هل يفلح الأتراك بتشغيل مستشفى صيدا بعد أن عطّلته المحاصصة؟

وفيق الهواري- خاص أخباركم

أدّى الانفجار الكبير في مرفأ بيروت الذي هزّ العاصمة يوم الرابع من آب الماضي إلى سقوط أكثر من مئتي قتيل وآلاف الجرحى، بالإضافة لتسجيل عدد من المفقودين وتدمير آلاف المباني والبيوت والشركات والمحال التجارية، كذلك تسبّب بتدمير وإحداث أضرار ضخمة في بعض المستشفيات العاملة في بيروت، الأمر الذي أدّى الى توقفها عن العمل كما عجزت مستشفيات أخرى عجزها عن استقبال الجرحى المصابين.إثر ذلك سارعت دول عدة إلى تقديم مساعدات مختلفة ومنها مساعدات صحية ومستشفيات ميدانية، ومن هذه الدول الجمهورية التركية.

إنها ليست المرة الأولى التي تمد أنقرة يد المساعدة الطبية إلى لبنان، إذ بعد عدوان تموز 2006 بنَت السلطات التركية مستشفى للطوارىء والحروق في مدينة صيدا، وانتهت أعمال البناء والتجهيز في المستشفى المذكور في تشرين الثاني من العام 2010, ونظّم احتفال بهذه المناسبة آنذاك بحضور الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري. لكنه لم يرَ النور ولم يجرِ افتتاحه والاستفادة من خدماته حتى اللحظة الراهنة.والمستشفى المذكور مؤسسة عامة تحت وصاية وزارة الصحة اللبنانية، التي لم تبادر خلال الفترة الماضية الى تأمين الشروط اللازمة لبدء العمل فيه.

وتشير مصادر صيداوية إلى أن سياسة المحاصصة المتبعة لعبت دوراً أساسياً في منع المستشفى من العمل وتقديم الخدمات على الرغم من محاولات الجانب التركي لتقديم التسهيلات لذلك.
بعد الانفجار الهائل في بيروت، زار لبنان وفد تركي مزود بتعليمات بضرورة تشغيل المستشفى تحت كل الظروف، وخصوصاً ان كلفة بناء المستشفى وتجهيزه بلغت نحو 28 مليون دولار اميركي، أمّنتها الحكومة التركية.في حين أن بلدية صيدا قدمت الأرض التي بُني المستشفى عليها، وخصصتها لصالح وزارة الصحة، ودفعت كل مصاريف الصيانة والاهتمام والحماية للمبنى المذكور خلال العقد السابق. إلا أن وزارة الصحة حتى الآن لم تمدّ المستشفى بالتجهيزات المطلوب لكي ينطلق العمل بهذه المستشفى.

لكن يبدو أن المبادرة لتشغيل هذه المستشفى الذي شلّ عمله الخلاف على التحاصص، كانت هذه المرة تركية، فقد عقدت مؤخراً عدة اجتماعات بين الطرفين اللبناني والتركي أفضت إلى خطة عمل بدأ الطرفان بتنفيذها حالياً.ماذا تنص خطة العمل؟

تهدف خطة العمل والتي حصل موقع أخباركم على نسخة منها، وهي موقعة من مدير عام وزارة الصحة فادي سنان نيابة عن وزارة الصحة اللبنانية، ومدير عام الاتحاد الأوروبي والشؤون الخارجية الدكتور سلامي كيليش نيابة عن وزارة الصحة التركية، بتاريخ 14 آب 2020، إلى تسريع افتتاح مستشفى الطوارىء التركي في صيدا وتعزيز التعاون في مجال الصحة بين البلدين.

وتم الاتفاق على خطة العمل إثر الزيارات الميدانية للوفد التركي الذي ضم ممثلين عن وزارة الصحة التركية ووكالة التعاون والتنسيق التركية(تيكا) وفقاً لتعليمات القائم بأعمال رئيس مجلس السياسات الصحية والغذائية الدكتور سركان توبال أوغلو، واللقاءات التي تمت مع وزارة الصحة اللبنانية وإدارة المستشفى وحضر بعضها رئيس بلدية صيدا محمد السعودي.

وتنص خطة العمل أن يتولى الجانب التركي، والذي يضم وزارة الصحة ووكالة التعاون والتنسيق(تيكا)،صيانة المعدات الطبية والآلات الأخرى وتعديل البنية الميكانيكية والكهربائية لبناء المستشفى وذلك في غضون 3 أشهر بعد توقيع خطة العمل. وتنص الخطة بأن يشارك أفراد طبيين وغير طبيين لمدة 6 أشهر لتفعيل تقديم الخدمات وزيادة قدرة المساعدة الانسانية، وذلك في غضون 15 يوما بعد تشغيل المستشفى ودخول المرضى إليه. ويتحمل الجانب التركي مصاريف الانتقال والإقامة والمصاريف للأفراد الطبيين وغير الطبيين.
وبالتزامن مع توقيع خطة العمل يلتزم الجانب التركي بإجراء تقييم للاحتياجات ومتطلبات البرامج وتوفير الأجهزة المطلوبة.
على ان يتولى الجانب اللبناني بتسهيل العمليات الدبلوماسية والرسمية للموظفين الأتراك. وتأمين الاحتياجات المتعلقة بالبناء والبنية التحتية واستكمال إجراءات التصاريح الإدارية المطلوبة لتشغيل المستشفى، مثل التصاريح والتراخيص التي يتطلبها القانون اللبناني للتطبيقات الفنية وإعمال الصيانة والتصحيح في المستشفى.
كما يتحمل الجانب اللبناني جميع انواع التكاليف مثل الرسوم والضرائب وغيرها للمواد والمعدات التي يمكن استيرادها من الخارج واستلام التصاريح اللازمة بأعمال الصيانة والتصحيح.
كما يلتزم الجانب اللبناني بضمان سلامة موقع العمل والأفراد والمواد في جميع أنحاء العمل. وعليه أيضا توفير البنية التحتية اللازمة لأنظمة الطاقة والمياه والصرف الصحي، واستكمال عمليات الاكتتاب والتصاريح اللازمة لبدء أعمال البناء والكهرباء والإصلاحات الميكانيكية. كذلك استكمال وحدة تغذية الطاقة اللازمة لتلبية حاجة المستشفى من الطاقة وتزويد وتجميع محول بسعة 2 ميغا فولت امبير على الأقل.
ماذا على أرض الواقع؟
بدا الجانب التركي القيام بالمهام المطلوبة منه حسب خطة العمل، وبدا المستشفى خلية عمل يشغلها أفراد من الجانب التركي.
ولكن ماذا عن الجانب اللبناني؟
يقول رئيس بلدية صيدا المهندس محمد السعودي:” أجزم أن للجانب التركي نية حقيقية في تشغيل المستشفى، وانه باشر العمل وهو ملتزم بخطة العمل الموقعة بين الطرفين اللبناني والتركي.
اما على الجانب اللبناني اعتقد ان وزارة الصحة جادة في العمل لافتتاح المستشفى وقد طلبت من وزارة المالية دفع المساهمة المالية المقررة للمستشفى المذكور والتي تبلغ قيمتها سبعة مليارات ونصف المليار من العملة الوطنية. ولكن هذا المبلغ لم يصل إلى المستشفى حتى اللحظة”.
ويضيف السعودي:” تسهل البلدية جميع الأعمال المطلوبة للمستشفى، لان تشغيله يشكل خدمة للمدينة وأهلها. وما يهمني في هذا الإطار تنفيذ الاتفاق الذي تم بين البلدية ووزارة الصحة والقاضي بأن تكون أفضلية التوظيف لأبناء المدينة وذلك حسب الكفاءة والقدرة المهنية”.

ويقول مصدر مطلع أن البلدية ما زالت تتحمل مصاريف مولد الكهرباء من وقود وزيوت، بالإضافة إلى بعض المصاريف الأخرى. وان إدارة المستشفى ما زالت بانتظار تحويل المال للقيام بتنفيذ المطلوب منها حسب خطة العمل. وخصوصا ان المستشفى بحاجة إلى محول كهربائي يبلغ ثمنه 32 ألف دولار أميركي.

ولكن ماذا عن الجانب الإداري والتنظيمي للمستشفى المذكور؟
لا يوجد مجلس إدارة في المستشفى، هناك لجنة إدارية شكلها وزير الصحة الأسبق غسان حاصباني، يرأسها الدكتور خليل النقيب الذي استقال منها، وتضم النائب الدكتور ميشال موسى، وهناك نقاش قانوني إذا كان يحق لنائب دوره رقابة المؤسسات العامة أن يكون عضوا في لجنة إدارية تشرف على عمل مؤسسة عامة، بالاضافة الى الدكتور مصطفى نجار، هبة حنينة، ومايا مجذوب. أما مفوض الحكومة فهي د.ريما عبود.

يعلق الناشط المدني عبد الرزاق حمود: لا يختلف اثنان أن تشكيل اللجنة قد خضع للمحاصصة بين قوى السلطة. واليوم كيف ستتصرف اللجنة بعد غياب الرئيس؟

تقول مصادر مطلعة أن وزارة الصحة قد طلبت من قوى سياسية في المدينة تقديم إقتراح باسماء للعب دور في اللجنة الإدارية وخصوصا في موقع رئاسة اللجنة. وقد قدمت تلك القوى أسماء لهذا الموقع، وهي أسماء بحاجة إلى تدقيق بقدرتهم المهنية على رسم سياسة صحية ترعى عمل هذا المستشفى الاختصاصي.

ويتساءل حمود: ما هو الحل القانوني في ظل استقالة الحكومة مما يمنعها من تشكيل مجلس إدارة، وإذا كان بإمكان وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال تعيين رئيس وأعضاء جدد في اللجنة الحالية، وهذا كله للنقاش.

وماذا عن التوظيف؟
وهنا بيت القصيد، من هي الجهة المسؤولة عن هذا الملف، وكيف ستتم المحاصصة؟
قانونيا، ممنوع التوظيف من خلال مجلس الخدمة المدنية، ولا إمكانية حاليا لاستثناء ما. فكيف ستتم العملية؟ ومن سيكون لديه السلطة القانونية لاختيار الموظفين؟
مؤخرا، طلب الجانب التركي إقتراح عدد من الممرضين والممرضات يبلغ عددهم 10 أشخاص لارسالهم إلى تركيا للتدرب على معالجة الحروق، وهذا يعني حصولهم على الوظيفة بعد عودتهم.
إدارة المستشفى زارت وطلبت من القوى السياسية إقتراح أسماء كي يتم اختيار 10 أشخاص منهم. جميعهم قدم وأقترح أسماء باستثناء النائب اسامة سعد، الذي يقول أحد المقربين منه أنه لن يدخل في سياسة المحاصصة.

ويشير أحد المصادر إلى أن وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال د.حمد حسن طلب من إدارة المستشفى توظيف أحد الأشخاص وكان له ما أراد.
ويقترح أحد الناشطين الذي فضل عدم ذكر اسمه: لا يمكننا إلا المطالبة بأن يتم التوظيف من خلال مجلس الخدمة المدنية،لان هذا هو الطريق القانوني الوحيد للموظفين الذين لديهم كفاءة.

ولكن في الوضع الراهن سيتم التوظيف من خلال تعيين إجراء وتعاقد مع آخرين وشراء خدمات، وكلها مجالات للزباءنية والاستزلام، والمستشفيات الحكومية الاخرى خير مثال. فإذا كانت اللجنة الحالية تعبر عن محاصصة ما، ولا ثقة بحياديتها لاختيار الموظفين، فيبقى هناك خيار آخر بتشكيل لجنة اختصاصيين من المدينة تعمل بصفة استشارية مع البلدية واللجنة القاءمة وان تكون ذات مصداقية ومهنية لتوظيف الأكثر قدرة وكفاءة، ولكن هل تقبل قوى المحاصصة السياسية بذلك؟

بالمناسبة، يقول مصدر مقرب من النائب أسامة سعد أن الأخير سيكون له موقفاً واضحاً مما يجري في المستشفى المذكور بأقرب وقت ممكن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق