علي مش كافر … لكن انتم حتماً كفرة!

أنا مش كافر.. بس الجوع كافر”، عبارة تركها المواطن اللبناني علي محمد الهق على نسخة من سجله العدلي، معلقة على طاولة في إحدى مقاهي شارع الحمرا في بيروت، كتبها وانتحر… كتب كلماته على ورقة تثبت أن لا حكم عليه وأنه من الأوادم ورحل بعد أن  فقد السبل أمامه، وفقد الحيلة، كما فقد أمله وإحساسه بالقدرة على التغيير والاستمرار في هذه الحياة.

أنها المواطن اللبناني حياته وهو يعمل كسائق حر،، في بلد يشهد أسوأ أزمة اقتصادية ومالية ونقدية بتاريخه، تداعى معها الأمن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للناس. ترى كم بيننا من هم ليسوا كفار،،، وكم كافر بينهم في الحكم ؟

 أنهى الرجل حياته بطلق ناري في الرأس، تُرك لفترة جثة هامدة على الرصيف، بانتظار قدوم عربة الإسعاف، في مشهد صدم الرأي العام اللبناني من شدة قساوته.

وهزّت حادثة الانتحار الرأي العام اللبناني، وزادت من “وجع اللبنانيين وألمهم” فبعيد حادثة الانتحار، تجمع محتجون في شارع الحمرا وأطلقوا صرخات ضد الطبقة السياسية، التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، بحسب وصفهم.

وبينما افترش العشرات الأرض، أظهرت لقطات مصورة أحد أقارب الشاب وهو يصرخ في الشارع ويقول: “ابن عمي قتل نفسه بسببكم، قتل نفسه من الجوع بسببكم، لعن الله هذا البلد، لعن الله هذه الحكومة وكل السياسيين انقتل بسببكن يا “عر ص ا ت “.

وحملت سيدة لافتة كتب عليها “فسادكم قتلنا”، وبكَت متأثرة من مشهد الانتحار، وطالبت الناس النزول إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم وأسقاط الطبقة السياسية. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي اجتاحت على الفور هاشتاغ أنا مش كافر  بين اللبنانيين.

ولم ينته “اليوم الأسود”، كما وصفه متظاهرون في شارع الحمرا، ففي جدرا جنوبي بيروت، عثر على جثة مواطن مشنوقاً داخل شقته في في الشوف بجبل لبنان، وهرعت القوى الأمنية والأدلة الجنائية للتحقيق ف الحادث.

وفور شيوع الخبر، اعتصم العشرات من سائقي الحافلات والباصات في مدينة صيدا جنوب لبنان، بسبب الوضع الاقتصادي الذي أدّى إلى انتحار زميلهم.

ووفق إدارة المقهى الـ”Dunkin”، فإنّ الشاب ليس موظفاً في المقهى كما يتم التداول، ولا علاقة للمحل بالحادث سوى أن اطلاق النار حصل بالقرب من المقهى.

والهق، هو ابن بلدة الهرمل محلّة الكواخ، ومن سكان المريجة في الضاحية الجنوبية. ووفق رواية أقاربه، فإنّه “غادر لبنان منذ سنوات إلى الخليج سعياً لتأمين لقمة عيش حيث عمل في مطاعم عدّة، ليعود بعدها إلى لبنان ويفتتح مطعماً في المريجة، إلّا أنّ الظروف المالية والاقتصادية الصعبة خلال الأشهر الأخيرة أدّت إلى تراجع العمل في المحلّ وتعذّر تأمين بدل الإيجار الشهري، ما أدّى إلى تعرّضه لضغوط من صاحب الملك، في وقت لم يعد يملك قوت يومه له ولأسرته”.

ويروي الأهالي أنّ آخر ما قاله لشقيقه: “واصل مشوار يا خيّ… وصّيني”.

ثورة 17 تشرين انطلقت العام الماضي، والناس مفعمين بأمل التغيير، إلا أن هذه الحادثة وبعد نحو أكثر من 8 أشهر من انطلاق الثورة التي تذبذبت نزولاً وصعوداً في مطالبها وطرق التعبير عنها، جاءت في ظل شعور متفاقم باليأس والبؤس، وصل إليه قسم كبير من الشعب اللبناني، الذي يئن إقتصادياً منذ أشهر، في ظل ظروف تعطّل فيها دور الحكومة وفشلت في أدائها، وإيجاد مخرج جذري لأي أزمة، أقله ضبط سوق الصرف ومنع انهيار الليرة، وتحديد الآليات لمنع تدهور قيمتها، التي فقدت أكثر من 80% من قيمتها، وسط جشع هائل لا حدّ له للتجار ومستوردي وموزعي الأغذية والحاجيات الأساسية على المحال التجارية، حيث راح معظمهم يلعب لعبة الدولار الجنونية ببضائعه، بيعاً وشراءً ويحتكر بضائعه منتظراً الارتفاع الأكبر للدولار حتى يشرع بتسلميها الى الموزعين طمعاً بالسعر الأعلى، حتى خلت الرفوف من بضائع أساسية لدى اللبنانيين في الفترة الأخيرة، في أزمة لم يعهدها لبنان وشعبه الاستهلاكي  يوماً، حتى رغيف الخبز صار يحلق عالياً، ليخضع بدوره لأسعار الدولار اسبوعياً، فيما علبة حليب الأطفال وصندوق الشاي ومرطبان القهوة باتوا سلعاً صعبة المنال،،، فيما الحكومة تتصارع مع باقي أطراف السلطة، والنتيجة واحدة لا مخرج قريب ولا حل قادم في الأفق للوضع الاقتصادي المتأزم، الذي يخنق اللبنانيين  حد الانتحار، بكافة طبقاتهم الاجتماعية وينذر بانفجار أمني وأزمات اجتماعية وانسانية لا أفق لها.

ويحوم شبح الجوع والفقر في كثير من بيوت اللبنانيين، وزادت أرقام البطالة في كل المناطق اللبنانية، وتشير إحصاءات إلى أن أكثر من 130 ألف شخص فقدوا وظائفهم منذ بداية العام الحالي نتيجة الأزمة الاقتصادية.

وبحسب إحصاءات البنك الدولي، فإن 55% من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، و30% منهم تحت خط الفقر المدقع. فيما تشير أرقام حديثة للدولية للمعلومات الى أن 60% من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، والبطالة تصل أيضاً الى نحو 60%، بعد ظاهرة إقفال آلاف المؤسسات وأصحاب الحرف والمهن المتوسطة والصغيرة التي كانت تشكل دعامة الاقتصاد اللبناني، بالإضافة لإقفال علامات وشركات كبرى لمحالها ومتاجرها، وتجميد أخرى لأعمالها.

في الأيام القادمة كم حالة انتحار يريدون بعد لييتنعوا أنهم فشلى وأنهم عاجزين عن القيام بمهامهم؟ كم منتحر يريد الزعماء والكفرى قرابين لهم ولسطوتهم وفسادهم وتحكّمهم بالمصائر؟، وكم تحتاج هذه السلطة من الوقت لتدرك أنها يجب أن ترحل بمنظومتها المتهالكة الصدأة التي قضت على الأخضر واليابس في مقدرات لبنان وشعبه، وقتل الأمل والحلم فيهم؟

أخباركم
آلان دويهي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق