القطاع التربوي يدق ناقوس الخطر: خطة طارئة يحتاجها لبنان لتأمين النقص بالمدارس

وفيق الهواري_ أخباركم

بعد الانتخابات النيابية عام 2018، بدأ الانهيار المالي والاقتصادي بالتسارع ليشمل كل الطبقات الاجتماعية، وهذا ما دفع المواطنين بالنزول إلى الشارع  احتجاجاً على أوضاعهم المتردّية وبهدف تغيير النهج السائد الذي أدى الى تراكم الأزمات، وإفقار الكثير منهم.

 وأتى فيروس كورونا ليسارع في وقف العجلة الاقتصادية، ورمي الآلاف من العمال والموظفين إلى الشارع، بعد أن توقفت أعمالهم وصاروا عاطلين من العمل. هذا يعني نزوح الآلاف من التلامذة إلى المدارس الرسمية وتوقف عدد كبير من المدارس الخاصة عن العمل.

ويتوقع متابعون لقطاع التعليم في لبنان، أن نحو 100 الف تلميذ سينتقل من القطاع الخاص إلى القطاع العام، في السنة الدراسية المقبلة، وسط غياب بالحديث لدى المسؤولين عن كيفية معالجة هذه المشكلة.

وفي جلسته الأخيرة، وافق مجلس النواب اللبناني على اقتراح رئيسة لجنة التربية النيابية النائبة بهية الحريري القاضي بتخصيص مبلغ 300 مليار ل.ل. لدعم التعليم الخاص ومساعدته لمواجهة أزمة كورونا وما نتج عنها. لكن أحد من النواب لم يناقش أو يقترح شيئاً لتحسين وضع القطاع التعليمي الرسمي العام.

فالتعليم الرسمي لم يكن على رأس أولويات السلطة اللبنانية منذ تأسيس الكيان عام 1920. الأولوية كانت للقطاع الخاص والمؤسسات الطائفية. لكن الحركة الشعبية اللبنانية استطاعت فرض التعليم الرسمي وتطويره خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حتى صار القطاع الرسمي الثانوي هو الأفضل في لبنان.

الحروب الأهلية أعادت الوضع إلى الوراء، وبعد اتفاق الطائف أنشأ أمراء الحرب وأركان المحاصصة الطائفية مؤسساتهم التعليمية الخاصة على حساب التعليم الرسمي. لذلك يمكن القول إن عام 1990 عام انتهاء الفترة الذهبية للتعليم الرسمي.

وبحسب آخر إحصاءات صدرت عن وزارة التربية، فإن عدد التلامذة في مدارس التعليم الرسمي بلغ العام الحالي 327,951 تلميذاً من أصل 1,0654,90 تلميذاً في العام 2017. اي تراجع ما نسبته 30%.

وبلغ عدد المدارس الرسمية 1696 مدرسة من اصل 3871 مدرسة في لبنان أي تراجع بما نسبته
43.8 %.

أما عدد العاملين في القطاع التعليمي الرسمي فقد بلغ 58,766 معلماً في الملاك و 41546 معلماً متعاقداً.
في محافظة الجنوب، التي تضم أقضية صيدا، صور، وجزين، بلغ عدد التلامذة في المدارس الرسمية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة 28,335 تلميذاً عام 2011. ارتفع هذا العدد إلى 38,162 تلميذاً عام 2019،
ليعود ويرتفع إلى 51,261 تلميذاً عام 2020. أي أن المدارس الرسمية شهدت زيادة بلغت نحو 80% خلال عشر أعوام. إلا أن الزيادة الملحوظة هي خلال العامين الدراسيين الأخيرين إذ بلغت الزيادة 13,099 تلميذاً أي ما نسبته 34.3%.

في المرحلة الثانوية، الوضع يختلف، إذ بلغ عدد التلاميذ في ثانويات قضاء صيدا 5403 تلامذة عام 2011. في حين أن عددهم بلغ 5637 تلامذة عام 2020، وذلك في 14 ثانوية في القضاء. منها أربع ثانويات في مدينة صيدا والباقي في بلدات القضاء. وبلغ عدد التلاميذ في ثانويات مدينة صيدا 2383 تلميذا عام 2011. ليرتفع العدد إلى 2519 تلميذا عام 2020. ويشكل تلامذة ثانويات صيدا نحو 44% من تلامذة ثانويات القضاء.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع المدارس الرسمية استقبال المزيد من التلامذة في العام الدراسي القادم؟
لنأخذ مدينة صيدا مثالاً للنقاش. إنها مدينة يعيش فيها أكثر من 200 ألف شخص، وفيها تنوع اجتماعي ومدارس خاصة ومدارس عامة.
ففيها تسع مدارس رسمية للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وأربع مدارس ثانوية رسمية.

كان عدد التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة 3358 تلميذاً عام 2011، ارتفع العدد إلى 5174 تلميذاً عام 2019، وإلى 6067 تلميذاً عام 2020. أي أن عدد التلامذة ارتفع بنسبة 80% خلال عشر أعوام وبنسبة 17% خلال العام الحالي.


إذن ما العمل؟ كيف سيتم تغطية النقص؟
يجيب رئيس الدائرة التربوية في الجنوب باسم عباس على أخباركم : “نعم نحن بحاجة إلى مدرستين في المدينة كي نواجه ما هو متوقعاً من تدفق مزيد من التلامذة في العام الدراسي القادم، ولكن لا نعرف حجم إمكانيات الوزارة في تأمين ذلك، بالإضافة إلى التعاقد مع معلمين وتجهيزات أخرى”.

لدى التدقيق بأوضاع المدارس نصل إلى هذه النتائج، في المدرسة العمانية النموذجية حيث تستطيع استيعاب 950 تلميذاً كحد أقصى، لكن عدد تلامذتها هذا العام وصل إلى 1489 تلميذاً، أي أكثر من القدرة الاستيعابية القصوى. وفي صفوف الروضات يصل عدد الأطفال إلى 35 طفلاً في الصف الواحد، وهذا يعني أن المدرسة لا تستطيع استقبال أي تلميذ إضافي في العام المقبل. ويتشابه وضع متوسطة الشهيد معروف سعد مع وضع المدرسة العمانية إذ تستقبل 1122 تلميذاً هذا العام.

أما المدرسة اللبنانية الكويتية فإنها بالكاد استقبلت هذا العام 962 تلميذاً. وتتشابه أوضاع باقي المدارس بهذا الوضع المكتظّ بالتلامذة. إلا أن مدرسة الإصلاح الثانية المختلطة التي استقبلت هذا العام 289 تلميذاً، فإنها تستطيع استقبال المزيد ليصل عدد التلامذة إلى نحو 450 تلميذاً حسب رأي إحدى المعلمات، كذلك فإن المدرسة الابتدائية في عين الحلوة التي استقبلت هذا العام 202 تلميذا، ما زال لديها 10 غرف مجهزة لاستقبال تلامذة أي نحو 250 تلميذاً جديداً، لكن هذه المدرسة تواجه مشكلة موقعها الجغرافي الملاصق لمخيم عين الحلوة.

وتطرح إحدى المديريات تصوراً لحلول استثنائية للعام القادم من خلال توجيه الأهالي المقيمين في ضواحي المدينة لإلحاق أبنائهم بمدارس البلدات الملاصقة لصيدا مثل مدارس المية ومية، درب السيم وعبرا، وهي يمكنها استقبال المزيد من التلاميذ.

كذلك تفترض إحدى المعلمات أن يكون هناك إشرافاً ومتابعة من قبل الدائرة التربوية، بالإضافة لرفع يد السياسيين عن التدخل بشؤون المدارس وإداراتها.

أما في المرحلة الثانوية، هناك أربع مدارس تضم 2519 تلميذاً، أي ما نسبته 44.6% من تلامذة الثانويات في قضاء صيدا بأكمله.

ثانوية نزيه البزري تتسع الى نحو 900 تلميذا لكنها تستقبل 1213 تلميذا هذا العام واضطرت الإدارة إلى تحويل بعض الغرف إلى غرفتين لاستيعاب التلامذة. كما عدلت الدوام كي تكون هناك استراحة للمرحلة المتوسطة واخرى للمرحلة الثانوية.وبالتالي من المستحيل استقبال المزيد من التلامذة.

من جهة أخرى شهدت ثانوية حكمت الصباغ تناقصاً بعدد التلامذة بسبب التحاق بعض التلميذات بثانويتي حارة صيدا والغازية. وثانوية الصباغ قادرة على استقبال المزيد من التلميذات لكنها تعاني نقصاً في الجهاز الإداري. ويشبه وضعها وضع ثانوية ثريا فارس.

أما ثانوية مصطفى الزعتري فوضعها مختلف تماماً. عدد تلامذتها هذا العام 331 تلميذاً. لكنها قادرة على استيعاب نحو ألف تلميذ حسب ما صرّحت لنا مديرتها زهرة عزام، شرط تأمين الجهاز التعليمي المتخصص. لكنها تقول أن النقص الحاصل بعدد التلاميذ يعود إلى الموقع الجغرافي للثانوية لقربه من مخيم عين الحلوة.

وتطرح إحدى المعلمات حلاً يقضي بتحويل الثانويات إلى مختلطة ما يؤمن مزيداً من القدرة على الاستيعاب.

مشكلات المدارس الرسمية في صيدا لا تقتصر على تأمين المقاعد الدراسية فحسب، هناك نقص بالجهاز الإداري والحواسيب وأوضاع المتعاقدين وهي أوضاع جديرة بالاهتمام. ولكن هناك مشكلة مشتركة بين جميع المدارس وهي غياب المرشدين النفسيين والاجتماعيين. ولدى مراجعة الوزارة بهذا الخصوص فإنها ترفض تعيين اختصاصيين أو التعاقد مع بعضهم وترسل أحدهم من الوزارة مرة شهريا وهذا غير كاف حسب ما قال معظم المهتمين بالأمر. 

وعلق الناشط المدني الصيداوي عبد الرزاق حمود على الوضع التعليمي قائلاً:
“لقد نخر فساد هذه المنظومة الحاكمة جسد الدّولة، ولم تسلم منه المدارس والجامعات الوطنيّة منها والخاصّة. فمع بدء جائحة كورونا، بدأ التّخبّط في العمل التّربويّ، وراحت معه معاناة المعلّمين والمعلّمات والأهل التلامذة تتفاقم إلى حدًّ لا يسكت عنه.

لذلك أرى أهمّيّة التّهيّؤ للعام القادم بكلّ تحدّياته الصّحّيّة والمعيشيّة والتّربويّة والضّغط لتجهيز المدارس الحكوميّة بهدف استيعاب أعداد الطّلّاب المتزايدة.
كذلك فتح باب التّوظيف وتثبيت المعلّمين/ات المتعاقدين/ات والمستعان بهم/هنّ في ملاك الدّولة، لما في ذلك من مصلحة التلامذة الّذين/اللّواتي سيكون عددهم/هنّ هائلًا في العام الدّراسيّ القادم.، واؤكّد على أنّه لن يكون هناك أيّ تهاون في دعم معلّمي/ات التّعاقد ولن نقبل أن يكونوا/كنّ دومًا كبش محرقة لفساد الوزارة الّتي يتقاضى بعض موظّفيها/موظّفاتها المحسوبين/ات على أحزاب السلطة.”

وأضاف: ” كما أدعو إلى التّنسيق بين المجموعات التّربويّة الّتي تضمّ ممثّلين/ات عن المعلّمين/ات والطّلّاب وأولياء الأمور والنّقابيّين والتّربويّين في المدارس والجامعات الخاصّة والرّسميّة، بهدف تصعيد التّحرّكات على الأرض والعمل على تحقيق نظام تربويّ تشاركيّ بديل وفق اسس التعليم الديموقراطي والأخلاقي.”

وختم حمود داعياً بلدية صيدا ومنظمات المجتمع المدني وقواه الاجتماعية للتحرك وتأمين مستلزمات العام القادم.
أمام هذا الواقع الذي يؤشر إلى أزمة حقيقية قد تواجهها المدرسة الرسمية، سيدفع ثمنها المواطن اللبناني في هذا الظرف الصعب، هل تبادر فعاليات المدينة لطرح الحلول المناسبة، أو لوضع خطة طوارىء عاجلة قبل بدء العام القادم؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق