انا وصديقي الخطير وبنت الجيران

 

عندما كنت في الصف الأول متوسط (إعدادي)، كنت تلميذاً نجيباً رغم أني لم أكن أدرس كثيرا ، وكنت أهرب من الكتاب المدرسي الى قراءة الموسوعات والقصص والروايات ..
بالرغم من تفوقي لم أكن ذاك الصبي الهادئ و المثالي الذي يمكن لأمه أن تفتخر بهدوئه ومثاليته ” أمام (مجلس الامهات) المنعقد عصرا ًوبشكل دوري في منازل الجارات المغتربات في ليبيا …

كانت أمي المسكينة دائما ما تُحرَج عندما يزف أحد أولاد الجارات الى أمه خبر تأديبي بالمدرسة بسبب كسر زجاج او كسر درج، او غيره. لكن الوالدة الكريمة كانت ترد ((الصاع صاعين )) بنهاية العام الدراسي عندما تشهر بوجوههن كشف علاماتي المكتمل مع ابتسامة متشفية المنتصرة فتردهن على أعقابهن خاسراتٍ حاسرات ….
من جهتي فلم أكن لاهتم كثيراً بهذه الامور، لأن آخر ما كان يعنيني تقييم (( ام فراس او ام عوض او ام بطيخ )) …..

و بصراحة، كنت أقرف من مصادقة اولادهن المحدد ذكائهم سلفاً، و الذين يمضون نهارهم كله في تقليب الكتاب المدرسي مجهدين أنفسهم في اتجاه واحد غير قابل للتعديل فتكون النتيجة متفوق مع الاستذكار العنيف لكن
لا ذكاء خارج نطاق المنهج ولا اطراء غير اطراء النجاح المدرسي ..
لذا كنت انظر بعين القرف واحيانا ((بعين الشفقة )) اليهم والى علاماتهم المشتركة التي تميزهم كالقميص السادة، والشعر الممشط على الجنب الواحد ، والساندويتش الموجود في لفائفه الورقية في حقيبة الكتب ….و- طبعا – ترمس الماء الكبير الذي يعلقونه في اعناقهم ((كإن الصبي ذاهب للدراسة في صحراء الربع الخالي وليس الى مدرسة لا تبعد كثيرا عن بيته))…

طبعا عدا عن سلوكياتهم المتشابهة كالخوف المرضي من الأساتذة الوشاية بزملائهم عند رؤية أول كرباج يسحب من نطاقه ما يجعلهم عرضة للسحاسيح والإذلال بمجرد أن تطأ اقدامهم ارضا محايدة خارج أسوار المدرسة بعيداً عن منطقة نفوذ الاساتذة )

في تلك الفترة المبكرة كنت قد اكتشفت سعة هذا العالم وجماله وعرفت مبكراً ان هناك أشياء يمكن ان تسعدك أضعاف ما تفعل درجاتك وعلاماتك وإطراء استاذك….
اشياء جميلة و ساحرة كالذهاب الى البحر وبحر والسينما وغابات وادي الكوف وشحات والسوق …و..
إحم إحم …
ابتسامة صفاء بنت الجيران التي كنت أنتظر بفارغ الصبر  موعد رميها للزبالة – لأحظى بها 😬..

ااااااااااااايه دنيا
في أول أيام السنة الدراسية لصف الأول متوسط كان من نصيبي العاثر ان يكون معي بالصف احد هؤلاء الصبية المغتربين ….

هذا الصبي كان يشبهني كثيرا بالشكل- فقد كان أشقر الشعر، ابيض البشرة ، نحيلاً، وكان الكثيرين يخطئون في التفرقة بيني وبينه فينادوني باسمه او ينادوه باسمي .

كان من الفئة التي تحدثت عنها ، لذا كان من الطبيعي ان أتحايل عليه لكي يتركني وشاني ويبحث له عن مقعد اخر بعيدا عن عالمي ……

لكنه كان يمتثل حرفيا لأوامر أمه الحمقاء بان لا يصادق التلاميذ الليبيين ، ويحصر علاقته فقط في التلاميذ الاجانب المغتربين، لان تعتبر بحماقتها ان الليبيين كلهم كسالى لا تريد لابنها ان ينعدي منهم …

كانت أمه تريده ايضا ان يجلس قريبا من السبورة (اللوح)) حتى يستطيع ( بلع ) كل ما يكتب عليها، فكان المقعد الذي أجلس عليه مثاليا بالنسبة اليها ((طالب لبناني + مقعد قريب من السبورة )) …

فجثم على قلبي منذ اليوم الاول

كان لا يتكلم الا عن الدرس.. وعن الوظيفة المنزلية، وإن انفتح قليلا على العالم يتكلم عن الممحاة و المسطرة الزرقاء و كيف استطاع تغليف كراسته !!

وطبعا ، لم اكن انا معجبا بكل هذا الهراء ،

لذا كان من الطبيعي ان اخطط لطرده من المقعد ..!!

فبالاضافة الى ما كان يسببه لي من اكتئاب واختناق ، كان جاسوسا خطيرا لأمه وبشكل غير مباشر لأهلي ايضا، نظرا ً لأن أمه من النوع الذي لا يحتفظ بخبر وهي مشهورة بنثر الاقاويل في كل مكان كما ينثر الكلب ماء استحمامه …!!

لذلك لم اكن استطيع ان اعطس عطسة في المدرسة بدون الاخذ بالحسبان ان اهلي سيعرفون بها عقب زيارة امه لمنزلنا …..

وهذا يضر كثيرا بمصالحي الاستراتيجية …

لذا اتخذت في حينه موقفا حاسما …

وأعلنت الحرب عليه ….

في البداية بدات باظهار الامتعاض من وجوده وانتقدته بكل حركة غبية يقوم بها لكن – اللعين – كان لايكترث بهذا كثيرا ، وكما قالت له امه ((اعتبروا كلب وعم بيعوي وركز بالدرس ))

-فاعتبرني كذلك وركز اكثر بالدرس، مما جعل كل محاولاتي الابتدائية تبوء بالفشل ….!!

بعد ان تيقنت من عبثية هذا الاسلوب قمت بتغيير خطة الحرب مستخدما (مبدا المقاطعة )..

فبدأت بمقاطعته كما يقاطع العرب البضائع الامريكية عقب كل ازمة …

في البداية انتبه هو لذلك، وبدأت العلاقة بيني وبينه يشوبها التوتر الحذر ثم بعد ذلك الفتور فالمقاطعة …

لكنه و ببساطة وكما تفعل الولايات المتحدة في مثل هكذا مواقف او كما فعلت هولندا والدانمارك عندما قوطعت بضائعها ، ….فعل هذا ( اللزج) ببساطة .!!

فبدلاً من ان يسالني عن الدرس او الوظيفة ، وماذا قالت المعلمة، اصبح يلتفت الى جاره على المقعد الاخر الذي اخذ يموله بكل ما يريد من اجوبة ، بالاضافة الى المصادر الاخرى ((جيراننا في المقعد الخلفي )),

بهذه الطريقة تجاوز هو الامر مع الكثير من الاستفزازات

كان علي عندها ان اتخذ موقفا اكثر تصعيدا واكثر حدية (( صدام عسكري المباشر )) عند اول فرصة سانحة ..

مرت الايات ..

..وتوالت

واتت تلك الفرصة …

كان قد وشى بي لاحد الاساتذة مؤكدا انني ورفيق لي نكتب على الجدران بالصف ))

واني انا من احضر كيس الزريعة (بزر اليقطين) ووزعته على الطلبة ..

فكان نصيبي من هذا الاستاذ اربع جلدات بكرباج غليظ يشبه ذيل الفيل ..

على اثر تلك الحادثة كنت قد اتخذت بسرعة القرار بتوجيه ضربة عسكرية له على بناه التحتيه …..فإنتظرته خارج المدرسة لأستقبله بـ ((شللوط – كارشو)) على قفاه ثم بعد ذلك بالانقضاض عليه وتوجيه كم هائل من اللكمات جعل وجهه ملونا بكل الوان الطيف !!!

انقشعت غبار المعركة …لاجد نفسي واقفا بغرفة المدير (الاستاذ سالم غفير رحمة الله عليه))، الذي عاقبني بعقاب لن انساه ابدا مهما حييت ، عندما امسك باذني وبدا في فركها وبرمها وسط نظراتي المندهشة ، ليس من نوع العقاب بل لانني اكتشفت وقتها المرونة العالية التي تتمتع بها اذني والتي تسمح لها بالدوران حول محورها خمس مرات بدون ان تقطع !!!

كانت من نتائج معركتي معه ….(انتهى الجزء الاول
(يتبع) ………….. مع محبتي
وائل البحار

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق