حين وقف الله على شرفة السماء

هاني كفوري
وقف الله على شرفة السماء يرتشف قهوته الصباحية ويلقي نظرة على حسن سير المعمورة وسلامة حركتها. سمع قصفاً مدفعياً وتظاهرات واحتجاجات في أنحاء شتى من العالم، وعاين قبوراً كثيرة تفتح وتتكاثر وتمتلئ وسط صمت مريب.

ثم رأى بنظره الثاقب اضطرابات في بلد صغير..
نادى أحد الملائكة وسأله عن هذا البلد، فأجاب الملاك أنه يدعى لبنان وهو يقع بالقرب من فلسطين حيث ولد وعاش السيّد المسيح… صمت الله برهة وهو يحدّق في الأرض ثم هزّ رأسه وقال: أجل، تذكّرت هذا البلد في عرس قانا، ولكن ما بال الناس يضطربون هناك؟

لم يأتِ الملاك بالجواب وعرض أن ينزل فيستطلع له الأمر. رفض الله وقرر النزول بنفسه لأنه اشتاق إلى ذكرياته في تلك البقعة من الأرض.
وها هو يهبط في ضاحية العاصمة الجنوبية، بعدما حدّد موقع الاضطرابات ترافقه جمهرة من الملائكة بثياب بشر..!
نظر إليه أهل الضفة الشمالية فقالوا هذا هو السيّد المسيح، وقد عاد ليخلصنا برفقة الملائكة والقديسين. ورآه سكان الضفة الجنوبية فقالوا هو الله برفقة النبي والأئمة طاب ذكرهم… وصاح صوت من المنطقة الغربية هؤلاء هم الخلفاء الراشدون أنفسهم…

وحاول سكان كلا الضفتين دعوته إلى منازلهم والقيام بواجب الضيافة، فقرعت له الأجراس وفتحت الكنائس وانطلقت أصوات الأذان من المساجد والحسينيات، وتجمهر الشعب يهتف دون أن يدري لمن الهتاف!…

نظر الله إلى الجموع الغارقة في الفوضى المستجدة، وحصل تدافع وتلاسن للاقتراب من الله. أما هو فلمح في زوايا كلي الضفتين، مجموعات صغيرة صامتة بلباس الكتبة والفريسيين، لا تبدي انفعالاً، فرفع يده لإسكات الجماهير وقال: “شكراً لكم يا جماعة أخجلتم تواضعي!”. ثم سألهم عن أحوالهم فقال بعضهم نريد خبزاً وآخر دواء وآخر كرامة. وقال واحد قريب من الجماعة المنعزلة نريد دولارات.

وتنوعت المطالب والله يستمع باهتمام ثم قاطعهم وقال: “أعرف معاناتكم وأشفق على مآلكم، ولهذا فإنني سأعطيكم وصفة إيمانية إيجابية المفاعيل عليكم جميعاً!. أصغى الجميع بعيون لامعة لمعرفة الوصفة، وساد السكون ولوحظ أن الجماعات في الزوايا استلت هواتفها، وراحت تتمتم بشفاهها وعيونها بخبث ودهاء من أجل التنسيق فيما بينها على كلي الضفتين.

قال الله: أحبوا بعضكم بعضاً وليكن وئام فيما بينكم فتزول الشدّة عنكم وتكتشفون أنكم قريبون من بعضكم أكثر مما تعتقدون. فتسجد المادة أمام محبتكم وتنالون خيراً في الدنيا والآخرة. ولتكن صلواتكم بحسب إيمانكم وأنا أتقبلها منكم جميعاً..

سادت البلبلة بين الجموع، وبانت الخيبة على الوجوه، وصاح أحد رواد الضفة الشمالية قائلاً: ما لنا ولهم يا رب، فهم غادرون يحبون الدماء ويتربصون بنا شراً ونحن نحب الحياة.. فردّ آخر من الضفة الجنوبية وصاح: “هم كفار لا يؤمن جانبهم، ميولهم غربية وفجورهم مستهجن.. وتسلّلت جماعات من منطقة ليست ببعيدة لتخبر الله عن فضائل وحكمة الخلفاء الراشدين في حمل لواء الدين بدلاً من أهل البيت.

واحتدم الجدال وتحركت المجموعات في الخلف فألقيت قنابل صوتية وتصاريح على كلي الضفتين، وظهر السلاح الفردي والأوشام المزمنة على الأكتاف والنفوس… وحاولوا التهجّم على الله حتى ظهرت ثلة من حرس السفارات أطلقت عيارات نارية في الهواء، فتراجع الجميع إلى الوراء وترك الله الخط الفاصل مبتسماً دون الإدلاء بأي تصريح!.
هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق