فيلتمان: تخفيف العلاقات مع لبنان سيخدم حزب الله والانهيار سيجعله يقبل بشروط الصندوق الدولي

ستجد الحكومة الجديدة مهاجمة الأعداء السياسيين أسهل من إنشاء نظام أكثر استدامة

كتب مساعد وزيرة الخارجية السابقة لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان على “موقع بروكنغز”Brookings  الأميركي للأبحاث، مقالاً أمس حول لبنان تحت عنوان: ماذا يُتوقع من حكومة لبنان؟ قال فيها ان هذه الحكومة الموالية لسوريا وحزب الله تواجه مشكلة لأن القوى التي تدير دفة الحكومة الجديدة ترحب بفرصة إطلاق العنان لسلطة الدولة ضد أخصامهم السياسيين الموالين للغرب.

ورأى فيلتمان أن المتظاهرين الغاضبين والمواطنين المناهضين للأحزاب يتطلعون كخطوة أولى أن تقوم الحكومة بحملة متشدّدة لمكافحة الفساد، ولهذا توقع فيلتمان أن تقوم هذه الحكومة بحملة مكافحة فساد بهدف نيلها دعماً شعبوياً، وبالوقت نفسه سيكون هدفها التغطية على حملة بشعة ضد المعارضين،، بحيث ستكون أجندة الحكومة الجديدة بشأن مكافحة الفساد انتقائية، أو عبارة عن عقوبة ثأرية ضد الشخصيات السياسية المعارضة والمناهضة لسوريا ولحزب الله، أو لتلك التي لديها نظرة بديلة عن رؤية عون-حزب الله-سوريا المناهضة للغرب.

ويرى فيلتمان أنه “سيتمّ استهداف رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري ورئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة والزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحلفائهم. وسيتمّ غضّ النظرعن وزيرالخارجية السابق جبران باسيل وأصدقائه ورئيس مجلس النواب نبيه برّي وغيرهم من المرتبطين بمحورعون-حزب الله-سوريا، الذين ينبغي التحقيق في فسادهم بالقدر ذاته. فلن ينظر أحد بجدّية في صفقات الكهرباء والوقود المشبوهة التي أجرى المفاوضات بشأنها وزراءُ من حزب التيار الوطني الحرّ التابع لباسيل وعون. ولن يُرغَم حزب الله على تسديد الضرائب لقاء أعماله الاقتصادية الواسعة أو فتحِ دفاتره بشأن نظام الاتصالات السرّي الذي يشغّله أو بشأن عمليّات التهريب التي يجريها”.

وتابع:”لقد كشف باسيل من جهته، عن جهله بكيفية القيام بإجراءات حقيقية لمكافحة الفساد خلال مقابلته مع هادلي غامبل محاورة محطّة سي أن بي سي CNBC  أثناء انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الاسبوع الماضي، فبعد أن أصرّت غامبل، على باسيل لمعرفة الطريقة التي غطّى فيها وزيرسابق في دولة مُفلسة، تكاليف السفر بطائرة خاصّة إلى دافوس، لجأ إلى عدّة تفسيرات إلى أن تمتم في النهاية كلاماً عن أصدقاء كرماء مجهولي الهوية. وفيما بدت علامات الارتباك واضحة عليه، تمازحت غامبل ووزيرة التجارة الخارجية والتنمية الهولندية سيغريد كاغ (التي عملت قبلاً في منصب منسّق الأمم المتحدة الخاص للبنان)، كيف أنّ رؤساءهم لا يسمحون بالحصول على أصدقاء مجهولي الهوية كهؤلاء. “

في مكان آخر على الأجندة

وفي ملف النازحين قال فيلتمان: “ينبغي علينا أيضاً أن نتوقّع عودة المساعي من الحكومة الجديدة لطرد اللاجئين السوريين، في تحدٍّ للمعاييرالدولية للعودة الآمنة والطوعية والكريمة. فبعد أزمة لبنان الاقتصادية، عاد بعض السوريين بالفعل إلى سوريا، وسيرحّب معظم اللبنانيين (الذين لم ينسوا أنّ الفلسطينيين الذين فرّوا إلى لبنان عند تأسيس دولة إسرائيل في العام 1948 بقوا فيه) بتسريع لعمليات العودة، سواء تماشى هذا التسريع مع المعايير الدولية أم لا. ولا شكّ في أنّ دمشق سترحّب بالحكومة الجديدة باعتبارها ذات “لون واحد” والموالية لدمشق منذ أيّام حكومة عمر كرامي المشؤومة التي تشكّلت في أواخر العام 2004 وأوائل العام 2005 “.

دور واشنطن

ويسأل فيلتمان:” لكن هل ينبغي على الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات حتّى محاولة العمل مع حكومة لا تدّعي أنّها تمثّل كلّ الجهات في الطيف السياسي اللبناني المنقسم؟”
يجيب فيلتمان:” لا يبدو أنّ لدى واشنطن مشكلةً في التعامل مع وزيرالخارجية المُستقيل جبران باسيل، على الرغم من دوره كمهندس لتفاهم فبراير 2006 الذي أمّن التحالف بين حزب عَمّه ذي القاعدة المسيحية وحزب الله. فما من شخص آخر تقع على عاتقه المسؤولية بالقدرالذي تقع فيه على باسيل لتوسيع نفوذ حزب الله السياسي والشرعي إلى ما هو أبعد من الكوتا الشيعية الدستورية الضيّقة المسموح بها بموجب التقسيمات المذهبية التي رسّخها الطائف. بيد أنّ الولايات المتّحدة حافظت على ارتباطاتها بلبنان حتّى في غضون عملية التوسّع التي قامت بها منظّمة “إرهابية” والتي كان باسيل وسيطَها لأنّ للولايات المتّحدة مصالحَ في لبنان تفرض عليها هذا الارتباط للحماية والتعزيز. ويبقى هذا الواقع سارياً اليوم، مهما كانت القوى التي تقف خلف الحكومة الجديدة بغيضةً.

التخفيض من مستوى العلاقات الأميركية مع لبنان سيخدم مصالح حزب الله

لذا، يتابع فيلتمان:” سيخدم التخفيض من مستوى العلاقات الأمريكية مع لبنان مصالح حزب الله ودمشق الهادفة  الى طرد الولايات المتحدة من لبنان وملء روسيا وإيران وسوريا الفراغَ الناتج. ويريد محور عون-حزب الله-سوريا أن تنتهي شراكة الولايات المتحدة مع الجيش اللبناني، لأنّ تعزيز قدرات الجيش، والمرتبطة بالتدريبات والمساعدات الأمريكية، هي الأداة الأكثر فعالية لتقويض خطاب حزب الله المشؤوم حول حماية لبنان بصواريخ إيرانية، هي في الواقع تضع لبنان في دائرة الخطر. وتتراوح مصالح الولايات المتحدة في لبنان من عدم الرغبة في رؤية الروسيين يتحكّمون بثلاثة موانئ شرق المتوسّط إلى مكافحة الإرهاب والهدروكربون وغيرهما.”

لكن فيلتمان رأى أن الأميركيين يجب أن ينافسوا الدول الأخرى في لبنان من أجل حماية مصالحهم فيه، وعليه يجب أن لا يدعوا “رؤية عون-حزب الله-سوريا للبنان سهلة التنفيذ”، معتبراً ان الشعب اللبناني إجمالاً يفضّل التوجه الغربي لا السوري الإيراني. وقال:” نحن نتعامل مع الكثير من أمراء الحرب في أفغانستان وغيرها من الدول، وعلينا أن نبقى لكي نُنافس لحماية مصالحنا والردّ على الجهات التي ستضرّها، على الرغم من صعوبة تحقيق ذلك في بلد مُعقّد ومُقسّم كلبنان. في المقابل، إذا استسلمنا بشكل وقائي سيلجأ اللبنانيون، رغم إدراكهم لنقاط ضعف بلادهم، إلى أيّ قوة يعتقدون أنّها قادرة على حمايتهم، ولا يمكننا لومهم عندئذ” .

ويرى فيلتمان أن الأزمة الاقتصادية والمالية الحادّة في لبنان تعطي الأميركيين نفوذاً للعمل. “فحتّى لو اعتقد حزب الله أنّه من الممكن الانتظار لمرور الأزمة (والصبر لخروجنا من المعادلة)، ستشعر الحكومة الجديدة بأنّها مرغمة على الاستجابة للاحتجاج الشعبي، وسوف يحضّر المصرفيون والاقتصاديون نفسهم لانكماش اقتصادي يضاهي الانكماش اليوناني هذه السنة، أي بنسبة 25 في المئة أو أكثر، لكن بدون مقدرة داخلية على التحمل، ومع غياب الشراكات (الأوروبية) الخارجية اللتين اتّسمت بهما اليونان. ومن المتوقّع أن ترتفع البطالة إلى 50 في المئة، علماً أن نسبتها الحالية 25 في المئة أصلاً. وينبغي أن تتضمّن أيُّ ائتمانات مقترحة للحدّ من الانهيار أو برامجُ انتعاش يطرحها صندوق النقد الدولي مستوى من المراقبة والتقرير، رغم أن لبنان رفَضَها حتّى الآن، لكنّه لن يحظى بأيّ خيار سوى القبول بها كشرط لأي مساعدة قد تأتي صوبه.”
يضيف فيلتمان انه و”كما حصل في العام 2005، عندما دفعت التظاهرات الداخلية والضغوط الخارجية سوريا الى انسحاب جيشها، فلدى التظاهرات والاحتجاجات الحالية القدرة على التأثير بشكل بنّاء في تصرفات هذه الحكومة، بالإضافة للضغط الخارجي الصارم عليها لتنفيذ مطالبهم، حتّى لو كانت غير واعدة على الإطلاق. وفي حال كان عمر هذه الحكومة المبغوضة مُختصراً، كما يتوقّع الكثيرون أو يأملون، ستواجه لائحةٌ محسّنة من الوزراء التحديات ذاتها. إشارة هنا انه لم تتداعَ الحكومة اللبنانية مع استقالة سعد الحريري في نوفمبر. فمن ناحية الخدمات والتقديمات الاجتماعية وحماية المصالح الوطنية، انهارت الحكومة اللبنانية (باستثناء بعض المؤسسات، مثل الجيش اللبناني) منذ سنوات، إن لم يكن منذ عقود.”

استمرار السياسة كالمعتاد

ويتابع فيلتمان:”من المفارقات في الأزمة الراهنة أنّ ميشال عون، بصفته رئيساً وجبران باسيل بصفته رئيس أكبر كتلة نيابية، سيشهدان على ما سيصبح على الأرجح أكبر موجة هجرة للبنانيين المسيحيين منذ الحرب الأهلية. رغم أن عون وباسيل كلاهما يعتبران ان حماية المسيحيين في الشرق الأوسط هو مشروعهما الأساسي، والدافع لسياساتهم المشكوك فيها التي تعتمد مبدأَ الغاية تبرّر الوسيلة. وبالفعل لقد برّر باسيل، الذي رأى حزب الله عنصراً أساسياً لطموحاته وطموحات عمّه السياسية، علناً تحالفه مع حزب الله على أساس المخاوف المسيحية. وعلماً أنّ الشيعة أقلّية أيضاً، لكنّها أقلية جيّدة التسليح في لبنان، ادّعى بأنّ المسيحيين بحاجة إلى العثورعلى حليف قوي في وجه الإرهاب السنّي وفي وجه موجة ديمغرافية سنّية زاد من حدّتها اللاجئون الفلسطينيون والسوريون الذين سعوا للاحتماء في لبنان”.

بيد أنّ هذا التسييس الاعتيادي والمرهِق لن يحلّ ويلات لبنان. يتابع فيلتمان،” ففي الوقت الراهن، ستستمرّ معاناة المواطن اللبناني العادي في ظلّ نظام لطالما عُرف بأنّه مختلّ وظيفياً لكنّه بات الآن في حال تدهور فتّاك. لقد نضبت قدرة الاقتصاد اللبناني الغريبة على تحدّي السقوط، والانهيارُ جارٍعلى قدم وساق. لسوء الحظ، ستجد الحكومة اللبنانية الجديدة أنّ مهاجمة الأعداء السياسيين أسهل من إنشاء نظام أكثر استدامة وتمثيلاً يسمح للبنانيين بالازدهار في موطنهم كما فعلوا في الكثير من الدول في المهجر.

عن موقع Brookings
إعداد أخباركم

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق