قصة الحافلة المدرسية وغور الأردن

هاني كفوري

سأل أحدهم صديقاً له عن رأيه في ما يحكى عن ضم الضفة الغربية لنهر الأردن إلى الكيان المحتل.
صمت الصديق برهة وقال: إسمع يا عزيزي ونحن صغار كنا ننتقل إلى المدرسة بحافلة تأتي ناقلة معها التلاميذ من القرى المجاورة وكانت أعمارهم تتفاوت من صف الحضانة حتى الصفوف الثانوية.

وبما أن الحافلة كانت تصل إلينا بعد أن تمر بالقرى المجاورة، فقد تكرّس عرف منذ البداية، أن يحتل تلامذة تلك القرى المقاعد الأفضل القريبة من الشبابيك!…

وفي أحد الأيام عند الخروج من المدرسة جلست إحدى الفتيات في مقعد كان خصّصه أحد تلامذة المرحلة الابتدائية لنفسه، على غرار التلامذة الكبار، ومنع أحداً من الجلوس عليه.

وصل التلميذ  ليرى الفتاة جالسة في “مقعده” فطلب منها المغادرة فلم تستجب! حاول طردها بالسباب فأشاحت بوجهها عنه! سحب لها حقيبتها مهدداً برميها من الشباك فلم تعره اهتماماً! عندها رمى لها الحقيبة في رواق الحافلة وصفعها على وجهها بوقاحة مستهجنة! كل ذلك على مرأى من التلامذة الكبار الذين حاولوا ببرودة مستهجنة ثني الصبي عن إهانةالفتاة! ومنهم من ضحك له وكأنهم يجاملون أو يخافون أهله!

احمرّت وجنتا الفتاة خجلاً وألماً لكنها لم تترك المقعد!
سمع السائق الصراخ، فراح يراقب ما يجري في مرآة عاكسة فوق رأسه، حتى رأى الولد يصفع الفتاة فجنّ جنونه وأوقف الحافلة ونزل متجهاً الى الصبي، وصراخه يملأ المكان، فصفعه بقوة كادت تفقده صوابه وطلب منه تدبّر أمره في مقعد آخر. فليس من مكان مخصص لأحد في هذه الحافلة!

حاول الولد ان يخفي كسر شوكته بابتسامة لم تمنع عينيه أن تدمعا من الخجل والانكسار ، فجلس في مقعد آخر يرغي ويزبد ويهدد بعظائم الأمور! كل ذلك وسط ذهول التلامذة من ردّة فعل السائق وغضبه غير المعهودين!…

مضى على تلك الحادثة بضعة أسابيع حتي خرج أحد التلامذة الكبار من الامتحانات باكراً نسبياً وجلس في مقعد الشقي الصغير! وتكرر ما حدث مع الفتاة من سباب ومحاولة فرض أمر واقع… فما كان من التلميذ الكبير سوى أن صفع الصبي بقوة كادت تسقطه من الشباك إلى خارج الحافلة! فبكى واحمرت وجنتاه وفقد الأمل بالاحتفاظ بالمقعد لنفسه بعد اليوم!

وحكي بعد بضع سنوات أن الولد توفي بمرض عضال!…

هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق