الانتماء الى الضياع..

هاني كفوري

كثر الكلام وتزاحمت الشكاوى عن استشراء الفساد في كل مفاصل الوطن، وانهمك الناس في التنظير بمضاره كما تحذّر علب السجائر من مضار التدخين.. وكلما كبر الخط الذي تكتب به عبارة التحذير كلما ازداد عدد المدخنين وعنادهم!…

يتبارى السياسيون في ارتداء أثواب الطهارة عند إلقاء المحاضرات عن مكافحة الفساد، وأصبح عنوان السياسة في لبنان!… وكلما ازداد التنظير ازداد التعتير… حتى غمر الفساد – دون تعميم – العظات والخطب في الكنائس والجوامع وفي الإعلام والطب والاقتصاد والمال والعدل والتربية والطعام والشراب والتاريخ والجغرافيا… والموت!

الوطنية في لبنان تعني ” الغشمنة”، والانتماء إلى الوطن هو سذاجة الانتماء إلى الوهم والسراب!
يتحوّل الإنسان إلى فرد دون قصد منه، فهو عندما يولد ينتمي تلقائياً إلى طائفة العشيرة لتنزع عنه صفة الإنسانية العالمية وتخلع عليه ثوب الفردية الطائفية ليصبح فرداً من أفرادها.

في البدء يذهب الفرد إلى المدرسة فيتعلّم أصول الطائفية على يد أخصائيين محليين وأجانب، وكذا في الجامعة، وينتمي إلى الأحزاب لتحسين مهاراته الطائفية ما خلا الأحزاب العقائدية وعندها فالتهمة الطائفية جاهزة للعقائدي بانتمائه إلى خارج حدود الوطن… وهو بذلك اعتراف بأن حدود الوطن تنتهي عند حدود الطائفة.!

ثم يدخل الفرد بعد التخرّج إلى نادي الاستزلام الطائفي للحصول على وظيفة يخدم بها الوطن، ويبدأ رحلة انتمائه للطائفة فينهش من منجم وطن لا ينضب، ولا أحد ينتمي إليه ليكنز في وطنه الطائفي بوعي أو بدون وعي!… يسرق الفرد من الآخرين دون وجل، ويقتل في نفسه وفيهم روح الإنسان، وينهش الطبيعة والبيئة والإنسانية والوطنية… ثم يسخى على صندوق الكنيسة وصندوق الزكاة كأنه يحجز في هذه الدنيا مكاناً جيداً له في الآخرة!… والدولة تراقب نموه الطائفي، وتصحّح عثراته بالتعاون مع الأحزاب الطائفية ليمشي في السراط غير المستقيم، وتضرب بسياط القوانين مَن تجد عنده ضعفاً في بنيته الطائفية!

إن أدنى درجات التخلّف المجتمعي يكمن في تطبيق القوانين، لكأننا أمام قطيع من الماعز يرعى الأغصان الطريّة بجهل وغريزة، حتى يأتي الراعي فيضرب الماعز لترتدع… ثم يرشدها إلى تناتش أشجار الخصم.

إن لم يكن انتماء فعبث هو الكلام عن بناء وطن! وأسطع دليل هو جثة الوطن الممزقة بين أشداق الوحوش الطائفية التي لا تعي قباحة فكوكها الملطخة بدماء تلك الجثة وهو ما يسمونه في أدبيات تهذيب الوحشية… محاصصة!

إن الانتماء التلقائي للوطن لهو حالة فكرية واجتماعية ميؤوس منها لذا فالقضاء على الفساد يستلزم قوة قاهرة قد تكون داخلية أو خارجية تفرض نهجاً جديداً من التفكير السياسي محوره الوطن.

وفي خضم هذا المشهد يتفرّج الأعداء ببهجة واطمئنان على تكاثر الفساد وجهل الأجيال القادمة، وعندما قيل أن أصعب المعارك هي المعركة مع الفساد في الداخل، ففي ذلك كشف عن نقطة ضعف كبيرة في مشوار بناء الوطنن ومَن قال أن الأعداء لا يحسنون الضرب على نقطة الضعف؟ وهل هنالك أضعف من الانتماء إلى الضياع؟.

هاني كفوري كاتب لبناني
الصورة عن موقع
Ultra Sawt _ Peter Schran

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق