تقرير لصندوق النقد يفضح أثر الهندسات المالية على لبنان.. المركزي يخسر 49 مليار دولار في عام

131 مليار دولار خسائر متراكمة تعادل 91% من الناتج المحلي الإجمالي

 حذّر صندوق النقد الدولي لبنان، من أن مصرفه المركزي تكبّد خسائر متراكمة تصل إلى 49 مليار دولار، حيث تهدّد الانقسامات بين الحكومة ومصرف لبنان بعرقلة محادثات الإنقاذ الحيوية مع البنك الدولي.

وقال تقرير عن صندوق النقد نشرته جريدة الفايننشال تايمز، “تبين أن البنك المركزي لا ينشر حسابات الربح والخسارة، وفي السنوات الأخيرة، استخدم سلسلة معقدة من الديون السيادية ومبادلات العملات مع المقرضين المحليين، ما أسماه محافظ البنك المركزي «الهندسة المالية»، لدعم القطاع المصرفي، لجذب العملات الأجنبية، وتحقيق الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية المربوط بالدولار الأميركي.

ويتابع التقرير أن “كل هذا أدّى لخسائر متراكمة ووفقاً لمصادر مطلعة، أبلغ صندوق النقد الدولي وزير المالية اللبناني أن هذا النشاط، إلى جانب تأثير عجز لبنان في مارس عن سداد الديون وانهيار قيمة العملة، أدّى إلى خسائر متراكمة تبلغ حوالي 170 تريليون جنيه استرليني (113 مليار دولار). وتعادل هذه الخسائر 91 % من إجمالي الناتج الاقتصادي للبنان في عام 2019، وفقًا لأرقام البنك الدولي، وتساوي تقريباً إجمالي قيمة الودائع التي يحتفظ بها مصرف لبنان للبنوك التجارية في لبنان.

وفي حين أن تقييم صندوق النقد الدولي مقبول على نطاق واسع من قبل حكومة رئيس الوزراء حسان دياب، فإن البنك المركزي وبعض أعضاء البرلمان يجادلون بأن خسائر مصرف لبنان أقل من ذلك بكثير. ويهدد الخلاف الذي وضع دياب وصندوق النقد الدولي ضد محافظ البنك المركزي اللبناني رياض سلامة، بعرقلة التمويل الطارئ الذي يحتاجه لبنان لتحقيق الاستقرار لاقتصاده المتدهور.

يقول هنري شاوول، وهو مصرفي قدم المشورة للحكومة في محادثاتها مع صندوق النقد الدولي قبل استقالته الأسبوع الماضي: «إن عدم قبول تشخيص البنك الدولي للأزمة، يعني ببساطة، انسحاب صندوق».

ولفت صندوق النقد الدولي إلى بيان أدلى به المتحدث باسم الصندوق الأسبوع الماضي، عبر تغريدة قال فيها، ان «تقديراتنا متّسقة بشكل عام مع تلك الواردة في خطة الحكومة”. وقالت الحكومة إن الخسائر المتراكمة للبنك المركزي تبلغ نحو 50 مليار دولار. لكن سلامة اعترض على هذا الرقم في إحاطة للبرلمان، وجادل بأن حسابات البنك المركزي تظهر فائضاً.

ويعتبر سلامة واحدا من أقدم محافظي البنوك المركزية في العالم، حيث قاد مصرف لبنان لمدة 27 عاماً. ويعود الفضل إليه في الحفاظ على الاستقرار المالي في البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، من خلال المساعدة في تمويل الإنفاق الحكومي والعجز التجاري الكبير، مع الحفاظ على ربط سعر صرف الليرة بالدولار.

ولكن في الأشهر الستة الماضية، وبعد أسابيع من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، لم تعد السياسة المالية والنقدية للبنان فاعلة. فقد تخلّف لبنان عن سداد ديون تبلغ نحو 90 مليار دولار في مارس، وانخفضت قيمة الليرة اللبنانية في السوق السوداء من 2400 ليرة للدولار الواحد في يناير إلى أكثر من 5000 ليرة، في حين أن سعر الربط يبلغ 1507 ليرة. فائدة عالية تنبع عن أزمة مالية واقتصادية ونقدية من نظام مالي غير منضبط، حيث حصل القطاع المصرفي على مدفوعات فائدة عالية من خلال إقراض الحكومة، واستخدم ودائع الدولار من الخارج للمساعدة في تمويل الكم الهائل من الواردات وخدمة الديون.

 ولم تحصل الفايننشال تايمز، على تعليق من البنك المركزي بعد، وفي عرض لحساباتها على البرلمان الأسبوع الماضي، الذي شاهدته الصحيفة، وعدت الحكومة إنها لن تعرقل «انخراط صندوق النقد الدولي» في حل الأزمة.

وتعمل البنوك المركزية في بعض الأحيان بخسارة ومنها مصرف لبنان، وعلى سبيل المثال، إذا تم إعادة تقييم أصولها نتيجة صدمة مفاجئة للعملة المحلية. لكن توجيهات صندوق النقد الدولي تنصح بعدم «تجاهل مثل هذه الخسائر والاعتماد على أمل أن يتم تعويضها لاحقاً”

وتسعى اللجنة المالية بالبرلمان اللبناني للتوسط بين الحكومة والبنك المركزي وبدأت تحقيقها الخاص في الشؤون المالية لمصرف لبنان. وأبدى رئيس اللجنة إبراهيم كنعان، تأييده للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي لكنه عبّر عن عدم ارتياحه لمقاربة الحكومة وقال، لذلك «تدخلنا لممارسة الرقابة على خطة الحكومة». واتهم شاوول أعضاء البرلمان بالسعي إلى تعطيل برنامج صندوق النقد الدولي من أجل تأخير الإصلاحات المالية والنقدية التي قد تقوّض سلطتهم. وقال: “صندوق النقد الدولي يساوي الإصلاحات”. لكن كنعان رفض هذه الانتقادات ووصفها بأن “لا أساس لها من الصحة”.

من جانبها، قالت وكالة “بلومبيرغ” إنّ الحديث عن الحاجة إلى خطة بديلة بدأ في لبنان بعد مرور أقل من شهرين على انطلاق المفاوضات مع صندوق النقد. وشرحت الوكالة بأنّ المحادثات ما زالت في مرحلتها الأولى على الرغم من أنّ الجانب اللبناني عقد 15 جلسة من المحادثات، وذلك على خلفية الخلافات حول حجم الخسائر والجهة التي يتعين عليها تسديدها والإصلاحات “المؤلمة” المطلوبة.

وفي تقريرها المفصّل، نقلت الوكالة عن مسؤوليْن حكومييْن قولهما إنّ قرار لبنان الاعتراف بحجم مشكلته كان أساسياً لجهة إقناع صندوق النقد بأنّه يبدي جدية بشأن إحداث التغيرات التي يطالب بها المجتمع الدولي منذ سنوات. في هذا السياق، تناولت الوكالة إصرار سلامة على عدم وجود خسائر مدرجة على ميزانية “المركزي”، نظراً إلى إمكانية إطفاء الخسائر الطويلة المدى عبر طباعة الأوراق النقدية، محذرةً من أنّ هذه الخطوة تعني إجبار المدّخرين والأجراء على تحمّل الخسائر في وقت تتضخم فيه الأسعار وتنهار فيه الليرة. وكشفت “بلومبيرغ”، استناداً إلى وثيقة اطلعت عليها، أنّ سلامة قدّر الفائض بـ14 مليار دولار.

وفي حين تسير الحكومة بخطتها، نقلت الوكالة عن مسؤول مطلع على المحادثات قوله إنّ خطتها باتت “يتيمة سياسياً”، مستبعداً أن تصمد. من جانبه، رأى مسؤول آخر أنّه يتعيّن على الحكومة تدعيم أرقامها للفوز بتأييد البرلمان من أجل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد وتمرير الإصلاحات.

وعلى الرغم من أنّ المفاوضات ما زالت في مراحلها الأولى، كشفت الوكالة أنّ الديبلوماسيين والمسؤولين متشائمون بشكل كبير، إذ يجري الحديث عن قرض تتراوح قيمته بين 3 و4 مليارات دولار، في حال تم التوصل إلى اتفاق.

المصدر: وكالات+ القبس+ بلومبيرغ

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق