تعيينات الكهرباء الملغومة: مجلس إدارة بلا هيئة ناظمة والمدير العام “أرنب” آخر لحظة!

"إنجازات" الكهرباء ليست سوى تجربة عبثية مخيّبة للآمال من مجموعة هواة يستحقون العقاب

بقلم غسان بيضون* 

مجلس الوزراء على موعد غداً مع مشهد “خفّة” جديد متقن الإخراج، أعدّه فريق الطاقة الحاكم وراعى في توقيته حسابات دقيقة، ليبدو وكأنه يندرج في سياق إصلاح قطاع الكهرباء والاستجابة لمطلب مزمن يتعلق بتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، المنتهية مدته منذ زمن طويل والمستمر بثلاثة أعضاء من أصل سبعة، وتشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء المنصوص عليها في القانون رقم 462/2002، فيما هو استغلال لظرف مؤاتٍ لتسجيل أكثر من هدف، قبل الإفراج عن قانون آلية التعيينات “المحجور” بانتظار نتائج الفحص “الدستوري”، وقبل بلورة مصير الحكومة تغييراً أو تعديلاً، الذي يبدو أن رئيس “التيار” رأى فيه فرصة مناسبة لتسجيل هدف جديد لصالحه، فكان اجتماعه بالرئيس بري لساعة ونصف قيل أنه “لم تسمع خلالها كلمة كهرباء”، ربما من باب النفي في معرض التأكيد!.

في جو الظلام المخيّم على البلد، على أكثر من مستوى وصعيد، مع نفاذ المحروقات وتعثر تأمين حاجة مؤسسة كهرباء لبنان منها بعد فضيحة الفيول المغشوش وما ترتب عنها من انعكاسات سلبية على العلاقة مع سوناطراك الجزائرية، وعدم وصول التحقيقات حولها إلى نتيجة حاسمة بعد، بشّرنا وزير الطاقة بأن إغراق لبنان بالعتمة لن يكون كاملاً، وأن أزمة الكهرباء على طريق الحل. وقد ترافق ذلك مع صعوبة “لملمة” ما يكفي من دولارات السوق لتمويل استيراد المحروقات والمراوحة في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، الذي لا يزال ينتظر مع غيره من مؤسسات وهيئات التمويل الدولية تحقيق إصلاحات جدية على رأسها الكهرباء، التي كسرت تكلفة عجزها ظهر الخزينة وأطاحت استطراداً بأموال المودعين، بنتيجة الاستمرار بإنفاق عشرات مليارات الدولارات عليها، دون حساب، في أصعب الظروف المالية للدولة.

كل هذا وقد سمعنا مؤخراً عن تمسك “التيار” بوزارة الطاقة وعدم استعداده للتخلّي عنها “بعد كل الإنجازات” التي حققوها، فيما هي لم تكن سوى مجرد تجربة عبثية مخيبة للآمال تولتها مجموعة هواة يستحقون العقاب، وحرمانهم من العودة إليها مجدداً، لسوء إدارتهم ولتماديهم في استغلال السلطة والاستهتار بالقوانين، وقياساً على النتائج الكارثية التي ترتبّت على المالية العامة والاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته وعلى المواطن، كما على المؤسسات نفسها خلال إدارتهم لشؤون قطاعي الكهرباء والمياه الواقعين ضمن صلاحيات وزارة الطاقة والمياه !

فماذا عن مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان وأصول تعيينه، في النصوص وتطبيقها؟

فيما نصت المادة العاشرة من قانون إنشاء مصلحة كهرباء لبنان المنفذ بمرسوم رقم 16878/1964، على أن يتألف مجلس إدارتها من سبعة اعضاء يكون احدهم رئيساً، يعيّنون لمدة ثلاث سنوات قابلة التجديد، بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الوصاية، فقد كشف إعلان وزير الطاقة عن إطلاق مسار عملية التعيين من مكتبه ومن خلال لجنة يعينها، نيته استباق توجهات مجلس الوزراء من خلال مناورة جديدة يصيب فيها عصفورين بحجر واحد: الاستجابة بالشكل لتوصيات سيدر وغيره، وسحب الذريعة من يد المطالبين منذ العام 2012 بإجراء هذا التعيين، وفي نفس الوقت استمرار سيطرة الوزير على إدارة المؤسسة وانتهاك استقلاليتها المكرسة بالقانون. وقد رأينا في حينه أن التعيين بالطريقة التي باشرها وزير الطاقة سوف يكرس دور فريقه التدخلي في شؤون المؤسسة ويؤمن استمرار نهج تغطية الفشل والهدر في الإنفاق والعقود بالتراضي واستكمال تصفية المؤسسة لصالح الشركات، التي لم تحدث أي تغيير إيجابي على أوضاع المؤسسة، وأدّى إشراك القطاع الخاص في أنشطتها، إلى مزيد من الإنفاق والتراجع على مختلف مستويات أوضاع المؤسسة لا سيما المالية منها، وإلى تراكم عجزها.

أما وقد اقتصر عرض الوزير على ستة أعضاء، فهذا يعني أن هناك عضواً سابعاً بقي طي الكتمان، ولا تفسير لذلك سوى أن يكون الرهان على “أرنب” يتم تمريره في آخر لحظة، هو المدير العام الحالي للمؤسسة، باعتبار أنه تم تجديد تعيينه رئيساً متفرغاً لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان – مديراً عاماً لها، بموجب المرسوم رقم 11800 تاريخ 29/5/2014.

ويبقى أن يفصل مجلس الوزراء في التعين بين رئاسة مجلس الإدارة ووظيفة المدير العام، للنجاة من لغم إعادة عضو من المجلس دون غيره فيما هم متساوون في المسؤولية عن فشل المؤسسة وانهيار أوضاعها، لا بل أن الرئيس هو الذي يتحمل المسؤولية الأكبر.

وماذا عن المشروع التعديلي لقانون تنظيم قطاع الكهرباء؟
تتوزع الملاحظات على هذا المشروع على أربعة محاور تتعلق بالأسباب الموجبة للمشروع التعديلي، بصلاحيات هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، وبمصير مستخدمي مؤسسة كهرباء لبنان وبمدى الحاجة إلى القانون، لا سيما بعد خرق استقلالية مؤسسة كهرباء لبنان وتعزيز دور القطاع الخاص على حساب دور إدارتها في معظم صلاحياتها ومجالات استثمارها، وبعد صدور القانون رقم 48/2017 الذي ينظم الشراكة بين القطاعين العام والخاص والقانون 129/2019، المتعلق بتمديد القانون 288 الذي يحل مجلس الوزراء مع وزيري الطاقة والمياه محل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء.

في كتابه إلى مجلس الوزراء الذي يحيل بموجبه المشروع التعديلي لقانون تنظيم قطاع الكهرباء، يشير وزير الطاقة إلى ارتباط تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء بإنجاز التعديلات اللازمة على القانون 462/2002، ليصبح قابلاً للتطبيق. ويعتبر أن هذه التعديلات “هي شرط مسبق فنياً وتقنياً وقانونياً لتشكيل الهيئة، تمكيناً للحكومة من وضعه، بمفاصله كافة، في مسار التنفيذ ومنها تشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء”. ويتعارض ذلك مع نص الفقرة ٧ من المادة الأولى من القانون رقم 181/2011، الذي استند اليه وزير الطاقة لتبرير اقتراح التعديل وعدم تشكيل الهيئة الناظمة لغاية تاريخه، فيما جاء نص هذه الفقرة حرفياً كما يلي: ” تشكل لجنة وزارية برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزراء ….، للنظر بالتعديلات على القانون رقم 462 … خلال مهلة اقصاها ثلاثة اشهر، والالتزام بالقانون وتشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء خلال هذه المهلة بناء على اقتراح وزير الطاقة”.

يتبين من نص هذه الفقرة أنها تفيد بعكس ما يدعيه الوزير تماماً، لا سيما وأنها تنص بشكل صريح وواضح على وجوب الالتزام بتطبيق القانون رقم 462/2002، وتشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء خلال مهلة الثلاثة اشهر من تاريخ نشر القانون المذكور، بحيث يمكن أن تتشكل هذه الهيئة حتى قبل الشروع بتعديل القانون المذكور. وبذلك لا يستقيم قانوناً، تعليق وزير الطاقة تطبيق أحكام قانون تنظيم قطاع الكهرباء بمفاصله كافة على إجراء التعديلات اللازمة عليه، لا سيما وأن القانون يصبح نافذاً وواجب التطبيق فور نشره في الجريدة الرسميّة، وأن اقتراح التعديل لا يوقف التنفيذ وأن الشرط المسبق لتعديل قانون تنظيم قطاع الكهرباء هو في الحقيقة تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وليس العكس.

أما بالنسبة للتعديل المقترح إجراؤه على قانون تنظيم قطاع الكهرباء بحد ذاته، فيتمحور حول تقليص صلاحيات الهيئة الناظمة وإلغاء دورها التنفيذي في مجال التنظيم والرقابة و إدارة شؤون الكهرباء في القطاعات كافة، وتحويلها الى هيئة استشارية دون أي دور أو بعد تنفيذي لها في تنظيم قطاع الكهرباء، بحيث يبقى لها فقط أن تبدي أو ترفع لوزير الطاقة الرأي او الاقتراح في بعض الأمور، مثل الاتفاقات والأذونات والإجازات والتراخيص في مجالي إنتاج و توزيع الطاقة، بحيث يعود لوزير الطاقة التقرير وأمر البتّ بهذا الرأي أو الاقتراحات، بصرف النظر عن موقف الهيئة وقناعتها، مما يتعارض مع الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري والفني المفترض أن تتمتع به الهيئة. أما نقل صلاحيات الهيئة إلى وزير الطاقة فيستتبع نقل المسؤوليات معها إليه حكماً. ولا بد أن يترتب عن ذلك تأمين حاجة الوزير إلى جهاز بشري ولوازم، لكي يتمكن من القيام بدور مواز للهيئة.

واستطراداً، فإنه بتقليص صلاحيات الهيئة وتحويلها الى مجرد هيئة استشارية في الأمور الفنية والقانونية تنتفي مبررات انشائها والجدوى منها، إذ بإمكان الوزير الحصول على الآراء الفنية من شركات استشارية، كما يحصل اليوم، ومنذ عشر سنوات على الأقل، بالاتفاق مع شركات معروفة سلفاً وبالتراضي، وبتكلفة بالمليارات على حساب خزينة الدولة. كذلك بإمكانه مراجعة هيئة التشريع و الاستشارات في وزارة العدل لطلب رأيها القانوني.

والأرجح أن تكون غاية الوزير من تعديل صلاحيات الهيئة بهذا الاتجاه هي معالجة مشكلته في تأمين الاعتمادات اللازمة لتغطية تعويضات مستشاريه بعد اعتذار الشركة الاستشارية عن الاستمرار بتغطية توظيفهم المقنع تحت إسم هذه الشركة، وبعد نفاذ اعتمادات القانون2011/181 التي كانت تؤخذ منها تعويضات “مستشاري” الوزير خلافاً للأصول.

ونشير أخيراً إلى أنه سبق لوزير الطاقة أن رفع، خلال العام 2012، تعديلاته المقترحة على القانون 462/ 2002، وعرضت على مجلس الخدمة المدنية الذي رأى فيها تعارضاً مع القانون 287 المتعلق بتثبيت المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، فيما التعديلات تنظّم صرف مستخدميها المعيّنين في ملاكها. وكذلك عرضت على هيئة التشريع والاستشارات التي اعتبرته مشروع قانون جديد يتعارض مع الاتجاه التشريعي الحديث بتحويله الهيئة الى وحدة استشارية وتوسيع صلاحيات الوزير، فهل أن أمانة وزير الطاقة سوف تكون كافية فيرفق هذان الرأيان بالمشروع التعديلي للقانون 462/2002 ؟! .

إن كرة تعيين مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان هي اليوم في ملعب الحكومة، التي عليها أن تحدّد توجهاتها بالنسبة إلى الالتزام بروح آلية التعيين التي أقرّها مجلس النواب، وتوعّد الوزير باسيل منفرداً بالطعن بها، بحيث تضمن اختيار الأكفأ، دون أن يترك لوزير الطاقة وحده، منفرداً أيضاً، التحكم بتصفية المرشحين واختصار اللائحة بمن اختارهم هو من المرشحين خارج أية معايير معروفة ومعلنة؟!.

بعد التذكير بلجنة المراقبة السنوية على المؤسسات العامة، المنصوص عليها في المادة 31 من النظام العام للمؤسسات العامة، والمفترض ان تنشأ في ديوان المحاسبة وتعيّن بمرسوم وتتخذ تقاريرها أساساً لإبراء ذمة القيمين على هذه المؤسسات عن إدارتهم خلال السنة المعنية، وأما لإعلان مسؤوليتهم وفقاً للشروط المحددة في قانون التجارة، فإنه لا بد من نصيحة للمعنيين اليوم للانتباه ومراعاة هذه الوقائع والمعطيات والملاحظات، بحيث تؤخذ بعين الاعتبار مسؤولية الإدارة الحالية لمؤسسة كهرباء لبنان وفشلها الذريع والنتائج غير المشجعة بوجود المدير العام الحالي على رأس هذه الإدارة منذ العام 2002، وتأخذ القرار المناسب لضمان النجاح في إنجاز تعيين يكون متحيزاً للمصلحة العامة دون غيرها، ويضمن وصول الأكفأ ويعتمد الصيغة الأفضل بين موقع رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمؤسسة.

أما ربط تعيين الهيئة الناظمة بتعديل القانون 462/2، فيبقى مجرد كلام سياسي لا أساس له في القانون ولا في المنطق ولا يعبّر، في أي حال، عن حسن نية. وهو في جميع الأحوال لن ينطلي على المعنيين والمتابعين في الداخل والخارج، ممن أصابهم الملل من تسويف ومماطلة وخداع الوزراء المتعاقبين، فحاذروا الوقوع في الفخ مجدداً.


*غسان بيضون المدير العام السابق لاستثمار في وزارة الطاقة والمياه

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق