هذه الطبقة المنفصمة عن شعبها ،،، الى متى؟

ثمة انفصام، إستخفاف بما يجري على الأرض، يكشف عن فجوة عميقة ما بين أهل الحكم والشعب المحاصر بلقمة عيشه، بمورد رزقه ، بمدّخراته، بعمله، بمرضه، بعلاقته مع أي مؤسسة عامة أو خاصة  او مصرف في هذا المكان الجغرافي المنهوب والمنكوب.

وكأن الطبقة السياسية بأخزابها وطوائفها وشبكات مصالحها في وادٍ، والناس في واد آخر وكأنما سُدّت الآذان بالفلين وحُجبت الأعين، وخُتمت القلوب، فيما أطلقت الأيدي.
ما الذي يريده حكامنا بعد؟ كم مهرجان وكم استعراض وكم كرّ وفرّ وكم مواجهة بين الشعب وعسكره، وكم جريح وقتيل وكم واجهة مصرف ومحل تجاري ومطعم، يحتاجون لكي يدركوا أن ما يحصل في الشارع هو نبض شعبي حقيقي عفوي في أعلى  مستويات سقوفه وأنهم ما عادوا يملكون ترف العودة من الشارع؟
نبض هو ثورة او انتفاضة او حراك شعبي متنقل ضخم، سمّوه ما شئتم، لكن مساره الحقيقي تكشّف كالنهر يسير فلن يعود أدراجه الى ما قبل 17 تشرين الأول، يخبو ولا يموت، حتى تتخذ هذه السلطة إجراءاً سيادياً ما يوحي بأنها لا تزال جسداً حياً، قراراً على مستوى تجميد احترازي لحسابات او أصول زعيم او قاضٍ او وزير، قرارا يقضي فعلا بمحاسبة مسؤول وزجّه بالسجن وليس بالبيانات الاعلامية والمناورات وبمحاولات هدر الوقت وامتصاص الغضب والخطب والاستعراضات من النوع الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.
أو حتى تسارع الى تشكيل حكومة خارج التسويات التقليدية، حكومة لا يُطلب فيها موافقة أمراء الطوائف والأحزاب الاقطاعية والعائلية التي توارثت العمل السياسي كعائلة مالكة، حكومة إنقاذ فعلية ترفع اقتصاد البلاد من الواقع المشؤوم الذي وصل اليه، وبإمكانها اتخاذ قرارات تشريعية جريئة قادرة على المحاسبة واستعادة ما نهب من الخارج، وتزجّ كل العملاء والمتآمرين في السجون وتحاسب وتقاضي كل من سوّلت له نفسه يوماً بسرقة أموال الشعب وإهراءات البلاد. فيما عدا ذلك لن يعود كل هؤلاء الى منازلهم، فالمعركة بالنسبة لهم أشد خسارة إذا عادوا صفر اليدين، فما عاد لديهم شيئاً يخسرونه، فوضعوا أنفسهم وأرواحهم على أكفهم، ولن يعودوا حتى إسقاط هذه المنظومة التي كرّست النهب والفساد على مدى 30 عاماً، وجعلته ناموساً في إدارة المؤسسات وفناً في الكذب والسرقة واستمهال الوقت وكسبه.

إن ما يجري من حسابات محاصصة طائفية في كواليس القصر الجمهوري والزيارات شبه اليومية والمكوكية للرئيس المكلف د. حسان دياب،  بين بعبدا وعين التينة، تكشف عن عمق الأزمة وفداحتها في طريقة التعامل مع هذا الملف سواء من ناحية الأسماء او في التشكيل. يريدون إعادة استنساخ أنفسهم ومشاريعهم في النهب والسرقة، وكأنما هؤلاء الذين في الشوارع منذ أكثر من ثلاثة أشهر زوار موسميون وسوف يرحلون مع نهاية الموسم!
يأخذون على الثوار أنهم لم يطرحوا بديلا سياسياً أو قائدا أو اسماءً لتمثيلهم في الحكومة، رغم أنهم يعلمون أن البرنامج هو المطلوب، وهم يعلمون به كما أن خارطة الطريق رسمت آلاف المرات فالمطلوب أشخاص نزهاء لم تتلطخ أيديهم بأموال الشعب، كفوئين تتحدث عنهم إنجازاتهم، وغير منتميين للأحزاب التقليدية في الحكم  ولم يعملوا في وزارات سابقاً،، هل هذا بكثير كحكومة انقاذية مؤقتة؟
كل هذا يحصل فيما أسبوع الغضب هذا، بلغ الغضب أقصاه واختلطت كافة المظاهر البشعة والجميلة والمضحكة والمبكية والمميتة فباتت التناقضات جزءاً لا يتجزأ من المشهد.
لسوف يقول قائل من أنصارالشيطنة ومؤيدي نظرية المؤامرة  أن ما حصل هو أعمال شغب وهو عمل مدبّر ومنظّم من جهات مرتزقة تخضع للخارج،،  لكن ومتى كان لبنان خارج المشاريع الاقليمية او الدولية؟ السؤال الأصح هل يمكن لأي مشروع معروف أن ينجح ؟  فإذا كان المشروع واضحاً ومكشوفاً وأدواته ومن يروجون له ويديرونه معروفون إذن لمَ الخوف والتخويف والتجييش؟ أين دور المؤسسات المختصة بهذا الشأن ؟ وهو الحال هكذا لمَ لا يسارعون وعبر الجهات المختصة الى اتخاذ خطوات فورية لوقفهم عند حدهم حتى لا تُجرّ البلاد الى تلك الغياهب؟ فلمَ على الثائر أن يدفع كل الأثمان،، ثمن سكوته وثقته بزعمائه من السياسيين مرة،، وثمن سرقته مرة أخرى، والآن ثمن ثورته، وتخويفه من مشروع اقليمي يقال انه يهدد أمن البلد إذن عد أيها الثائر الى منزلك؟،،، أو ليس هذا التراخي، وهذا “الستاتيكو” السياسي الحاصل في وقت يلتهب فيه الشارع ما بين أهله وعسكره هو الخطر الأكبر المحدّق بالبلاد وعليكم انتم أن تبادروا لاتخاذ الخطوة؟
أعلم أنها كلها أسئلة، ولا أتوقع منها الأجوبة،، وعسى أن تأتي الأيام لتجيب عنها كلها او حتى البعض منها.
يسرى نعمة

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق