جوعوا…. وأنقذونا!

هاني كفوري
جوعوا… وأنقذونا!…

أحرقنا جبالكم لنُظهر عجز حكومتكم، وأوعزنا بوجوب الاستفزاز بزيادة ضرائب عقيمة على تطبيقات التواصل الاجتماعي لا تسمن ولا تغني عن عجز الدولة المفرط..

هبّ الشعب الصادق المتألم في الأيام الأولى وانتفض… وبين الصادق والمنافق تكتّل المنافقون وصادروا الانتفاضة بمواكبة إعلامية جعلت منها ثورة أين منها ثورة ١٧ تشرين البولشفية..

فشلت الهوبرة وبهتت مع انتشار جائحة كورونا وبدأنا لعبة الضغوط النقدية والمالية وحذرناكم من الجوع فلم ترتدعوا ولم تجوعوا!
ملأتم بيوتكم بالمؤن واحتفظتم بدولاراتكم في بيوتكم وشدّيتم الأحزمة ورشّدتم الإنفاق ولم تجوعوا!
استصلحتم الأرض وزرعتموها وكأنكم تنزعون منا ورقة التجويع! ألم تتعظوا من حرق المزروعات في الشمال السوري؟!

شدّدنا الحصار وطار الدولار على حصان مجنّح!… منعنا إقالة حاكم المصرف المركزي ومنعنا التحقيق والتدقيق في حساباته، منعنا كشف أسماء الذين نهبوا والذين هربوا الأموال إلى الخارج، بغية تفريغ البلد من العملات الصعبة ولم تجوعوا!…

بالله عليكم جوعوا وأنقذونا، لأننا سوف نشدّد الحصار أكثر، وغداً ربما نطلب بلسان شرعيتكم نزع الخراطيم من محطات الوقود وتمزيق أكياس الدقيق وتفتيت حبوب الدواء لئلا تقفوا في الطوابير غير آبهين بالعقوبات!…

جوعوا وأنقذونا قبل أن نترككم بين الحياة والموت وينجدكم الصليب الأصفر الأممي وعندها – نحن نعرفكم جيداً – تنهضون من جراحكم وترفعون بنادقكم وتقيمون مهرجانات الانتصار..

جوعوا وأنقذونا قبل أن تصلكم المساعدات على متن السفن الآتية من الشرق، فنضطر إلى إعادة إحياء الخط الأخضر بين شطري العاصمة لئلا تصل تلك المساعدات إلى كل الطوائف!

نرجوكم أن تجوعوا وتنقذونا، ماذا تنتظرون بعد؟ أتريدوننا أن نسمّم مياهكم ونلوّث هواءكم ونرشقكم بأنواع جديدة من الجراثيم تزيد عدد قتلاكم؟. إننا والله لا نحب أن نصل إلى هذا الحدّ من التشدّد، فهو إذا كسر شوكتكم فسوف يكسر هيبتنا بالتأكيد!

إننا لا نرغب بهذا الكباش غير المتكافئ بين جبروتنا وعنادكم… الأمم تراقبنا والملامة في عيونها.. إن وصمة عار المجاعة في الحرب العالمية الأولى لا تزال ماثلة في الوجدان البشري، مع أن المسؤولية ضاعت في غبار المعارك العالمية. فكم بالحري ما نفعله اليوم ببلدكم الصغير دون معارك ودون غبار؟

جوعوا وأنقذونا قبل أن يفشل وكلاؤنا في كل اتهاماتهم وشائعاتهم وتفرغ جعبتهم من الأضاليل وهم المبتهجون بجنون الدولار!

مناصروهم قليلون وهم يعلون الصراخ لعلّهم يقنعون فئات من الجائعين الجدد بالانضمام إلى حفلات التخريب والتكسير العبثي!

جوعوا وأنقذونا لنملي عليكم شروط الدول العظمى على بلد صغير، عندها سوف نهلّل لانتصار عظمتنا ونقول أننا أخضعنا حفنة من ملايين البشر الأشداء الذين يعادلون قوة خمسين مليون إنسان… دعونا ننتصر فنجعل منكم أبطالاً في الرواية الاستعمارية!

جوعوا وأنقذونا قبل أن نضطر إلى التعامل معكم كأقوياء… وعندها سنضطر إلى التخلّص من “كراكيب” السياسة بالوكالة عندنا..

جوعوا وأنقذونا قبل أن نقلب العقوبات إلى مساعدات بانعطافة إنسانية نبيعها في أسواق حقوق الإنسان والعالم سيصدقنا! فنحن دول عظمى ننتعل أحذية واقية ندوس بها أجسادكم قبل أن يلوّثها رماد أرضكم المحروقة..

هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق