إستشارات “رفع المسؤولية” بعد التحذير الفرنسي الأخطر

 مع ان كلام وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان عن لبنان ‏قبيل أيام قليلة من الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لبيروت التي تبدأ مساء ‏الاثنين المقبل اكتسبت دلالات غير مسبوقة في استثنائيتها، اذ لم يسبق لمسؤول خارجي ان اطلق ‏تحذيرا مماثلا من “اختفاء لبنان”، فإن مفارقة الدوي الصاعق لهذا الإنذار انها تجد ترجمته ‏ميدانيا وواقعيا في يوميات الكوارث اللبنانية.‏

‏ ففي الوقت الذي تقود فيه فرنسا ما يشبه حملة عالمية لإغاثة لبنان عقب انفجار 4 آب، وفيما ‏تزج باريس بكل إمكاناتها وثقلها لدفع السلطة والطبقة السياسية في لبنان نحو انجاز الاستحقاق ‏الحكومي بسرعة على قاعدة التزام الإصلاحات المطلوبة داخليا ودوليا، تتصاعد معالم الاهتراء ‏الداخلي على مختلف المستويات وفي كل الاتجاهات في سباق جهنمي بين الجهود لفرملة ‏الانهيارات وتسارع معالم الاهتراءات الداخلية. ولم يكن ادل على ذلك امس تحديدا من تجدد ‏ظواهر التفلت الأمني المتفاقم في الآونة الأخيرة حيث اندلعت اشتباكات ميليشيوية وعشائرية ‏ومذهبية في خلدة أدت الى سقوط قتيلين وثمانية جرحى، فيما سجل الانزلاق الأسوأ نحو اتساع ‏الكارثة الوبائية مع تسجيل عداد إصابات كورونا الرقم القياسي الأعلى حتى الان بـ 689 إصابة ‏وسبع حالات وفاة في يوم واحد‎ .‎

والواقع ان مجمل المعطيات العلنية والضمنية عكست تصاعد الضغوط الفرنسية على لبنان الى ‏الذروة من اجل استجابة السلطة والسياسيين لموجبات الإنقاذ عشية عودة الرئيس ماكرون الى ‏لبنان في مطلع الأسبوع المقبل الى درجة ان مصادر معنية واسعة الاطلاع أبلغت “النهار” ان ‏الأهمية الكبيرة التي يكتسبها حضور الرئيس الفرنسي الى بيروت في الذكرى المئوية الأولى ‏لاعلان لبنان الكبير، قد تغدو اقل أهمية امام الجانب الاخر من الجهود التي سيبذلها الرئيس ‏الفرنسي والفريق الذي يرافقه خصوصا بعدما تردد ان الاحتفال باحياء المئوية قد يلغى بسبب ‏جائحة كورونا بما يحصر زيارة ماكرون بالجانب السياسي والإنساني. ولعله ليس ادل على ‏الطابع الاستثنائي الذي سيكتسبه الجانب السياسي والديبلوماسي والإنساني لهذه الزيارة مما نقله ‏الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو على صفحته عن مصادر ديبلوماسية من ان ستة وزراء ‏سيرافقون الرئيس ماكرون الى بيروت من بينهم وزراء الخارجية والجيوش الفرنسية والصحة ‏والاقتصاد والمال. وهذا يعكس طبيعة الاستعدادات التي تجري لهذه الزيارة والمحادثات التي ‏يمكن ان تتخللها‎.‎

وبازاء ذلك برز ما يمكن ان يشكل ظاهرا استجابة من جانب الحكم للدفع الفرنسي الكبير نحو ‏حل سريع وملح لتشكيل حكومة جديدة من خلال تسريبات حول اجراء الاستشارات النيابية ‏الملزمة قبل وصول ماكرون أي ما بين السبت والاثنين. ‏

اما الجانب المستتر الاخر لهذا الاتجاه فيشكل واقعيا مناورة مكشوفة يراد عبرها ان يقال ان ‏الحكم قام بما عليه، فيما تقع على الاخرين تبعة عدم نجاح الاستشارات في حال تعذر حصولها ‏قبل وصول ماكرون او في حال اجرائها وعدم بلورة اسم الشخصية التي ستكلف تأليف الحكومة ‏لتعذر حصول أي اسم على أكثرية نيابية. ولعل الاحتمال الثاني بدا مرجحا بقوة نظرا الى ‏مجموعة معطيات ابرزها ان التمادي في تحديد الاستشارات كل هذه الفترة ومن ثم الاتجاه الى ‏اجرائها عشية وصول ماكرون او حتى في يوم وصوله لا يخفي الطابع المناوراتي الذي يتظلله ‏الحكم بغية الباس سائر القوى الأخرى تبعة عدم التوافق على تسمية الرئيس المكلف وغسل يديه ‏من تبعة التأخير الذي يتحمل مسؤوليته منفردا.‏

‏ ثم ان ما سرب على نطاق واسع عن تزكية مزعومة من رؤساء الحكومات السابقين لزميلهم ‏الرئيس تمام سلام كمرشح أساسي للتكليف تبين انه كان من ضمن المناورات أيضا. فقد علمت ‏‏”النهار” من الأوساط القريبة من الرئيس سلام انه ليس في وارد الترشح اطلاقا لرئاسة الحكومة ‏لا من قريب ولا من بعيد وان كل ما اثير في هذا السياق كان مختلقا ولا صحة له. اما العامل ‏الثالث الذي برز في سياق المناورات فوضعت حدا له أيضا الأوساط الوثيقة الصلة بالرئيس سعد ‏الحريري التي شددت على ان الحريري قال كلمته الحاسمة والنهائية حين طلب سحب اسمه من ‏التداول ولا موجب اطلاقا لاعادة اثارة هذا الامر لاي اعتبار كان. وبدا واضحا ان لا الحريري ‏ولا رؤساء الحكومات السابقين في وارد تسمية أي مرشح قبل تحديد موعد الاستشارات الملزمة ‏رسميا وحينها يمكن ان يتفقوا على تسمية مرشحهم‎.‎

لذا فان الاتجاه الى تحديد موعد محتمل للاستشارات سواء ثبت في الساعات المقبلة او ارتؤي ‏تأجيلها الى ما بعد زيارة ماكرون لا يسقط المأزق القائم حول تسمية الرئيس المكلف. وفي انتظار ‏ما ستحمله الساعات المقبلة برزت المعلومات الأولية عن برنامج زيارة ماكرون مع ان الترتيبات ‏لا تزال تخضع لتعديلات. اذ أفيد ان ماكرون الذي يصل مساء الاثنين سيمضي يوم الثلثاء بكامله ‏في لقاءات وزيارات وانه تم صرف النظر عن الاحتفال بالمئوية الأولى لاعلان لبنان الكبير ‏بسبب وباء كورونا. وسيجري ماكرون محادثات في بعبدا مع رئيس الجمهورية ميشال عون ‏ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب ثم يعقد لقاء مع ‏القيادات السياسية في قصر الصنوبر ولم يعرف ما اذا كان سيلتقي كلا منهم على حدة او في لقاء ‏جامع كما في المرة السابقة. كما علم ان ماكرون سيقوم بجولة ميدانية تشمل زيارة لحاملة ‏الطوافات الفرنسية الراسية في مرفأ بيروت. ويختتم زيارته بمؤتمر صحافي في قصر الصنوبر‎ ‎‎.‎

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان جدد امس في حديث إذاعي دعوته لبنان الى ‏تشكيل حكومة سريعة واعتماد إصلاحات عاجلة محذرا من انه اذا لم يتم ذلك فان البلاد تواجه ‏خطر الزوال . وذهب الى القول “ان الخطر اليوم هو اختفاء لبنان بسبب تقاعس النخبة السياسية ‏التي يتعين عليها تشكيل حكومة جديدة سريعا لتنفيذ الإصلاحات الضرورية للبلد”. وحمل بشدة ‏على السياسيين قائلا “انهم يدمرون انفسهم بعضهم بعضا لتحقيق اجماع على التقاعس عن العمل ‏‏. لم يعد هذا ممكنا ونقول ذلك بقوة”. وذكر بان “المجتمع الدولي لن يوقع شيكا على بياض اذا لم ‏تنفذ السلطات الإصلاحات‎ “.‎

النهار

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق