قطاع الخلوي بعد سلعاتا.. “من هالك لمالك”؟

أخباركم_ وفيق الهواري
أواخر نيسان الماضي، قرّر مجلس الوزراء استرداد القطاع الخلوي لحضن الدولة، والمتمثل بشركتي “ألفا” و”تاتش”، وبدأت بذلك مرحلة جديدة عنوانها إدارة الدولة لقطاع الخليوي، إلى حين إعداد دفتر شروط لإطلاق مناقصة عالمية شفافة لتشغيل القطاع. على الأقل هذا بحسب ما أعلن عنه مجلس الوزراء وأكده وزير الاتصالات طلال حواط، الذي قام بإبلاغ الشركتين بانتهاء عقدهما، وأنه بصدد استرداد إدارة القطاع لكنه لم يشكّل إدارات بديلة.

غير أن مسؤولَي الشركتين أوراسكوم  وزين، أبلغا الوزير بعد إبلاغهما بالقرار، أن بإمكانهما “الاستمرار في تسيير القطاع إلى حين إعداد دفتر الشروط، لكون ذلك يتطلب مزيداً من التعاون بين الوزارة والشركتين بما يؤمّن حسن سير العمل، خصوصاً في ما يتعلق بالتواقيع المطلوبة في العديد من الملفات التي تعنى بقطاع الخليوي، الأمر الذي يستلزم تعاون وزارة الاتصالات في هذا الشأن لتأمين الآلية الرسمية.

وعلى ما يبدو هذا ما حصل، حيث صرّح وزير الاتصالات منذ 4 أيام، أن “قطاع الخليوي يُدار اليوم من قبل الدولة والشركتين معًا، وفق ما يُعرف بـCombination، وهي فترة التسليم والتسلّم” والتي من المرجح أن تستمر حوالي 6 أشهر لحين إطلاق دفتر شروط جديد استناداً لقرار مجلس الوزراء.

المخاوف والآمال
لكن المخاوف تتزايد خصوصاً في ظل دولة مهترئة وإدارة فاسدة لا يمكن الوثوق بإدائها ولا بذمتها، وسط غياب المحاسبة وقانون استقلالية القضاء، والتجارب أمام اللبنانيين لا تزال ماثلة، خصوصاً مع الفضائح التي أثارها ملف الكهرباء والفيول المغشوش واستملاكات سلعاتا، وغيرها من الملفات الحبلى بالفضائح وشبهات الفساد والنهب والهدر، والتي كشفت عن ميل متجذّر للهدر في أوساط المسؤولين، بحيث يبدو الأمر وكأن مصالحهم الحزبية و حساباتهم الطائفية وتسويات المحاصصة والزبائنية في المقدمة قبل مصلحة لبنان وخزينته.

فهل سيخرج هذا القطاع من تحت “الدلفة” الى تحت “المزراب” بحسب المثل اللبناني الدارج؟ أم هل سيشهد تحولاً ما؟ أم سيخضع كالعادة لعملية المحاصصة، بعد التعديل في موازين القوى بين أطراف السلطة؟ 

في 31 كانون الأول 2019 انتهت مدة عقود إدارة القطاع ما بين وزارة الاتصالات والشركتين المشغّلتين، ولم تجدّد الوزارة العقود كما لم تبلّغ شركتي زين وأوراسكو انتهاء عملهما. كذلك لم تبادر وزارة الاتصالات إلى تشكيل مجلسي إدارة للشركتين حتى تاريخه.

محاصصة جديدة؟
اليوم، جرى تداول أسماء لإدارة الشركتين، في شركة تاتش برز اسم علي ياسين ليكون رئيس مجلس إدارتها وهو مسؤول الشباب والرياضة في حركة أمل. وطرح اسم شربل قرداحي ليكون عضواً في مجلس الإدارة وهو مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، وإلى جانبه حياة يوسف المحسوبة على اللقاء التشاوري أي مقربة من فيصل كرامي.

وفي شركة ألفا طُرح اسم رفيق حداد، وهو المسؤول المالي في التيار الوطني الحر كرئيس مجلس الإدارة والى جانبه ايلين كرم المقربة من جبران باسيل، وعماد حامد المقرب من جنبلاط كعضوي مجلس الإدارة.

من خلال الأسماء المطروحة، يمكن ملاحظة ان الأسماء المسيحية المطروحة هي من حصة التيار الوطني الحر، وجرى استبعاد القوى المسيحية الأخرى، وخصوصاً القوات اللبنانية. سنياً جرى استبعاد تيار المستقبل. ويمكن القول أن هذه الاقتراحات تعطي صورة عن التحالفات السلطوية الجديدة، وإستبعاد قوى سلطوية أخرى. وخصوصاً أن هذا القطاع يشكل ميداناً واسعاً للزبائنية السياسية.

كل المؤشرات تدل على أن هناك شيئاً مريباً في الأفق وغير مطمئن، خصوصاً إذا ما نظرنا الى المسار التاريخي للقطاع الخلوي وتلزيماته منذ بدايته.

تاريخ الخلوي في لبنان
عام 1993 أعلن الرئيس الراحل رفيق الحريري عن انطلاق مشروع الاستثمار في القطاع الخلوي والذي كان جديداً على المنطقة، وأطلق عملية الاستثمار أمام المواطنين والمستثمرين، قبل أن يتوفر الرأسمال الكافي لكل البنى التحتية اللازمة التي كانت تبنى لأول مرة في لبنان، ما كشف عن فضيحة آنذاك، سيما أن تلزيم القطاع تم وفق اتفاق بالتراضي  لشركتين: آل دلول “ليبانسيل”، وآل ميقاتي “سليس”،  تضمن عقد تشغيلي لمدة محددة.

لكن هذا القطاع كانت خدماته سيئة جداً، تغطية ضعيفة جداً بمقابل أغلى سعر فاتورة _والتي لا تزال حتى الآن الأغلى_  وحامت حول الشركتين شبهات الهدر وبالتالي خسارة الدولة للكثير من المداخيل، عندها عمد الرئيسان اميل لحود ورفيق الحريري الى استرجاع الشركتين من القطاع الخاص الذي استفاد من مبالغ طائلة أخذها من المواطنين لقاء اشتراكهم في شبكة الخليوي لدى تأسيسه. كما رفع الرئيس نجيب ميقاتي، الذي كان يملك 33 % من شركة “سيليس”، دعوى ضد الدولة بسبب استرجاع القطاع، وربحها وحصل على مبالغ مالية طائلة.

بعد ذلك أنشأت الدولة شركتين تجاريتين تحت اسم MIC1 و MIC2 وسجلت فيهما جميع أصول الشركات السابقة باستثناء الموظفين. ثم وضعت دفتر شروط لإدارة هذا القطاع. فازت شركة زين لصاحبها الكويتي الخرافي بإدارة شركة “تاتش”، فيما فازت شركة ألمانية لإدارة شركة “ألفا”. وعندما عيّن جبران باسيل وزيرا ًللاتصالات أعطيت إدارة هذه الشركة إلى أوراسكو الذي يملكها المصري سواريوس.

وكانت عقود الشركتين تشهد تعديلاً عند انتهاء فترة كل إدارة، حسب سياسة الوزير في كل فترة .لكن البند الأساسي الذي لم يشهد تعديلاً هو أن الشركة تدير القطاع مقابل بدل مالي يشمل كل المصاريف. فيما عمدت كل من الشركتين “زين” و”أوراسكو” وعند توقيعهما العقود لأول مرة، لإنشاء شركة خاصة تؤمن الموارد البشرية للعمل في القطاع الخليوي.

لكن هذه العقود شهدت تعديلاً جوهرياً عند تعيين نقولا الصحناوي وزيراً للإتصالات الذي أعطى كل شركة بدلاً مالياً للإدارة، وصارت الوزارة هي المسؤولة عن جميع المصاريف الأخرى بما فيه الموظفين والاستثمارات الجديدة،ما جعل التوظيف ذو استخدام سياسي من دون الاعتبار للحاجة الفعلية او الكفاءة المطلوبة.
وهنا تكشف “قطبة” أخرى مخفية، بعد انتهاء عقود الشركتين، ماذا عن الموظفين؟ ماذا سيحصل للشركتين اللتين تم تأسيسهما لتأمين الموظفين؟.

يقول أحد المتابعين لهذا الملف: يمكن نقل الموظفين إلى شركتي MIC1 و MIC2 المملوكتين من الدولة والتوظيف فيهما لا يخضع لمجلس الخدمة المدنية. أو إدخالهم القطاع العام ولكن هذا الخيار يواجه مشكلات قانونية.
لكن السؤال يبقى مطروحاً الى حين التوصل الى الاتفاق نهائياً على الأسماء المطروحة لمجلسي الإدارتين، هل يمكن أن تستمر المرحلة الانتقالية لأكثر من ستة أشهر كما صرّح الوزير، أم أن التمديد سيكون خياراً؟ وهل سيفي حسان دياب بوعوده التي أعلن عنها أكثر من مرة، بأن أي تعيين في إدارات الدولة سوف يكون معياره الكفاءة ونظافة الكف، أم أن ذلك مجرّد كلام للاستهلاك الاعلامي، وأنه سيرضخ للضغوطات وخصوصاً من الوزير السابق رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، الذي لا يريد لهذا القطاع أن يخرج من بين يدي التيار؟ وهل سيدفع ذلك دياب لدخول حرم التسويات والمحاصصات السياسية، بدلاً من إخراج الآخرين منها منعاً من تفجير الحكومة؟

 هذه الأسئلة تبدو مشروعة بعد المسار الذي سلكه ملف إنشاء معمل سلعاتا واستملاكاته، حيث رضخ دياب لضغوط التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية وأعاد النظر بقرار مجلس الوزراء نزولاً عند رغبتهم، علماً أن ذلك سوف يكلف الخزينة الفارغة نحو مليار ليرة، في حين يجب أن تعطى الأولوية للمعملين الآخرين في الزهراني ودير عمار، حيث أن البنى التحتية والتجيزات الأساسية متوفرة.

كل المؤشرات حتى الآن تدل على أن هذا القطاع من هالك لمالك لقبّاض الأرواح سائر، وحدها ثورة  شعب بمعناها الحقيقي  هي التي يمكن تسقط كل هذه المنظومة الفاسدة والقائمة على محاصصة خيرات البلاد.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق