الصدر: المقاومة… الدولة والشيعة

بمناسبة السنوية الـ 42 لتغييب الإمام موسى الصدر، كتب القيادي السابق بحركة أمل محمد عبيد:
“سيّدي الإمام، لن أتحدّث عن زُرقة عينيك، فهي هِبة من الله، ولن أتغنّى بقامتِك الفارهة، فهي بَعضٌ من موروثك الجيني، ولن أستعير من كتابنا المُنزل توصيف الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليشقّ بحر الناس، ولن أتغطّى بعباءتك لأنها بقيت على تلال كفرشوبا يوم توسّدتها سجادة صلاة للمقاومة، ولن أجرؤ على أن أحمل ثِقَل عمامتك وما إحتوته من مخزونٍ رسالي لم تقدر عليه الجبال.. سأحدّثك عنك فينا، عن لبنانك الذي أحببت الى حدّ التماهي، عن مقاومتك التي أسّست لتبقى الى أن يأتي الله أمراً كان مفعولاً.


إنّ الإحاطة بشخصية جامعة وجدلية في آن بحجم الإمام السيد موسى الصدر ليس أمراً سهلاً، وربّما غير ممكن أصلاً، ذلك أنّ فرادة ما إحتواه هذا الإمام من تناغم بين شيعيته الوهاجة عِلماً، وبين لبنانيته المُفرطة فخراً، وبين إيرانيته المتجذّرة ثقافة وسلوكاً، هذا التناغم منحه إمكانية تقديم نفسه كحالة إنسانية رسالية تتجاوز في طروحاتها حدود الأوطان والقوميات وحتى الأديان من جهة، ومن جهة أخرى حيثية سياسية كيانية وطنية مؤسِّسَة، وكذلك فعالية عربية منفتحة، وأيضاً مرجعية ثورية إيرانية متقدّمة.

قد لا تعجب البعض هذه التوصيفات، لأنّ هذا البعض عمل على إختصار حركة الإمام على قياسه أو بحدود إستيعابه لتلك الحركة، بينما التبحّر في فهمه وفهم حركته وأدواره التي إعتبرها دائماً أنها مُحدّدة من الله وحده، ممّا جعلها تتجاوز حدود تطويقه بشعارات وأفكار ومفاهيم وعناوين سياسية أو طائفية، هذا التبحّر يقودنا الى إستنتاج وحيد، أنّ الإمام الصدر كان قائداً مساهماً في مشروع تغيير كبير، وكان لبنان الحرية والتعدّد والإنفتاح منصّته هو المتوثّبة للإنطلاق منها لملاقاة هذا المشروع.

لذلك، أفرد الإمام الجزء الأهمّ من عمره وحركته لتصليب جبهة هذا اللبنان، عبر محاولات دؤوبة لإستنباط تفاهم داخلي وإقرار من كافة مكوّناته بالبحث في تعديل المنطلقات والمفاهيم التي قام عليها لبنان الكبير العام 1920، والتي لم تلحظ قيام كيان عدو على أرض فلسطين المحتلّة، مع ما حمله ذلك من تغييرات إستراتيجية في مقاربة الأمن والسلام وتوزيع الثروة في المنطقة. والأهمّ بالنسبة للإمام، الخطر الذي إستشرفه باكراً حول الدور المرسوم لهذا الكيان في ضرب نماذج التعايش والتنوّع في المشرق، ناهيك عن إستعماله من بعض القوى العُظمى شرطياً على دول المنطقة، حماية لمصالحها وأدوارها في الإمساك بالنظام العالمي.

لم يفلح الإمام في صوغ هذا التفاهم ولا في الإتّفاق على ذلك الإقرار، لأنّ تحقيقهما كان يعني عملياً قيام دولة جدّية لا إمتيازات طائفية أو طائفية – سياسية أو إقطاعية فيها، ودولة مقاوِمة أيضاً تحمي حدودها بالإستبسال حتى الشهادة للدفاع عنها. لذلك، إتّجه الإمام الى العمل لتكوين مجتمع مقاوم يحمل أعباء ما تخلّت عنه الدولة في مواجهة الإعتداءات الإسرائيلية، كما يُجَنِّب اللبنانيين ضياع وطنهم على طاولة مشاريع التوطين، أو الإحتلال الطويل الأمد الذي يفرض ترتيبات حدودية وإستراتيجية تنتقص من سيادة الدولة على أرضها ومياهها وسمائها وثرواتها الطبيعية. ولعلّ الإنجاز التاريخي والآني والمستقبلي الأبرز للإمام، هو تكوينه لهذا المجتمع الذي أنتج المقاومة اللبنانية التي، وإن كان يحمل لواءها حالياً “حزب الله”، إلا أنّها ما زالت تنطلق من الثوابت العقائدية والإستراتيجية ذاتها التي أرادها الإمام، بل الأهمّ أنّها تحوّلت مؤسسة قائمة بذاتها تعوّض الغياب التاريخي، المفروض حيناً والمقصود أحياناً أخرى للدولة عن الإضطلاع بواجباتها تجاه شعبها وحدودها.

وبموازاة ذلك، لم يعتبر الإمام الصدر أنّ جهده المضني لإنشاء المقاومة، يمكن أن يُشغِله عن السعي لإصلاح النظام السياسي، لذلك أطلق شعار أنّ “كل بيت للفساد هو خلية للعدو في الداخل”، وهو تحذير أعلنه في العام 1974، رسم من خلاله معادلة أنّ تصحيح وضع الدولة ومكافحة الفاسدين فيها، وإرساء نظام العدالة الإجتماعية والمساواة بين اللبنانيين، يساوي التثقيف والتدريب والتجهيز العسكري واللوجستي وتأمين مقوّمات الصمود الإقتصادي الإجتماعي في مواجهة العدوّ.

ولأنّ الإمام إختبر عن قرب المنظومة السياسية المتوارثة، وإن تبدّلت أسماؤها وعناوينها الحزبية أو الطائفية أو الإقطاعية المتجدّدة، يبدو في شعاره الإستباقي هذا قارئاً في مستقبلنا الذي نواجهه اليوم. ذلك أنّ المعضلة الأبرز التي تواجهها المقاومة هي كثرة بيوت الفساد في الداخل ممّا أدّى الى إنكشاف الدولة وإنهيارها واللبنانيين معها جميعاً، باستثناء الفاسدين، إقتصادياً ومالياً ونقدياً أمام أعداء المقاومة، وبالتالي الضغط لتكريس معادلة أنّ قيام الدولة من جديد، وإنقاذ اللبنانيين من واقعهم الكارثي لا يمكن أن يتمّ في ظلّ تحكّم فئة سياسية – طائفية بدولتهم وبمستقبلهم، ولا بقرارهم السيادي. ممّا يعني أنّ ثمن إعادة تعويم الدولة، والإستمرار في إقراضها ومنحها الهبات والمساعدات مرهون بإنكفاء المقاومة وتخلّيها، ليس عن دورها الإقليمي فقط، وإنّما عن مسؤوليتها الوطنية في الدفاع عن لبنان واللبنانيين.

إنّ الموضوعية تفترض عدم التغاضي عن مسؤولية “حزب الله” في صوغ تسويات متعدّدة مع منظومة الفساد المُتجذّرة منذ 28 عاماً في مفاصل الدولة ومؤسّساتها التشريعية والحكومية والإدارية والقضائية وحتى الأمنية والعسكرية، غير أنّ ذلك لا يعني مطلقاً القبول بإعتماد تلك المعادلة خياراً محتوماً، في حين أنّ المطلوب إخراج دويلات الفساد الطائفية والمذهبية من الدولة أو من ما تبقّى منها، خصوصاً وأنّ أمراء هذه الدويلات وإقطاعييها الجدد هم أنفسهم كانوا، وما زالوا، أدوات وممرّات أعداء المقاومة الذين سَهَّلوا محاصرتها ومحاصرة لبنان واللبنانيين معها.

غير أنّ السؤال الأكثر تعقيداً من تلك المعضلة والذي يحتاج الى إجابة رؤيوية وعملية فهو: بما أنّ الشيعة المقاومين تقدّموا لحمل مسؤولية تحرير لبنان، وحمايته من العدوان الإسرائيلي والإرهابي التكفيري، هل سيمتلكون الجرأة ليكونوا رافعة الإصلاح الحقيقي وإعادة بناء الدولة على أسس نظيفة، مع ما يفرضه ذلك من أثمان قد تطال بعض الشيعة أو بعض حلفائهم؟

هو سؤال من المفترض أن تتضمّن الإجابة عليه آلية واضحة لإعادة تأسيس حضور فاعل وشريف للشيعة في الدولة المرجوّة، لأنه عند ذلك فقط، يمكنهم إسقاط مقولة التضادّ بين قيام الدولة القادرة والقوية والعادلة، وبين إستمرار مقاومتهم المشروعة التي بذلوا في ميادينها التضحيات الجسام.

سيّدي الإمام أينما كنت، لبنان بعد 100 عام لم يعد كما عرفته قبل حروبه الصغيرة والكبيرة وخلالها وبعدها، بل هو في حال أسوأ من ذلك بكثير.

أمّا المحرومون، الذين جاهدت لرفع الحرمان عنهم، فأغلبيتهم إزدادت حرماناً، إلا قِلّة قليلة إستأثرت بهم وبمقدّرات الدولة حتى صارت هذه الأغلبية بسبب تلك القِلّة، فقيرة مُعدمة.

وأمّا أفواجك المقاوِمة التي ربّيت كوادرها الأولى وعلّمت وثقّفت ودرّبت وأحببت، ومآل حركة هذه الأفواج وسلوكها وإلتزامها بأدبياتك الوطنية والأخلاقية والدولتية، فهو حديث آخر يقترب أوانه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق