حكومتنا: الهجين الذي يبحث عن أبوّة

 

تشكلت الحكومة، فرح بعض اللبنانيين لأول وهلة، واحتفل الكبار ضمناً لخلاصهم من مخاض المحاصصة والصراع عليها، وشعورهم بنشوة النصر، رغم أن الوليد جاء هجيناً ولا يزال في غرفة العناية الفائقة. فيما غضب الكثيرون سراً وجهارة،،، فكانت الشوارع بلحظات تلاوة مرسوم التشكيل ملأى بالرافضين لها والمحتجين على الأسماء الواردة بها.
 احتجاج الثائرين ليس فقط على الأسماء ولعلامات الاستفهام التي تدورحول بعضهم، بل على الظروف التي رافقت عملية اختيار الأسماء والخلفيات السياسية التي أتوا منها، والتحاصص الحزبي لتلك الحقائب والأسماء من حملة الشهادات والاختصاصات المختلفة.
تلك الاختصاصات التي جاءت “مفشكلة” في تعيينها بمكانها الوظيفي فجاءت مثلا المهندسة المعمارية وزيرة للعمل، والباحثة في شؤون التنمية الاجتماعية وزيرة للدفاع، فيما جاءت الخبيرة في الإرشاد وذوي الاحتياجات الخاصة وزيرة للشباب والرياضة، وهكذا دواليك،، هذا عدا عن دمج وزرات لا علاقة ببعضها فيما تم الإبقاء على وزارة للمهجرين، في هذا الزمن التاريخي من لبنان الذي يحتاج لكل “ليرة” تصرف في مكانها  ولا أعلم  حتى الآن لما الإصرارعليها لو كان هناك نية فعلية بوقف مزاريب الهدر والتنفيعات الحزبية، إلا إذا كانوا يخططون لموجة تهجير قريباً.

الوليد جاء هجيناً لأنه وليد طبقة فاسدة بائدة مترهلة عاجزة لا تلوعلى شيء، وضعت يديها في كل تفصيل أثناء مراحل التشكيل التي طالت حوالي ثلاثة أشهر، ضاربة عرض الحائط بإرادة اللبنانيين وثوارهم الذين أعطوها فرصة التشكيل بهدف ترك مجال للتغييرعبر إصلاحات دستورية ، ففقدوا فرصتهم الذهبية، وفُقد معها صبر المحتجين ووقتهم ومالهم ووظائفهم. فبالنسبة لهم ما حصل هو مجرد تبديل للأشخاص مع بعض “الرتوش”، في علاقة الأشخاص  بانتماءاتهم ومحسوبياتهم، فيما طغت على ثلثها الأنوثة والمفارقات الشكلية لأول مرة، لكن المنظومة هي نفسها، والنهج هو نفسه، لا يزالا محكومان بالحسابات بالطائفية والمحاصصة الحزبية وببدعة الديمقراطية التوافقية وحكاية “التعايش الأهلي”، والأهم انها ستكون أعين مجلس النواب “مفتوحة” عليها اذا تلكأت أو قصّرت بحسب ما صرح رئيس مجلس النواب نبيه بري!. ولا أعلم ماذا كان يعمل الرئيس بري طوال ثلاثين عاماً من  الفساد ونهب الدولة واللبنانيين، الذي يعدنا الآن بالاطمئنان.
هي حكومة الأمر الواقع والأكثرالمتاح بالنسبة لطبقة سياسية حديدية متماسكة بشبكة مصالحها التي سرقت أمن المواطن وحلمه ومستقبله، فبات بلا أمن داخلي، غذائي، صحي، إسكاني، تربوي، مالي الخ،، طبقة فريق منها نزيه لكنه القبطان الأقوى لمركب يتعرض لعاصفة هوجاء من اليمن مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً الى ليبيا، قوامها الموارد الطبيعة من نفط وغاز وطاقة شمسية، غضّ الطرف وأدارظهره  لمن هم عليه ومن يعيثون فساداً،  فأصبح المركب بمن فيه ذاهب الى الغرق اذا لم  يسارعوا لسد الفجوات الداخلية التي تسربت منها المياه وأصبح عصيّ على التجذيف بمياه البحر.
لم يكن لبنان يوماُ بمنأى عن المؤامرات، فلمَ تخيفون الثواراليوم من المشاريع القادمة او المهددة؟، ولماذا تريدون لجم الثوار تحت هذا العنوان وتحميلهم وزر الأمن القومي للبلاد؟ أو ليس ذلك مسؤوليتكم منذ البداية؟ والا لماذا ائتمنتم جميعاً علينا؟
30 عاما من السرقة والنهب والصفقات والسمسرة ومئات مليارات الدولارات أنفقت أحد لم يتحرك للمحاسبة او الرقابة، حتى مجالس الرقابة والمحاسبة ضربت بصميمها وعطلت دورها بإرادة الفاسدين وحكم الناهبين،  12 عشرة عاماً بقيت البلاد  ذات مرة بلا موازنة عامة، ولأجل بدعة الديمقراطية التوافقية و”العيش المشترك” صمت الجميع ولم يحاسب، خوفاً من الحساب المتبادل، فأصبح النهب مشتركاً والسمسرة مشتركة، وآخرهم رأى وسمع لكنه صمت! والساكت عن الحق شيطان أخرس يا مؤمنين يا بتوع المساجد!

اليوم بفعل ارتفاع منسوب التخويف من المؤامرة القادمة على المنطقة وتنوع لهجاته، والإشارة لأعين الأميركي علينا وطمع ربيبته بالمنطقة، وصفقة القرن التي تغلو على النار في مطبخ البيت الأبيض، انقسم الشارع الى شارعين وأهل البيت الى فريقين، أحدهما يخشى العاصفة الهوجاء، وآخر يخشى الغرق! فكلاهما بالغرق مهددان! لكن شتان بين موعد غرق وآخر، أو طريقة غرق وأخرى.
اليوم زار الوفود الأوروبيون رئيس الحكومة حسان دياب، ماذا قالوا؟ لقد هنأوه طبعا، لكن أحدهم لم يعِد بإعطاء الثقة او الدعم قبل أن يلمس إصلاحاً فعلياً.
حتى وزيرالخارجية الأميركي مايك بومبيو قالها اليوم بخبث لأحد الصحافيين:” لا يمكننا ان نعطي رأينا الآن، أو نحكم على الحكومة، هناك أزمة مالية كبرى مقبلة  على لبنان في الأسابيع المقبلة، مستعدون للدعم لكن ليس قبل ان نرى إصلاحاً،،،، لكن انظر الى هؤلاء المحتجين بالشوارع”!.
هذا الكلام الواضح والصريح جداً وكأنما يقطع الطريق على تصريحات الوزراء لدى تسلمهم أمس واليوم وزاراتهم وعلى رأسهم وزير المالية الدكتورغازي وزني الذي شدّد على ضرورة ان يحصل لبنان على الدعم الدولي لكي يتمكن من المباشرة بعمليات الإصلاح، وقبل ذلك الرئيس بري الذي قال الأهم هو الدعم الدولي لكي نبدأ بإصلاحات اقتصادية ومالية وبناء القطاعات الانتاجية. إذن يا سادة لا مال ودعم وثقة قبل الإصلاح!
أمام هذه المواقف يبدو أننا دخلنا بلعبة البيضة والدجاجة، الحكومة ليست فقط هجينة فهي غير معترف بها، ولا يمكن ذلك الا إذا خرجت من العناية الفائقة، ولا يمكن ان يحصل ذلك الا إذا اعترف المجتمع الدولي وقبلهم اللبنانيون كافة بها!
نحن فعلاً في مأزق،، بالنسبة للثوار فقد اختاروا البقاء بالشارع حتى إسقاط هذه المنظومة، كيف او الى متى لا أحد يعلم، فمن سبغت روحه الثورة لا يقبل بواقعية او واقع مفروض، ولن يتحرك وفق دراسات أو منطق أومقاييس هندسية، أصبح الأمر هكذا “خيار بين نوعية موت وآخر”، وبين هذين الخيارين ثمة من لا يريد تحمل مسؤولية ما دفع الى هذا الموت، أو إيجاد الحلول الجذرية السريعة، والتي أخشى ان هذا القبطان بالسفينة قد لا تلائمه،، لحسابات تتعلق بموقعه وبأهدافه على المدى البعيد.
لكن السؤال المطروح يبقى هل ستحظى هذه الحكومة بثقة المجلس النيابي؟
وإذا حصلت على الثقة هل يمكنها ان تعمل او تنتج على إيقاع الانتفاضة المتنقلة؟
وهل بإمكانها اتخاذ قرارات جريئة وسريعة  او طارئة من نوع تجميد احترازي لحسابات بعض المسؤولين الذين جاءوا عن طريقهم الى هذه الحكومة؟  أو هل سيتمكنون من منع سفرهم او الحجز على أملاكهم؟ أو لن تخضع في أدائها لمنظومة الديمقراطية التوافقية؟
الجواب على هذه الأسئلة يحدد ما إذا كانت هذه الحكومة ستحظى بالثقة أو لا، او ستكون منتجة  وفاعلة أو لا.
يسرى نعمة 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق