مروان اسكندر: يريدون تمييع صلاحيات الهيئة الناظمة والبلد لا يحتمل تحكم التيار الوطني بخياراته الرئيسية

تحت عنوان ملاحظات مُقتبسة من غسان بيضون، كتب الكاتب والباحث الاقتصادي مروان اسكندر مقالاً جديراً بالاهتمام في جريدة النهار، وهو بمثابة مداخلة له تعليقاً على ما جاء في مقال بيضون الذي سبق ونشرنا له مقالته منذ يومين تحت عنوان: “تعيينات الكهرباء: مجلس إدارة بدون هيئة ناظمة والمدير العام أرنب آخر لحظة”، وتحدّث فيها عن الفشل الذريع  لوزراء التيار الوطني الحر في إدارة وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، وما اقترفوه من هدر وتسببوا به من تأخير عملية إصلاح الكهرباء. (مقالة  بيضون نشرت بموقع أخباركم منذ يومين بقسم لبنان/مقالات رأي).
وننشر مقال اسكندر هنا لأهميته: 

الكاتب والباحث الاقتصادي مروان اسكندر

“إحصاءات وآراء غسان بيضون – مدير عام الاستثمار في وزارة الطاقة والمياه سابقاً – تبعث على التفكير مليًا في مصير لبنان على ضوء إهمال أية سياسات اصلاحية حقيقية في قطاع الكهرباء وفي نشاطات الاتصالات.

منذ عام 2009 ووزارة الطاقة (الكهرباء والمياه) مخصصة لممثلي التيار الوطني الحر، وقد توافر لهم كل ما يلزم من دعم وموافقات من الحكومة ومجلس النواب للنجاح. مليارا ليرة لبنانية كل سنة للمستشارين، وأكثر من ثلاثة منهم أصبحوا وزراء (سيزار أبي خليل، السيدة ندى بستاني والوزير الحالي ريمون غجر).

وحصلوا على التوافق على خطة 2010 وبواخر لثلاث سنوات – مستمرة منذ عام 2013 – كما حصلوا على مليار و200 مليون دولار لتنفيذ معامل بطاقة 700 ميغاوات وعلى عطاء على هذا المستوى من الانتاج وبكلفة أقل، لكن الوزير جبران باسيل فضّل في حينه تعديل المواصفات لخفض الكلفة، وتعاقد على إنجاز محطة بطاقة 450 ميغاوات وبكلفة 450 مليون دولار. لكن المحطة لم تنشأ منذ عام 2013 والحديث عن معوقات غير صحيح إطلاقًا، والعذر غير المقنع كان ما اذا كان يتوجب دفع الضريبة على القيمة المضافة على العقد أم لا، وبالفعل لو دفعت القيمة لكانت تحولت الى وزارة المال. وكل هذه التسهيلات توافرت بموجب القانون 181/2011 شرط تعيين مجلس إدارة للكهرباء وهيئة ناظمة خلال شهرين وثلاثة أشهر على التوالي.

وزير الطاقة الجديد، المستشار القديم، تقدم بمشروع قانون لتنظيم قطاع الكهرباء بتعديل القانون الرقم 462 تاريخ 2/9/2002، ويلاحظ من يقرأ المشروع انه أغفل الإشارة الى القانون 181/2011، أي قانون صادر بعد تسع سنين من القانون 462/2000، وتالياً فإنّه إذا كان هنالك من تعديل فيجب أن يصيب القانون الأحدث.

لكن التعديل المطلوب غير مقبول لأسباب متعددة. فقانون عام 2011 افترض تشكيل مجلس الإدارة والهيئة الناظمة خلال شهرين وثلاثة أشهر على أقصى حد، ولم يشكل مجلس الإدارة، ولا الهيئة الناظمة، والقصد من مشروع القانون المطروح تمييع صلاحيات الهيئة الناظمة، في حين ان التوصية بالهيئة الناظمة قدّمها البنك الدولي منذ عام 1999، كما اشتملت دراسته على خطوات متعددة أخرى ان على صعيد شبكات التوزيع، أو التعرفة، وخيارات اللقيم، لكن أياً من هذه التوصيات لم تنفذ، وقد رأينا وزراء التيار الوطني الحر يتحكمون بالممارسة في مجالات تأمين الكهرباء، ولا نتحدث عن المياه والسد العظيم الذي أُنجز من غير ان تكون هنالك مياه لتجميعها فيه.

الامر الأكيد ان تشكيل الهيئة الناظمة بموجب التعديلات المقترحة يتناقض مع صلاحياتها المقترحة في القانون الصادر عام 2011، ويبدو لسوء الحظ أن وزراء الطاقة لم يفهموا التطورات الدولية في معالجة تأمين الكهرباء، ولم يركّزوا على أهمية الكهرباء في الاقتصاد الوطني.

فقدان الكهرباء أو توافرها بنسبة 50% من المولدات الخاصة – وذلك بعد استئجار البواخر وتحديد فترة استئجارها – أمر يعني ان الصناعة تواجه عائقاً ملحوظاً بسبب ارتفاع التكاليف، وكذلك المدارس والمستشفيات والفنادق ومؤسسات العناية بالصحة والمسنين، كما أن عدم توافر الكهرباء في حال سيادة الظلام أكبر عدد من ساعات أيام العمل، يعني تردّي فرص عمل المصارف، وخدمات الأنترنت، وكما هو معلوم فإن خدمات المصارف تختصر بشكل غير قانوني، وليت وزيرة العدل تنتبه الى هذا الامر أو ينبهها من يعرف أهمية العمل المصرفي.

الأمر الأكيد ان القصد من اقتراحات الوزير غجر تمييع دور الهيئة الناظمة، في حين أن الهدف الرئيسي لأي هيئة ناظمة هو ان ترسم طريق العمل والتوسع والتفاعل مع حاجات الاقتصاد والتأكيد على الوزير لعدم تجاوز توصياتها، ولهذا السبب لم تتشكل هيئة ناظمة منذ عام 2011 ولهذا السبب يصرّ وزير الطاقة على أحقية القطاع العام في السيطرة على مشاريع الكهرباء وكأنه، وهو الخبير السابق، لا يعرف نسق العمل في المانيا وفرنسا وانكلترا، ولا تعجّب من ذلك، ما دام هو والخبراء الآخرون لم ينتقدوا الوزير سيزار أبي خليل على تربية الدجاج في مبنى الكهرباء.

من المعلوم أن الوزير جبران باسيل الذي تعاقد على انشاء معمل في دير عمار مع شركة قبرصية – يونانية التزمت تجهيز المعمل بمولدات من صنع شركة جنرال الكتريك، لم يعرض الاتفاق حتى على مجلس الوزراء، وهو وجميع وزراء الطاقة من حزبه لم يلتزموا يوماً إنشاء هيئة ناظمة، واليوم وبعدما تبدّى أن سياسات الطاقة استنفدت احتياط لبنان من العملات، أفاق التيار على ضرورة التزام توصيات البنك الدولي، وشركة كهرباء فرنسا، وخبراء سيمنز بإنشاء الهيئة الناظمة. لكن الهيئة المقترحة لا تحوز صلاحيات إرشاد الوزير الى القرارات المفيدة، ومن شأن إقرارها على الصورة المطروحة أن يؤدّي إلى تسليم للتيار بأن يمهّد لتعميق الأزمة وإطالة تحكمها بالاقتصاد اللبناني، وبفرص عمل اللبنانيين وإنتاجهم لسنوات. ويكفي عرض أوجه تعمية وزراء الطاقة على الحقائق.

عام 2017 وخلال مؤتمر عن الطاقة في فندق الريفييرا، أكد الوزير سيزار ابي خليل في مطالعته الطويلة ان مصلحة كهرباء لبنان ستتملك كهرباء زحلة وتحل محلها من تاريخ 1/1/2018. لكن الوزير ياسين جابر كذبه ولم يرف له جفن.

الوزيرة بستاني أكدت ان التفاهم مع علاء الخوجه وآل رحمه على انجاز بناء معمل دير عمار اصبح جاهزًا، والوزير الحالي كذّب هذا الادعاء.

كما يبدو ان التيار الوطني الحر مصر على تولي وزارة الاتصالات إضافة إلى وزارة الطاقة، التي كانت ولا تزال سبب الأزمة المالية التي تشعبّت في مختلف القطاعات في لبنان، ومن المؤكّد أن استمرار هذه الأزمة سنة أو سنتين سيعني غياب النمو وفرص العمل من لبنان، والبلد لا يحتمل تحكّم التيار في الخيارات الرئيسية وقد شاهدنا ما أدّى اليه التحكم بالكهرباء.

إضافة الى الكهرباء، تولّي نقولا الصحناوي وزارة الاتصالات أضاف الكثير الى الأعباء المالية للدولة، فهو نقل صلاحية نقل كبار الموظفين في الشركتين المتعاقد معهما الى مسؤولية الدولة، ومن ثم أسرف في تأمين الوظائف للمحازبين، وحيث ان حصيلة المداخيل من الاتصالات تعود بعد احتساب تكاليف الموظفين الى الدولة، وحيث ان الوزير الصحناوي تحمس لتوفير 400-500 وظيفة في هذا القطاع وأبقى كلفة المخابرات الأعلى في المنطقة، نتج عن تدابيره اختصار عائدات الدولة بنسبة 50%. والعائدات التي كانت ترتفع سنة بعد أخرى وخصوصاً لو أنجزت أعمال توفير التمديدات الضوئية، والتي أدخلها الى لبنان بحسّه المستقبلي شربل نحاس (وزير الاتصالات الأسبق)، ووفر الخدمات للمستشفيات، والجامعات، والجيش، وهذا الأمر لم يتحقق حتى تاريخه على مستوى الوطن، لكان لبنان حصل منذ 2013 على ثمانية مليارات دولار من العائدات بدل ما تحصل نتيجة قرارات وزير لا يعرف تقنيات الاتصالات.

لو شجعنا الشركات اللبنانية ذات المستوى العالمي على التمركز في لبنان، بدل ايرلندا واليونان والبرتغال حيث تلقّى سياسات تشجيعية، لكان وضع لبنان أفضل بكثير، والخوف الخوف من استمرار نهج الحكومة والعهد، فالنتيجة ستكون تكبيل لبنان عن النمو والارتقاء، ورهنه للتعامل مع البلدان الممانعة – الممانعة في ماذا؟ ربما في النمو والازدهار.

لقد حان الوقت لتنحي الحكومة، خصوصاً ان رئيسها لا يوحي بالثقة بتوجهاته ومعارفه الاقتصادية والديبلوماسية.”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق