إمرأة من حمص آمَنَت بالعودة: كُسِرت أحلامنا ولا مستقبل لدينا في الوطن

ترتفع بين الحين والآخر أصوات لبنانية عديدة تطالب بعودة فورية للنازحين السوريين الى وطنهم، حتى لو لم تتوفر لهم شروط  العودة السالمة والآمن، والتي تضمن الكرامة الانسانية، والأمان بكل معانيه، عدا عن توفّر المساحة الكافية من  حرية التعبير والديموقراطية.

ومع اشتداد الأزمات: الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية في لبنان، اضطرت عائلات كثيرة للعودة، حتى لو لم تكن منازلهم مؤمنة.  لكن كيف تعيش بعض العائلات في أماكن سكنها الأصلية؟

منذ أكثر من عام، التقيت دارين لآخر مرة في طرابلس. اقتربَت مني وسألتني بصوت خافت: “هل تنصحني أن أعود إلى وطني سورية بعد لجوء دام نحو خمسة أعوام؟”. تردّدتُ قبل أن أجيبها: لا أحد يمكن أن يقدم لك نصيحة، أنت الأدرى بوضعك وبظروف حياتك وحياة أولادك، والمعاناة التي تشعرين بها هنا، ومقارنتها بالوضع الحالي في وطنك.

بعد ذلك اليوم، لم أرَها ولم أسمع صوتها، الى أن وبالصدفة منذ يومين حصلت من أحدهم على رقم هاتفها، وتواصلت معها مباشرة لاطمئن عنها وعن عائلتها، وهي المسؤولة عن إعالة أربعة أطفال على حد علمي.

اتصالي بدارين كان مفاجأة لها. بادرت بالقول: “لا تعرف كم أنا نادمة بالعودة إلى الوطن. لأن شروط العودة والبقاء غير متوفرة.”

وأضافت:”على الرغم من الظروف الصعبة التي عشتها في لبنان، والتمييز والعنصرية التي عانيت منهما، لكن ذلك كان أسهل من الحياة هنا في حمص. على الأقل كان يمكن أن أهاجر وأولادي إلى مكان آخر نشعر فيه أننا بشر ولنا حقوق. هنا في “الوطن” لا فرصة للهجرة سوى إلى جهنم.

دارين امرأة سورية من حمص عندها صبيتان وشابان، والأعمار تتراوح ما بين 12 و 18 عاماً. زوجها ترك العائلة لأنه غير قادر على إعالتها.

صمتَت لحظات قبل أن تكمل حديثها: “عندما عدنا كان بيتنا مدمراً بالكامل، ما دفعنا إلى استئجار شقة أخرى شبه صالحة للسكن. ثلاثة من أبنائي يعملون ومجموع المداخيل لا يتجاوز 50 دولار أميركي. والأسعار ترتفع يومياً، هذا إذا توفرت الاحتياجات الأساسية. إبني الصغير هو الوحيد الذي يتابع دراسته، ولكن هل هناك مستقبل له؟ لا أعلم.

لكني سألتها عن الوضع الصحي والخدمات المقدمة. أجابت: طالما صحتنا جيدة هذا يعني أن الوضع جيد وانت تفهم ماذا أعني. لدينا نقص بأنواع من الأدوية، مثلاً أعاني من هبوط الضغط، ويجب أن اتناول حبة دواء يومية لذلك، لكن لا أستطيع الحصول إلا على 12 حبة شهرياً وعلي تدبير قيمة الباقي بنفسي.

وأضافت: “قبل أن تسأل عن الوضع الأمني، أننا نعيش في ظل سلطة أمنية تبدو فيها كلمة استبدادية أقل بكثير من الوصف الصحيح. والتعدّيات على الناس متواصلة. ونحن النساء الأكثر تعرضاً للتحرّش والتعنيف، وخصوصاً المطلقات والأرامل.

وماذا عن المستقبل؟ ضحكت بصوت عال، وقالت: ماذا تقول؟ وهل من مستقبل لنا في مثل هذه البلاد. لقد كُسرت أحلامنا ولم يعد أمامنا سوى انتظار الموت، ربما يكون الحل لنا.
يبدو أن الأوضاع الحياتية في سورية كما لبنان تنهار يوماً بعد يوم وبناء أوطان ديموقراطية تؤمن الحياة الكريمة للمواطنين مجرد أحلاما معلقة.

وفيق الهواري

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق