حقائق خطيرة: كيف انخفضت الحوالات الى لبنان من 8 مليارات الى بضعة ملايين؟

وفيق الهواري – أخباركم

لفترة قريبة منذ نحو ثلاث سنوات، وقبل أن تفرض السلطات الأميركية تدابيرها المتشدّدة على حركة التحويلات وعمليات القطاع المصرفي اللبناني للحدّ من عمليات الإرهاب _على حد زعمها_ ، كان لبنان ينعم بتسجيل فوائض سنوية مرتفعة بميزان المدفوعات، والذي تضم مكوناته بالإضافة للهبات والقروض التي يحصل عليها لبنان من الجهات المقرضة والمانحة، رقماً هائلاً لتحويلات اللبنانيين المغتربين، التي كانت ترفد القطاع المصرفي بالازدهار والحركة الاقتصادية بالنشاط.

ولطالما شكلّ هذا الفائض رغم ارتفاع حجم المديونية العامة في لبنان، ورغم العجز بالميزان التجاري، أحد المصادر الرئيسية لتعويم الاقتصاد اللبناني، الذي كان يخلق كتلاً نقدية ضخمة، كذلك أسهَم برفع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين سواء الميسورة منها، أو الطبقة المتوسطة، أو حتى محدودة الدخل، فمن من اللبنانيين ليس لديه مهاجر أو مغترب يعمل في الخارج؟

لذا اقتصاد لبنان لطالما اعتمد على أموال المغتربين، الذين يفوق عددهم الـ 16 مليون نسمة بالخارج، وهذا ما تعوّد عليه اللبنانيون ولربما هذا ما جعلهم يغضون النظر عن السرقات التي كانت تدور في مؤسسات الدولة، ولم يسعوا لكشفها أو ملاحقة المتسببين بها حتى وقعت الواقعة.

 وبحسب تقرير للبنك الدولي صدر في أيار عام 2018، ارتفعت قيمة التحويلات المالية من الخارج الى لبنان عام 2017 لتصل الى 8 مليارات دولار أميركي، مقارنة مع 7.3 مليارات في العام  الذي سبقه، أي بزيادة سنوية ونسبتها 9.6 %.

وبحسب التقرير نفسه أن لبنان احتل المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مستوى نسبة التحويلات الى الناتج القومي العام، والتي بلغت في 2017 نحو 15.1%، وهي نسبة متقدمة عالمياً.

إلا أن مرحلة العد العكسي للانهيار الاقتصادي، بدأت منذ بدأ التضييق على حركة الحوالات بفعل التدابير الأميركية المفروضة، من رفع السرية المصرفية الى إلزامية تحديد وجهة الاستخدام، وبيانات يجب أن يقدمها محوّل الأموال كما المتلقّي، ما يضعه تحت مجهر الرقابة الأميركية، كل ذلك أسهم بالتضييق على حركة التحويلات، إلى أن بدأت هذه التحويلات الخارجية عبر القنوات المعتادة أي عبر المصارف ومكاتب التحويل تتضاءل، وتأثرت بها المصارف، وبدأت تمارس سياسة التقشف على السحوبات عام 2019، الى أن توقفت بشكل شبه نهائي عن إعطاء العملة الصعبة، ما أدّى الى تفاقم الأزمة النقدية والمصرفية وشح العملة الأجنبية، والتي ضربت الثقة نهائياً بالقطاع المصرفي بعد حصاره لأموال المودعين إذا لم يكن استيلائه عليها.

في ضوء كل ذلك تراجع كثيراً عمل مكاتب تحويل الأموال، ففي لبنان تنتشر عشرات المكاتب منها، وتقدم خدمات عبر آليات مالية مختلفة للجمهور، لكن عملها أصيب بنكسة منذ العام الفائت، بسبب الإنهيار المالي والاقتصادي الذي يشهده لبنان، وبسبب التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان المتعلقة بالتحاويل بالإضافة لتسعيرة الدولار.

يقول صاحب أحد المكاتب ع. ن. لأخباركم: “كانت الأموال المحوّلة إلى لبنان، تشكل كتلة مالية مهمة تضخّ في الأسواق. لكن كل هذا توقف حالياً لأسباب مختلفة”.

ويضيف: “خلال شهر أيار 2019، استلمنا ما قيمته 900 الف دولار أميركي من عملات أجنبية مختلفة كانت تسلم مباشرة إلى الزبائن، هذا الرقم انخفض الى نحو 300  ألف دولار أميركي خلال شهر أيار 2020″.

ويعيد هذا الإنخفاض لعدة أسباب إذ يقول: “خلال العام الفائت، صدر تعميم من مصرف لبنان يطلب فيه دفع الأموال المحولة بالعملة الوطنية وبالسعر الرسمي، ما دفع كثير من الزبائن الذين يرسلون أموالاً لمساعدة عائلاتهم، أو لتسديد ديون أو أقساط بالعملة الأجنبية، إلى إرسال الأموال عبر أشخاص قادمين من البلدان الأجنبية. بعدها عاد مصرف لبنان وسمح لنا تسديد التحويلات بالعملة الأجنبية كما أرسلت، وكنا نستلم الأموال من الشركات المحولة الأجنبية.”

ويتابع: “بعد ذلك لجأ مصرف لبنان إلى تعميم جديد، حدّد فيه سعر صرف الدولار الأمريكي المحوّل من الخارج بسعر 3800 ل.ل.  فيما سعر الصرف الفعلي في السوق أعلى بكثير من ذلك، ما يعني أن مصرف لبنان يستلم الأموال الأجنبية ويستبدلها بعملة وطنية، لا تساوي نصف سعر العملة الأجنبية المتداولة في الاسواق الموازية.”

ولا تقتصر الأسباب على ذلك، إذ يرى أسباباً أخرى يتحدث عنها: “أعتقد أن ما أدّى إلى انخفاض بقيمة الأموال المحوّلة، تعطّل الحياة الاقتصادية في كثير من البلدان، بفعل انتشار فيروس كورونا، بالإضافة الى ارتفاع سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي المحوّل عبر شركات التحويل من 1500 ل.ل.الى 3800 ل.ل.، ما دفع مرسلي الأموال الى أهاليهم، بخفض قيمة الأموال المحوّلة إلى لبنان”.

ويختم باتهام السلطة السياسية والمالية أنهما مسؤولتان عن هذا الانخفاض لغياب سياسة مالية تحفظ حقوق المواطنين، بل تسعيان إلى الاستيلاء على جزء من أموال المواطنين بحجة الحاجة إلى عملة أجنبية نهبت بسبب السياسة المالية المتبعة.

وماذا عن المستقبل؟ يجيب: “أعتقد بعد فتح المطار سيلجأ المقيمون في الخارج والراغبون في تحويل أموال إلى لبنان الى نقل الأموال مباشرة عبر مسافرين، كي تصل الأموال لجهاتها المستهدفة دون أن تفقد قيمتها، وهنا حتماً من المرجّح أن ينخفض حجم عملنا، ويعيش أزمة أخرى تضاف إلى الأزمات العامة التي نعيشها”.

أنها مشكلة اقتصادية واجتماعية ونقدية وسياسية بكافة المقاييس، وبدلاً من معالجتها، فإن أطراف السلطة مشغولة بإعادة صياغة توازناتها في الحكم وقضايا الناس آخر اهتماماتها.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق