تونس الثورة: لم نواجه الحقيقة عراة وهربنا منها_ بقلم حمادي خليفي

لا أعتبر ما أكتبه هنا تحليلا سياسياً، أو بحثاً اجتماعياً، بل رأي أو خواطر لا تخضع لـ “ميكانزمات” التحليل، ولا للنقد العلمي الممنهج، لذا أكتب ومن موقعي كشاهد ومتعايش للأحداث التي رافقت الثورة.
الثورة، باعتبارها فعلاً أدبياً جماعياً، هي مقابل للفعل الأدبي الفردي ( الأخلاق) ، أي أنه تمثّل مادي يقوم به الإنسان لممارسة رغبته في الرفض، والتعالي، والحلم. لكنني، بعدسة المراقب من بعيد، أرى كالعادة انقسام الناس المتجدد سنوياً في كل سابع عشر من ديسمبر، الكثيرون يشتمون البوعزيزي ومن أنجب البوعزيزي، غير مدركين أنه لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد في ما حدث في 2010 و 2011، بل ان الاجتماع الشعبي الذي انعقد أمام مقر السلطة (الولاية) كان هو الشرارة الفعلية، والقرار الجماعي، للقيام بتمرد.
يقوم الناس هنا بشتم كل ما له علاقة  بالإصطلاح الثوري من الجانب اللغوي، كلمات “الثورة”، “الانتفاضة”، “الياسمين”، ” ثورة الحرية والكرامة”، الى آخره….كلها تثير امتعاضهم، وتسبب لهم عدم الارتياح، وهذا طبيعي، لأنها تلمس ثوابتهم، أساس هجوم الناس هنا هو ليس أخلاقياً البتّة، بل هو ذو خلفيات إقتصادية، فمن كان متعشّما من النظام السابق/الحاضر، من كان محافظاً على هامش من الهدنة الاقتصادية مع النظام القمعي، بمقاربة العمل مقابل العيش، وتوفير الحاجات الاقتصادية الأساسية، في ظل علاقة عبودية مُمأسسة، أحسّ بالفزع بتغيير العلاقات الكلاسيكية مع السلطة السياسية بعلاقة مهتزة فيها تأصيل للاحتجاج والرفض. وأصبح معيار نجاح الثورة من عدمه هو ما تحققه من إنجازات إقتصادية، وهو للأسف مغالطة كبيرة دوغمائية صرفة.

لنواجه الأمر بالحقيقة التاريخية: طالما كانت الثورات التي تجلب التغييرات الكبيرة تاريخياً، منعرجاً لحروب أهلية ومجاعات، مثلما حدث في روسيا وفرنسا وألمانيا، بالنسبة لنا، لم تعِدنا الثورة ولو يوماً واحداً بالرخاء، بل كانت نتيجتها تغيير جذري لموازين القوى لا أكثر. وبالتالي ، فإن الربط السطحي بين الثورة، والوفرة الاقتصادية هو غير ذي معنى، وهو سلاح من أسلحة البروباغندا طالما استعمله الثائرون بعد وصولهم للسلطة. مما جعل الناس حالياً في تونس، في حالة من الاصطدام بين الواقع وبين النتيجة التي كانوا يتوقعونها، فضلاً عن ضياع مساحة الأمان الضيقة مع نظام  حالي أصبح لا يقل وحشية عن النظام السابق في النهب والسرقة والمحاباة والتعذيب والقمع، بل أنه نجح اليوم في إعادة إنتاج نفسه في صور مختلفة عبر نفس رجالاته الموجودين في كافة مناصب الدولة من الوزارات والسلطة التشريعية ( بن سالم، شلغوم، العبيدي وغيرهم..) .
إذن النظام موجود ولا يزال قائماً ولا يغيب عنه إلا رجل واحد لم تكن له إضافة كبيرة على الساحة السياسية سوى الصورة العامة.
بشكل عام، فنظام بن علي، أقوى من بن علي نفسه، الشق الثاني هو من قاموا بالتحرك فعلاً، والذي يقودهم الوازع الأدبي الكبير( السياسة)، قلت السياسة هنا لا الثورة بطبيعتها فعل سياسي صرف نابع عن محركات أدبية/ أخلاقية، من الإنسان الذي كان يعاني من “كوجيتو” مجروح على حد قول المسكيني، أي هوية مجروحة، تجعله لا يسأل نفسه ” من أنا؟ ” بقدر ما يريد مواجهة الآله الجديد في العالم: الدولة، بعد موت اله الأديان الكلاسيكي وغيابه عن السلطة المباشرة وتحوله الى أداة سياسية طيعة للتجييش.
هؤلاء الثوريون فعلاً، والذي رأيت منهم الكثير في سيدي بوزيد حين كنت موجوداً في الجهة كامل النصف الثاني من ديسمبر 2010، او في صفاقس يوم الإضراب العام، أو في تونس العاصمة أثناء اعتصام القصبة، يعانون أزمة هوية مجروحة الآن أيضاً، لأننا لم نواجه الحقيقة عراة وهربنا منها دوماً: ثورة ديسمبر- جانفي فشلت، كما فشلت ثورات عديدة في التاريخ، لأسباب واضحة وسهلة التفسير:
1-الغياب الكامل لقيادة فعلية
2-ضعف الانتظام والعشوائية
3-التشتت بعد هروب بن علي وترك الزمام لقوى سياسية لا تزن شيئاً على الساحة للّعب بمصير حراك شعبي كامل.  4-جبن كبير وخوف من القوى التي تمردت أن تكمل مسيرة التمرد عبر أدوات ثورية أخرى: كالسيطرة على السلطة، وتفكيكها، إقصاء القوى المضادة للثورة، مسك زمام الأمور، والتحلّي بالشجاعة التاريخية التي غابت، فراكمت لنا نظاماً مشوهاً، بين إسلاميين تعطشوا للسلطة طويلاً، ونظام سابق أعاد إنتاج نفسه والتحالف مع اليمين الإسلامي، الذي روّج لنا أسطورة الانتقال الديمقراطي السلمي الجميل المُرضي للغرب، أي تحويل الثورة الى مؤسسات،الى إدارة بيروقراطية بشعة، الى ملفات ومكتب ضبط وانتظار وهيئات ودوائر، جعلت من كل ما حصل أضحوكة، وانطلت حيلة القوى الخارجية علينا، كي نظل في منطقة البين بين، فلا نحن نثور فعلا، ولا نحن واقفون.

ما أعتبره أهم من كل ذلك، هو ما يحدث في عقول التونسيين الآن، والذين يجهلون قيمته للأسف: القدرة على التفكير، على التساؤل، على طرح سؤال الهوية، على السب والشتم والرفض والنزول الى الشارع، على التحرك والغناء وإقامة العروض الفنية دون حدود بل وكسر الكثير منها، ذلك هو الوازع الأدبي الحقيقي للتغيير، لا وازع قفة البيض وزيت الزيتون. والطماطم والفلفل.

كل الثورات حتى بعد فشلها تزرع جذامير تواصل التحرك، ثورة 1905 مثلاُ فشلت فشلاً ذريعاً في روسيا، لكنها نجحت نجاحاً ساحقاً سنة 1917، هل ترى كم الفارق؟ اثنا عشر سنة كاملة، وان غداً لناظره قريب. ستولد القيادات، ستُخلق، سيغادر الناس المقاهي ولعب الورق، وسيواجهونكم، وستكون النتائج مختلفة كثيراً.
حمادي خليفي
ناشط  سياسي تونسي
كاتب وباحث في القانون الدولي بجامعة بنسلفانيا

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق