معلّمة خارقة ولكن..

هاني كفوري

كان يا ما كان في قديم الزمان بين البريطانيين والأميركان منذ الثورة الصناعية واكتشاف الكيان، واستعمار البلدان بالطوائف والألوان حتى الآن!…

يحكى أن زوجين كهلين كانا يقطنان في منطقة باردة يحيط بهما جيران يتربصون بهما شراً وحسدا لأنهما كانا سباقين إلى مزاولة الصناعة، وناجحين في إدارة مصنعهما وبيع البضائع في المناطق المجاورة.

وكانت سيرتهما الذاتية تثير إعجاب المعارف والأصدقاء، واشمئزازا مشوباً بالخوف في نفس الوقت بسبب الشكوك في مصادر ثروتهما، إذ كان يحكى همساً أنهما سرقا بيوتاً في القرى المجاورة ليكوّنا رأسمال أحسنا استثماره في عملهما.

وعندما أحسا ببدء تغلغل الضعف إلى قوتيهما، شعرا بالحاجة إلى أن يكون لهما ولدٌ يسندهما في مراحل الشيخوخة والوهن ويكمل مسيرتهما في مجال الأعمال.

وحبلت الزوجة بعد لأي وأنجبت طفلة فرح بها الوالدان وكرّسا وقتيهما لتربيتها إذ رأيا فيها السند المفقود.
وترعرعت الفتاة في كنف والديها، فكانت قوية البنية خارقة الذكاء لكنها كانت شرسة الأطباع تخفي شراستها بذكائها.

ولما استشعر والداها بذكائها قررا لها أن تتقدم في مجال العلوم والصناعة. وهكذا تفوّقت الفتاة على أترابها في دروسها واجتازت المراحل الجامعية بتفوق لافت. ولما نضجت كان الوالدان قد تقدّما في السن وصارت متابعة العمل في المصنع مصدر تعب وأوجاع لهما، بعدما احتدمت المنافسة مع مصانع جديدة أنشئت في المناطق المجاورة.

صارح الوالدان ابنتهما الوحيدة بما يجول في خاطرهما من أفكار للمستقبل، فقبلت استلام مصنع الوالدين وابتكار الأفكار لتوسيعه وإكمال مسيرة التقدم والازدهار فيه… لكنها عبّرت لهما عن رغبتها في مزاولة التدريس أيضاً فوافق الوالدان اقتراح ابنتهما شرط اهتمامها بالمصنع.

نجحت الإبنة في إدارة مصنع الوالدين وعملت على توسيعه وتحسين جودة منتجاته وعناصر التغليف والترويج بسرعة لافتة، فازداد الطلب على تلك المنتوجات وعمّت شهرتها في كل المناطق.

وتحقيقاً لأمنيتها، عملت الفتاة في التدريس في أرقى المدارس، حتى وصلت أن تكون المسؤولة عن الأقسام العلمية فيها وبلغت شهرتها كل البلاد، فصار الأهلون يتزاحمون لتعليم أولادهم عندها.

لكن الفتاة كانت تعاني من عقد نفسية نظراً لفارق العمر بينها وبين والديها الهرمين، فعانت كبتاً في المشاعر وفقداناً في التفاعل مع أترابها، حتى أنها كانت تخجل من ضخامة بنيتها الجسدية أمام رفيقاتها فحوّلت خجلها إلى كبرياء ترشقهن به كلما شعرت بالإحراج.

وأما الكبت فوجدت له سبيلاً لتنفيسه، إذ راحت تطلب من التلاميذ الصغار أن يتعرّوا أمامها لتشرح لهم أسرار تركيبة الجسم البشري.. بينما كانت في الحقيقة تتلذّذ برؤية الأجساد العارية وتأخذ لهم الصور خفية، لتبتزّ طلابها بالصور في اليوم التالي، وتطلب منهم المزيد من الشذوذ والكثير من الأموال.

أخفى الطلاب تلك الأفعال المشينة عن ذويهم خوفاً واحتراماً لذكاء معلمتهم.

وطال الحال على هذا المنوال، يساعده في ذلك نجاح التلاميذ في العلوم بنسبة عالية، وحكي أن والدا المعلمة وإدارة المدرسة علموا بما كانت تقوم به من شذوذ غير أنهم قرروا التغاضي عن الموضوع لنجاحها الباهر في الصناعة والتدريس.

وحدث في أحد الأيام أن افتضح أمر الفتاة إذ امتنعت منذ الصباح عن التدريس وراحت تتعرّى أمام طلابها بشكل هستيري أصابهم بالذهول والإرباك، وفقدت وقارها، ولاح للناظرين إليها انها ما عادت تتكئ سوى على قوتها الجسدية. وسمع في قاعة التدريس عندها غناء صاخب أشبه بالصراخ، وراحت تدعو طلابها ليتعرّوا ويرقصوا معها مستخدمة الإغراء المبتذل والتهديد بالقوة.

انكفأ الطلاب في زوايا القاعة لا يقدرون على الكلام وحضر مدير المدرسة فراح يلطم رأسه بيديه وأرسل بطلب والديها علّهما ينجحان في ردعها.. وسادت بلبلة وفوضى في أروقة المدرسة إلى أن سقطت المعلمة أرضاً في نوبة من الضحك والبكاء وغرزت أظافرها في وجهها وساعديها ونبشت شعرها حتى فقدت الوعي.
هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق