حكومة الفشل تتفكّك ،، فهل “يفرط” الهجين؟

وفيق الهواري

تدور اتصالات كثيفة مع وزير الخارجية ناصيف حتّي لثنيه عن قرار الاستقالة الذي يبدو أنه بصدد الإعلان عنه، وسط معلومات عن إصراره الشديد عليه.

وفيما ترى بعض وسائل الاعلام أن استقالة حتّي تعكس الارتباك الذي تعيشه الحكومة اللبنانية الحالية، تأتي المواقف المتضاربة التي حصلت مؤخراً بين وزراء آخرين  بالحكومة لتؤكد هذا الارتباك والتخبّط.

فرغم المرحلة الخطيرة التي وصل اليها لبنان سواء في تسجيل إصابات مرتفعة بوباء كورونا، أو بعدد الوفيات بالفيروس، ورغم الإجراءات الصارمة التي أقرّها مجلس الوزراء مؤخراً وأوصى بها قبله المجلس الأعلى للدفاع، والتدابير والإجراءات الوقائية التي فرضتها خلية الأزمة الوزارية بالعودة للتعبئة العامة ومنع التجمعات، ها هو وزير الصحة د. حمد حسن يعطي استثناءات لإقامة عدد من حفلات الزفاف، رغم أن ذلك يتعارض مع التدابير والإجراءات التي يجب أن يلتزم بها جميع اللبنانيين للحدّ من انتشار كورونا، وقال: “علينا أن نتكيف ونعيش الافراح والأحزان لكن بضوابط واجراءات معينة، وقد أعطيت استثناءات لإقامة 6 حفلات زفاف”.

لا نعلم ما الذي يقصده الوزير حسن بكلمة “ضوابط” و”إجراءات معينة” إذا كان الاستثناء هو لعرس لا تراعى فيه أي مساحة تباعد أو وضع حتى كمامات، انه عرس بكل بساطة!.

الملفت أنه أتبع ذلك القرار، بتصريح فارغ لا معنى له أمام وسائل الاعلام قال فيه أنه: “في حال تسجيل “خروق” للاجراءات في الاستثناءات التي أعطيناها لحفلات زفاف، فيتم التنسيق مع وزارة الداخلية لإعادة النظر بالاستثناء”. الوزير حمد حسن بذلك وكأنه يقول للأثرياء يمكنكم ان تحتفلوا وتفرحوا فأنتم مستثنون من هذا الفيروس، فيما الفقراء فقط هم من يستهدفهم المرض، ولهذا يمنع عنهم التجمّع والاحتفال بالأعراس.! 

المستغرب والذي يؤكد هذا التخبّط والتضارب، أنه قبل أن ينهي وزير الصحة حسن حديثه، صدر عن المكتب الإعلامي لوزير الداخلية محمد فهمي بيانٌ جاء فيه: “يُحذَّر على الراغبين بإقامة حفلات الزفاف الاستمرار بها في الأيام الخاضعة للإقفال التام ،والتي يمنع فيها منعاً باتاً إقامة أي نوع من الحفلات والسهرات بما فيها الزفاف”.

وأضاف: “بالتالي فإنّ أي إذن من أي جهة أو سلطة أتى ذلك التصريح، فهو ممنوع إطلاقًا على أن يصار إلى تسطير محاضر ضبط بحق المخالفين للقرار الصادر عن وزارة الداخلية والبلديات، والمتعلق بالتدابير والإجراءات المتّخذة للحدّ من انتشار وباء كورونا”.

وختم: “تشدّد الوزارة على أنّها لن تصدر أي استثناء لأحد في هذا الإطار، كما وأنه سيصار إلى تسطير محاضر ضبط بكلّ من أقام الحفلات في أيام الإقفال الماضية من دون أي وجه قانوني”.

لا شك أن هذه المواقف المتناقضة تعكس وضع الحكومة الهجين والهشّ والمتفكّك، خصوصاً بين وزراء المفترض أنهم يشكلون مكونات خلية الأزمة الوزارية لمكافحة جائحة كورونا، وإذا كان التنسيق بينهما مفقوداً، والقرارات متضاربة ومتناقضة، والإجراءت تطبق وفق قاعدة الكيل بمكيالين، فهل نلوم المواطنين إذا لم يلتزموا بالإجراءات؟

ولعل هذه الحكومة التي تشكّلت بعد انفجار صيغة الحكم بين أطراف السلطة المتنازعين على التحاصص، وجاءت ابنة اللحظة والتداعيات في السلطة وفي الشارع، بعد أشهر من استقالة حكومة سعد الحريري، والإخفاق في التوصل الى إرضاء الشارع الذي لم يعطها الثقة حتى الآن، كما الفشل في التوصل الى  حكومة تحظى بالحد الأدنى من القدرة على اتخاذ القرارات دون تدخل من أطراف السلطة الذين سارعوا الى تشكيلها تحت وطأة الشارع وتسارع الأحداث والضغوطات الإقليمية، لتأتي هجينة مهجّنة، ظاهرها المعلن تكنوقراط، فيما هي ليست سوى حكومة ظل وتلبية أوامر لقوى السلطة الحاكمة والمستفردة بقرار اللبنانيين والموجّهة لأحداث البلاد.

ورغم أن هذه الحكومة تقدم نفسها أنها مستقلة بقراراتها، ولا تخضع للابتزاز وللضغوطات سواء في مسألة التعيينات أو إقرار الخطط، أو إحالة مشاريع القوانين، إلا أنها حتى الآن لم تفلح في مواجهة سياسة التحاصص والوقوف في وجه أركان منظومة الفساد الحاكمة، كما لم تظهر أي نهج مختلف عن نهج الحكومات السابقة.

إنها لم تقدم حلولاً للوضع الاقتصادي ولا المالي، ولا محاسبة الفاسدين، حتى أنها لم تضع سياسياً واحداً في السجن، باستثناء التوجّه إلى صندوق النقد الدولي من دون القدرة على الاستجابة لشروطه، بسبب تعذّرها على فرض الإصلاحات، لأنها ببساطة حكومة شكلية، لحكومة أخرى تحركها خلف الكواليس كدمية، وإلا سقطت.

ولو أردنا أن نصيغ الأمر بهذا الشكل لنشأت الأسئلة التالية:
هل تمكنت الحكومة من الإفلات من براثن المتكالبين على التحاصص من زعماء الطوائف؟ هل تجري التلزيمات في المشاريع العامة خارج المحاصصة؟

هل تتم التعيينات في مؤسسات الدولة حسب الكفاءة أم حصص وزعت على أطراف السلطة؟ 
وماذا عن استقلالية القضاء؟ وماذا عن التشكيلات القضائية؟ هل تملك الحكومة جواباً عما حصل بقضية الفيول المغشوش؟ وما موقفها من قضية الإنترنت غير الشرعي وما صدر فيها من أحكام؟
كيف يفسر رئيس الحكومة حسان دياب موقفه المتراجع من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بعد أن قام في صباح أحد الأيام، برفع مستوى صوته بالموضوع ليعود ويبلع لسانه بعد ساعات؟

وماذا فعلت الحكومة بشأن انهيار الليرة اللبنانية ووجود أكثر من أربعة أسعار للدولار الأمريكي؟
هل استطاعت بكل مكوناتها أن توقف فاسداً واحداً، وان تمنع المزيد من الاستيلاء على الأملاك العامة. وماذا عن الاستمرار في التهرب الجمركي؟ وماذا فعلت بملف استعادة الأموال المهرّبة؟، لماذا لم تتمكن من تحقيق بند إصلاحي واحد حتى الآن؟

اليوم يتبرّأ أحد النواب من مسؤولية الطرف الذي يمثله بما يحصل بالمازوت المتبخّر، ويقول إن وزارة الطاقة هي المسؤولة عن تأمين المازوت، وان وزارة الاقتصاد والأجهزة الأمنية والقضاء هم المعنيون بمراقبة أين تتبخر كميات المازوت، وكأنه لا يعلم كيف تتحرك الأجهزة الأمنية وكيف يتصرف القضاء.

أمر آخر، هل للحكومة سياسة تعليمية جديدة سوى الاستمرار بالسياسة السابقة؟ وماذا يجري في الجامعة الوطنية اللبنانية التي تحولت إلى مؤسسة خاضعة للمحاصصة السياسية.؟

رفعت الحكومة والأطراف التي تدعمها شعارات تتعلق بالزراعة والصناعة من دون تقديم خطط عملية وعلمية تدرس احتياجات السوق الداخلي وكيف يتم التسويق الخارجي، فضلاً عن توفير البنى التحتية وشبكات الري والكهرباء، عدا عن استصلاح الأراضي وتجهيزها.

وماذا عن الهيئات الرقابية وما هي سلطتها الفعلية؟
وما هي أوضاع الاستثمار في المشاريع الإنتاجية؟ وما هي الشروط التي يفرضها أقوياء الطوائف على المستثمرين؟
لن نسأل عن وضع الكهرباء والمياه والتلوث والنفايات وخصوصاً أن الحكومة الحالية لم تقدم سياسة بديلة.
لا حكومة لديها حلول تختلف عن الحكومات السابقة، سواء اتجهت شرقا أو غرباً.
هي حكومة وضع الخطط والطباعة على الورق، حكومة وضع الأرقام غير الواقعية.

المشكلة باتت تتعلق بنظام المحاصصة الطائفية الذي هو وليد النظام الطائفي المتجذر منذ عام 1843. والخوف أن نقترب من الأول من أيلول، تاريخ مئوية الكيان ويعني أن الخوف سيكون على الكيان نفسه.
هل نستطيع الاستمرار في بلد لا يستطيع نظامه السياسي تقديم أي حلول لمشاكله التاريخية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق