ما طُلِب التصويت على الثقة ‏بها‎.‎

النهار+الجمهورية
‎ ‎

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق