التكليف رهينة الفيتوات والشروط المسبقة

 ‎الاستحقاق الحكومي في دوامة  والدوافع التي تغلف مخاض الاستحقاق الراهن والتي تضغط ‏بقوة استثنائية لاستعجال التكليف والتأليف، تبدو كأنها حوصرت بمناورات وتعقيدات مثيرة ‏للريبة تقف وراءها في المقام الأول قوى سلطوية معروفة كما تؤازرها ضمنا تعقيدات من ‏قوى المعارضة بل “المعارضات”.

ولم يكن ينقص المشهد المأزوم ‏والآخذ في اثارة المخاوف من افتعالات يراد منها الزج بالاستحقاق الحكومي في لعبة ‏استرهان الكارثة اللبنانية في التجاذبات الإقليمية والدولية، سوى ان يطل هاجس التفلت ‏الأمني برأسه من جديد من خلال الجريمة الثلاثية المروعة التي حصلت في كفتون التي ‏ذهب ضحيتها ثلاثة شبان من البلدة، وبدأت التحقيقات تشير الى القتلة من أصحاب ‏السوابق الإرهابية بما يضيء على تحد خطير جديد يواكب الاخطار الأخرى التي تضج بها ‏البلاد. ولم يكن غريبا والحال هذه ان يسجل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة ‏بطرس الراعي أمس موقفا جديدا بارزا فتح عبره ملف مخازن الأسلحة والمتفجرات في كل ‏البلاد. هذا الموقف اتخذ بعدا مهما للغاية اذ اثاره البطريرك على خلفية انتقاداته الحادة ‏‏”لبعض المسؤولين في الدولة لتعاطيهم مع كارثة الانفجار في مرفأ بيروت من زاوية ‏سياسية ويحولون دون تحقيق دولي”. كما انتقد مقاربة المعنيين بتأليف حكومة جديدة من ‏منظار انتخابي ومصلحي متخوفا من التسويف في تأليف الحكومة. ودعا الراعي السلطة ‏الى “اعتبار كارثة المرفأ بمثابة جرس انذار فتبادر الى دهم كل مخابئ السلاح والمتفجرات ‏ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي في المدن والبلدات والقرى‎”.‎
‎ ‎
والحال ان الاستحقاق الحكومي بدا في غيبوبة سياسية شاملة وسط الجمود الذي طبع ‏الحركة والاتصالات السياسية في الأيام الأخيرة بما يعكس الخطورة التصاعدية للتمادي في ‏تحديد مواعيد الاستشارات والتلاعب مجددا بهذا العامل وإخضاع الاستشارات لشروط ‏ضمنية بمعزل عن البعد الدستوري الذي يخشى ان يغدو امتهانه وسيلة اشعال للحساسيات ‏الطائفية والمذهبية بما يخدم الدافعين نحو تعطيل الاستحقاق الحكومي وقد بات بعض ‏الافرقاء يلهجون علنا بالدفع نحو تعطيله حتى تشرين الثاني المقبل موعد الانتخابات ‏الرئاسية الأميركية. وعلمت “النهار” من مصادر معنية بالإتصالات والمشاورات المتصلة ‏بالاستحقاق الحكومي ان كل الاتصالات كانت مجمدة في الأيام الأخيرة وتحديدا عقب ابلاغ ‏الوزير السابق جبران باسيل حليفيه في الثنائي الشيعي رفض العهد و”التيار الوطني الحر” ‏إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة. كما ان الصورة الدولية لم ‏تتبلور بعد حيال الاتجاهات الحكومية التفصيلية تكليفا وتأليفاً التي ستؤيدها الدول المعنية ‏بدعم لبنان ولو ان كل الدول تردد موقفا واحدا هو اشتراط الإصلاحات لدعم أي حكومة ‏ولكن لا موقف موحدا بعد حيال طبيعة الحكومة. وكشفت المصادر نفسها لـ”النهار” ان ‏الجانب الفرنسي وحده بقي متحركا في اتجاه الواقع الداخلي اذ سجلت اتصالات من الجانب ‏الفرنسي في اليومين الأخيرين مع عدد من القوى الداخلية ولو انها لم تؤد الى نتائج في ‏تبديل صورة الجمود. ولوحظ ان رئيس مجلس النواب نبيه بري اعترف امس بتعليق مساعيه ‏في انتظار الآخرين اذ قال ردا على سؤال عن صحة إيقافه لمحركاته العاملة على تشكيل ‏الحكومة الجديدة فقال “انا بذلت كل ما في وسعي بما يخص موضوع تشكيل الحكومة لكن ‏تبين ان يدا واحدة تصفق (بضم الفاء) ولا تصفق وانا انتظر الآن ما سيفعله غيري في هذا ‏الشأن‎”.‎

وكان واضحاً أن المعركة التي يخوضها الرئيس نبيه برّي، لتكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة، لها أكثر من هدف. الأول، استعادة قواعد اللعبة التقليدية، والاستعجال بالتخلص من نموذج حسان دياب، وعدم إفساح المجال أمام تكرار هكذا تجربة فاشلة، في ظل الطروحات التي يتقدم بها رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحرّ.

وحسب المعلومات، هناك إصرار من قبل عون وباسيل على تكرار تجربة حسان دياب، من خلال طرح أسماء متعددة لتكليفها برئاسة الحكومة. وبالإضافة إلى إسمي القاضيين أيمن عويدات وحاتم ماضي، تشير المعلومات إلى أن عون يقترح أيضاً الوزير السابق خالد قباني، والمحامي غالب محمصاني. والهدف من هذه الطروحات هو البحث عن رئيس حكومة طيّع أكثر، يتمكن عبره التيار الوطني الحرّ من فرض ما يريده على الحكومة، ويسيّره وفق ما تقتضي مصلحته. ما يعني أن الذهنية العونية في التعاطي لم تتغير. هذه الذهنية التي سارع برّي إلى مواجهتها من خلال إصراره على طرح الحريري.


‎ ‎
المهلة الحاسمة
‎ ‎
وأشارت أوساط مطلعة على تعقيدات الاستحقاق الحكومي الى ان الأسبوع الحالي يفترض ‏ان يشهد بلورة الاتجاهات الواضحة لمجموعة لاعبين أساسيين قبل ان يتفاقم المأزق ‏وينزلق الوضع برمته الى متاهات شديدة الخطورة ماليا واقتصاديا في المقام الأول لان ‏البلاد تعاني تراكمات منذ انفجار بيروت تحتاج الى جرعات تنفس عاجلة وهو ما تعيه الدول ‏التي تبادر الى ارسال مساعداتها العاجلة والإغاثية للبنان فيما يتمهل الطاقم السياسي ‏ويتباطأ الحكم ويناور الكثيرون كما لو ان البلاد في وضع طبيعي. كما ان التحدي الأكثر ‏الحاحا في الضغط لاستعجال التكليف والتأليف يتمثل في الاتساع المخيف للانتشار الوبائي ‏لفيروس كورونا في لبنان الذي لم يعد لديه الا القليل من الوقت لاستدراك سقوطه في ‏السيناريو الكارثي الذي مرت به دول أوروبية وسواها. واذا كانت الضجة بدأت تتصاعد من ‏مواقع سياسية وحزبية حيال التمادي في عدم تحديد مواعيد الاستشارات النيابية الملزمة ‏للتكليف فان الجانب الاخر من التعقيدات يتصل بمواقف بعض القوى السياسية التي ‏تتقاطع عند نقطة التحفظ او الرفض لترؤس الرئيس سعد الحريري للحكومة الجديدة. وإذ ‏برز تقاطع ضمني لافت على التحفظ او الرفض لعودة الحريري على راس الحكومة بين كل ‏من “التيار الوطني الحر” والحزب التقدمي الاشتراكي و”القوات اللبنانية ” تفيد المعطيات ‏المتوافرة في هذا السياق الى ان الحريري الذي قد لا يبقى صامتا لوقت طويل وربما ‏يفصح عن موقف بارز له هذا الاسبوع، لا يزال رغم التناقضات القائمة حيال عودته المرشح ‏الوحيد حتى الآن. وهو ابلغ وفق هذه المعلومات الرئيس بري انه لن يسير الا ببرنامجه ‏الحكومي ولن يقبل بشروط مسبقة من احد كما لن يدعم ترشيح احد. الا ان بري لم يتوصل ‏في اتصالاته مع الوزير السابق جبران باسيل الى بت هذا الامر وربما تعقد جلسة مشاورات ‏جديدة اليوم بين بري وباسيل والخليلين لاستكمال البحث وحسم الموقف‎.‎
‎ ‎
وفيما يسود انطباع واسع عن رفض “القوات اللبنانية ” ترشيح الحريري خصوصا بعد اعلان ‏نائبها بيار بو عاصي ان “الحريري لم يعد المنقذ ” نفت مصادرها امس ان يكون لرئيس حزب ‏‏”القوات” موقف شخصي من ترشيح الحريري لافتة الى ان جعجع والحريري التقيا في قصر ‏الصنوبر لنصف ساعة كما تواصلا ثلاث مرات عند البحث سابقا في موضوع الاستقالة من ‏مجلس النواب. وقالت ان ليس للقوات مرشحا بل تشترط تعهدا مسبقا بانتخابات نيابية ‏مبكرة وبإصلاحات تبدأ بالكهرباء وتصل الى المعابر غير الشرعية والا فانها غير معنية ‏بتكليف وتأليف حكومة مكبلة بشروط “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”. كما ان الموقف ‏الاشتراكي يبدو متناغما مع الموقف القواتي‎.‎

النهار+ المدن

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق