لبنان يبتدع أصولاً دستورية وسياسية جديدة

لولا الجوع – بالمعنى الحرفي للكلمة – والخوف واليأس، وهي الحالة التي تجتاح الناس، لكانوا تسلّوا كثيراً بهذا الـ Show، وخصوصاً في زمن كورونا الذي أبطأ الحياة وخلق فراغاً كبيراً… وكم كانت المفكِّرة حنة أرنت محقّةً حين قالت “لا بد من سحق المجرمين السياسيين الكبار، سحقهم بالتسخيف أو بالسخرية

بعكس ادعاء اختراع اللبنانيين القدماء – الفينيقيين طبعاً – للأبجدية أو الحرف، مما ليس عليه دليل لا يخترقه الشك، باعتبار شروط التأريخ لذلك الزمن وفيه، وباعتبار أن سواهم من الحضارات البشرية يتبنى الادعاء ذاته – من حضارة ما بين النهرين إلى سواها – بعكس ذلك إذاً، قدّم لبنان اليوم إسهاماً عبقرياً في أصول الحكم والسياسة، سيحفظ التاريخ دليله المادي الملموس، باليوم والساعة والدقيقة والصورة والصوت، أي ببرهان قاطع. وبكل الأحوال، فهو على ذلك استخدام عبقري للتكنولوجيات “الحديثة” – على الرغم من أن التلفزيون قد مضى على اختراعه ما يقارب المئة عام (1925، نعم، لقد هرمنا!) وهو زمن مديد بمقياس التسارع الذي نعيش في ظله.

رئيس الجمهورية اللبنانية توسّل التلفزيون ليدعو رئيس الحكومة المكلف على الهواء “إلى قصر بعبدا من أجل التأليف الفوري للحكومة بالاتفاق معي”. وقال إنه إذا لم يجد نفسه قادراً، فليترك المجال لغيره. كما وصف معاناة اللبنانيات واللبنانيين “التي بلغت مستويات لا قدرة لشعب على تحمّلها” وفق كلمة الرئيس. وقد يتوه مستمع أجنبي، يجيد العربية ولا يعرف الـWhos’s who . ففخامة الرئيس يتكلم كأحد أفراد الشعب، واصفاً أحواله، حيث “الوباء يتربص، وأيضا العوز والبطالة والهجرة وزوال القدرة الشرائية. كذلك انقطاع المواد والتخبط في مختلف السلطات الدستورية والإدارات المعنية بتأمين مستلزمات العيش، فيما لم نخرج بعد من فاجعة انفجار المرفأ… كل يوم يحمل أثقاله، فيتفاقم القلق بفعل العجز عن أبسط أساليب الحياة الكريمة”. فعلاً، كلامٌ دقيق.

ولأنه ” كلّ شيء يهون أمام معاناتكم”، فقد آثر الرئيس الصمت في السابق إفساحاً في المجال للمعالجات. ولكن، ولأن الطبع يغلب التطبع، فقد أفلتت من الجنرال نبرة من الاعتداد والتحدي، وربما الوعيد: “وأنتم تعرفون أنّي ما اعتدت الإذعان والرضوخ”. Yes، نعرف. أو لعلها قيلت خشية الاستضعاف، فإذا بها تُرفَق سريعاً بـ “وإنما دفاعاً عن كرامتكم وعيشكم الحر الكريم”. بينما نعيش “في ظلّ نظام تجذّر فيه الفساد السلطوي والمؤسساتي واستشرى”. فعلاً، كلامٌ دقيق. ولكن هذه المرة، وبإزاء هذا ال Patchwork، ضاع أشد “اللبنانيات واللبنانيين” فهماً لواقعهم. من يتكلم يا قوم؟ ومن هو إذاً ممثل هذا “النظام” البشع، وكيف تكون كرامة وعيش كريم في ظل حالة هذا وصْفها؟

وبانتظار التقاط الأنفاس، واسترجاع التوازن من هذه “الدويخة”، نسجل أن “النظام” قد أدانه أهله قبل الأغراب عنه، وأنهم تبرؤوا منه. جميل!

ولكن، وقبل التقاط الأنفاس، يأتي رد الرئيس سعد الحريري،وهو المكلف، صادراً هذه المرة في “بيان” وُزّع على وسائل الإعلام، يؤكد فيه أنه “مستعد لزيارة فخامة الرئيس للمرة 17″، وداعياً إياه إلى “توقيع مراسيم تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين قادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، لوقف الانهيار الذي تعاني منه البلاد والعباد” (هل سعد الحريري مقتنع فعلاً بأن تأليف الحكومة هو الحل؟). وإلا، فعلى رئيس الجمهورية “أن يختصر آلامهم ومعاناتهم عبر إتاحة المجال أمام انتخابات رئاسية مبكرة، وهي الوسيلة الدستورية الوحيدة القادرة على إلغاء مفاعيل اختياره من قبل النواب لرئاسة الجمهورية قبل خمسة أعوام، تماماً كما اختاروني رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة قبل خمسة أشهر”. أي أن يستقيل! ها قد رد الصاع صاعين، وكرس في الوقت نفسه صفته الدستورية الموازية لصفة الرئيس. وبلغة كرة القدم، حدث تعادل في النقاط أو في الأهداف داخل الشبكة. وكل شيء، هنا أيضاً، يجري كرمى للبلاد والعباد، ومع إدراك لآلامهم ومعاناتهم. شكراً.

الحقيقة أننا أمام انتقال لمسرح الجريمة – عفواً، السياسة – من الأطر المعهودة لها إلى الأثير، وإلى توسل اتخاذ الناس شهوداً، على طريقة “اللهم، اشهد أني بلغت” المُنذرة عادة بالكارثة (كأن تقف عاجزاً أمام اجتياز المحيط الأطلسي!).

ولولا الجوع – بالمعنى الحرفي للكلمة – والخوف واليأس، وهي الحالة التي تجتاح الناس، لكانوا تسلّوا كثيراً بهذا الـ Show، وخصوصاً في زمن كورونا الذي أبطأ الحياة وخلق فراغاً كبيراً.

وبغض النظر عما سيلحق هذا التراشق، وبعيداً عن هذه المهزلة التي تجري أمامنا (وكم كانت المفكِّرة حنة أرنت محقّةً حين قالت: “لا بد من سحق المجرمين السياسيين الكبار، سحقهم بالتسخيف – او السخرية”)، فالمعنى الواضح أننا أمام استمرار الاستعصاء الذي يخيّم على البلاد، وهو متعدد الزوايا، سياسي، ولكن أيضاً اقتصادي واجتماعي ودبلوماسي، يخص لبنان كما المنطقة والعالم.

ليس من حل في الأفق، وهذا العبث هو لتقطيع الوقت، المفتوح على كل الاحتمالات، بما فيها أسوأها. وأما ما يستفز أكثر من سواه هنا، فهو هذه المتاجرة المبتذلة ببؤس الناس وبمصائبهم، والتعاطف المفضوح – بحيث إنه لا يحتاج إلى وصمه بالكاذب – معهم. وبالمناسبة، وإزالةً للأوهام، فلا أحد في الجوار وفي العالم مستعجل على التفكير بحلول، ولعلها شاقةٌ فعلاً وتحتاج لـ”تطورات” لم تقع بعد، ولعلنا لذلك ندخل في نفق بشع، يجدر باللبنانيين (واللبنانيات!) إدراك أنهم ليسوا بمنأى عنه، وأمامهم نماذج ماثلة وراهنة كسوريا واليمن وليبيا (مع حفظ الفوارق). والله أعلم.

موقع السفير العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق