هذا الكائن الخفيّ الفتّاك هل يبيد العالم؟

بقلم يسرى نعمة
 
يا لعظمة هذا الفيروس القاتل غير المرئي، أمام الصواريخ وكافة الأسلحة التقليدية التي اخترعها العالم، ويا لعجز البشر أمامه!

من كان ليصدّق أن أفلام الخيال والرعب العلمي مثل فيلم (بعد 28 يوما) أو ( I am the Legend) وغيرها من أفلام اندثار البشرية بفعل “فيروس” ، سيأتي يوم ونرى مشاهداً حقيقية منها في عالمنا الواقعي؟

كائن حيوي صغيرغيرمرئي، قاتل فتّاك، بات يتحكّم بأسلوب حياة الملايين على هذا الكوكب، كائن مجهري يمكنه الانتقال بدون جواز سفر، ويجتاز الحدود بدون أن يُرى، يعبر القارات، يخترق المراكز والمسميات الوظيفية ويتخطى الوزراء والرؤساء دون أن يُرى!،  يختار ضحيته وزيراً كان أم سفيراً ام شيخاً أم شاباً او صغيراً كان أم فقيراً، امرأة أم رجل!

رسالته الانتشار وبثّ الرعب والذعر في أوساطه، فمن يعرفه ويعلم كيف ينتشر قد يحظى بفرصة أن يغلبه، أما من يجهله وليس لديه ثقافة حول طريقة انتشاره وانتقاله، وكيفية ظهور عوارضه واستفحاله، فهو أول ضحاياه المحتملين!
فلا ينفع معه لا الاستسهال ولا الاستهتار ولا التجاهل ولا التباطوء ولا التبسيط ولا التسطيح ولا الإغفال، ولا “السبحانية” في التعاطي، هو خارج هذه المعايير كلها. فإذا أدركته قبل أن يدركك سوف تكون من الأوائل الناجين، فيما عدا ذلك، فلا أحد يعلم بالنتائج غير رب العالمين، والمعجزات ولّى زمنها، وحده الله القادر عليها.

إنه البلاء والابتلاء، إنه المرَض والكَرَب والوجَع والألم والخوف والقلق، إنه الكائن الخفيّ الذي انتقل بدون وسائل تنقل تقليدية، دون أن يُحمل في حقيبة أو صندوق أو مغلّف، أو مقعد على طائرة أو مترو، وسيلته ليست سوى النَفَس واللمس، والتقرّب من حامله، فقط لأن هناك أشخاص تم اختيارهم ليكونوا صلة اتصال ووصل ونقل.
إنه الفيروس الخفيّ الفتّاك فعل ما لا يمكن أي سلاح تقليدي أن يفعله أو أي حرب تقليدية أن تحققه،،، لا تعرف وجهته كما من أين يأتي لكي تتّـقي منه!

ما فوق الـ 83 ألف إصاباته من كل أصقاع الأرض، والعدّاد مستمر، أما ضحاياه الذين حصدهم حتى الآن فقد فاقوا الـ 2810 شخصاً،، والعداد أيضاً مستمر. وكل ذلك خلال شهر ونصف!

أما اقتصادات العالم فقد سجّلت حتى الآن أعظم الخسائر، تفوق الـ 300 مليار دولار بحسب إحصاءات أولية، وحدها الصين مصنع العالم، تكبّدت حوالي 144 مليار دولار حتى الآن، بسبب إقفال مصانعها ووقف رحلات الطيران والحركة السياحية، فيما خسرت الشركات العابرة للقارات في العالم ما يفوق الـ 130 مليار دولار في أسواق الأسهم.  كذلك أسواق النفط التي هوَت في تراجع للطلب لم تشهده الأسواق العالمية منذ 2009، بعد أن انخفضت أسعار البرميل الى ما دون 55 دولاراً، في أدنى سعر لها منذ عام.

 إيطاليا التي تلقّى اقتصادها أول صفعة بسبب تضرّرها من إقفال مصانعها بالصين، تماماً كما حصل مع كبرى الشركات العالمية الأخرى، فقد أضيف على أضرارها مليارات الدولارات خلال 10 أيام فقط، بسبب إقامتها لأكبر عملية حجر سكاني وعزل لمدنها بعد الصين، وتعطّل اقتصادها بشكل صادم،، يعجز الخبراء حتى الآن تقدير الخسائر اليومية لها، بسبب هذا الحجر، بعد وقف حركة الطيران والسفريات والمواصلات وتعليق المعارض والمؤتمرات والكرنفالات، وإلغاء أكثر من 50 الف حجز فندقي الخ، فرنسا وألمانيا ايضاً بدأتا تسجلان تلك الخسائر بعد الصين وايطاليا وكوريا الجنوبية وايران،، وغيرها.

الخبراء تائهون ما بين تقييم الفيروس ومخاطره على البشرية وما بين تحديد مصدره، وما بين دراسة الدواء والمصل الذي يمكن أن يضع حداً قاصماً له،، ومابين كل هذا، الوقت يداهم الإنسان في أمنه واستقراره واقتصاده وديمومته، فقد بدأت الدراسات والإحصاءات تجري لمعرفة حجم  تأثيرات هذا الكائن الفتّاك على الاقتصادات العالمية ونسب النمو وحجم الديون، وسط توقعات أولية من البنك الدولي أن يتراجع النمو الى 1%، فيما تبخّرت ثروات ضخمة من العملات الورقية بسبب هبوط أسواق الأسهم العالمية.

وسط كل ذلك يظهر بعض المتابعين ممن يرون في كل ذلك ما يشبه الاقتصاص من حكومات وأرباب هذا النظام الاقتصادي العالمي المتوحش القائم على تراكم الثروات بأيدي الكبار، وأدوات التوريق والأوراق وانسياب المال والموارد والأرزاق، الذي فتك بالفقراء، فيما تأتي كورونا لتفتك بالأثرياء فيه وبمصالحهم في ضربة موجعة للاقتصادات في العالم ليست كمثل الذي حدث عام 2008 ولا 1929.

ولا يزال هناك مسؤول بيننا يقول لنا، احجروا على أنفسكم في المنازل مع أولادكم وأهلكم،، حتى لو قدمتم من أماكن موبوءة، فليس لديكم عوارض مرض، وليس لدينا إمكانيات للحجرعليكم في مستشفى أو حتى مبنى حكومي، ولا يمكننا أن نقطع  طريق السفر مع جيراننا،، حتى لو كانت بلادهم موبوءة!.
إحمنا يا رب وارحمنا من هؤلاء ومن الكورونا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق