المانيا: لاجئات من بلاد الخوف.. بين شغف الحرية وسطوة الحنين

 خاص أخباركم – ألمانيا- بقلم هلا فقيه 

حين نختار الاغتراب قسراً، قد نجد أنفسنا فجأة عند حافة خيارات وقرارات، مدفوعين بمخزون هائل من ذكريات وموروثات الديار، وأحلام أجّلتها ظروف أوطاننا، قد يقف معظمنا مشدوهاً، نتساءل: ما الذي أردناه من الغربة وما الذي تريده هي منا؟ ما الذي تغيّر فينا؟  وهل حين هجرنا أوطاننا هجرنا كل شيء فيه؟ ماذا بقي فينا منه في زوايا الذكرى والتقاليد؟ وما الذي رميناه خلفنا دون التفات الى الوراء؟

تساؤلات حملها موقع أخباركم لنساء معظمهن سوريات أو كورديات، حطّت بهنّ رحال الدنيا هنا، حيث مررنَ بتجارب، لم يعتقدنَ يوماً، أنهن سيعشن بين ربوعها وخريفها. وسط عواصف ورياح قصمت حياة الكثير منهن ووضعتهن على حافة مسار، سوف يغير مجرى حياتهن وعائلاتهن بأكمله.

هنّ اليوم مختلفات، يُقبلنَ على العمر والحياة، ويتخّذن قرارات جريئة.. بعضهن تكلم واسترسل، وبعضهن الآخر باح بجزء، ومنهن من تراجعت في آخر الكلام وترددت، ونحن هنا أعطينا مساحة للحرية في البوح، أو الصمت..
ومن هنا، في المدينة التي أعيش بها “نوردهورن” ومدينة “كيل” في  شمال ألمانيا التقيت بهن.

الفنانة روجين: أول العصا وآخرها

تقول الفنانة الكردية- السورية “روجين كدو” وهي التي خرجت منذ نحو ثلاث سنوات من المستشفى، بعد أن مرّت بأزمة صحية عاصفة: “عشت معاناة هنا تفتّت الصخور، لكني شفيت وبقيت صامدة وأكثر إصراراً”.”

تحدثت روجين خلال لقائنا معها، عن حنينها للوطن وشوقها لوالديها ولقرية دودان الحدودية قرب القامشلي السورية التي ترعرعت فيها، وعن أشياء كثيرة. ورغم البيئة الريفية التي ولدت وعاشت فيها، إلا أن والديها كانا معنيين بالثقافة:”وهكذا نما شغف الثقافة في نفسي، رغم أني أُكرهت على عدم إكمال دراستي لظروف خارجة عن إرادتي”.

وتتابع: “كنت واثقة من قدراتي وإمكانية نجاحي، وتأكدت من ذلك عندما توفرت لي هنا ظروف مغايرة،، فعندما وصلت ألمانيا، أدركت حقاً أن ثقتي كانت في مكانها في ما يتعلق بالتعلم والدراسة واللغة، إذ حاولت أن أبدأ من جديد لكن المشكلة التي واجهتني في البداية هي ذاتها واجهتني الآن ولكن بشكل عكسي. أول العصا نالت مني الآن نهاية العصا ذاتها.”

وتشرح قصدها قائلة: “أنا أم وربة منزل. لدي ثلاثة أطفال وهم من المتميزين والحمدلله، لكن لا بد لآثار تلك العصا ان تنال ولو القليل من أية علاقة أسرية. عشت أماً حقيقية كرست حياتي لبيتي وتميّزت، الى جانب بعض المهارات المطبخية.

أين أسكن؟ ومتى كان للفنان الذي تشتعل روحه بنار الفن سكينة أو سكن؟
وتابعت روجين: “صورة وطني لاتفارق عيني. أتذكرعندما عبرت الحدود، قبّلت آخر شبر من تراب الوطن. كانت طريقنا محفوفة بالمخاطر لقد رمت أمواج بحر إيجه بابن أختي، ولانزال في رحلة البحث عنه. لانزال ننتظره، أهله وأنا، نسمع استغاثاته، نسمع صوته. هناك من رآه، لكن؟ أين؟

عندما غادرت الوطن كان أمامي وجه أبي وأمي ووجوه أخوتي، وجه آخر لا أنساه، هو وجه صديقتي نسرين رفيقة الطفولة، القرية، الغبار، مواسم الحصاد والتعب. كنت أسميها: “كيزكا حجي” أي الدعسوقة، ولا زلت على تواصل معها حتى الآن رغم المسافات” وتابعت روجين: “هذا المكان الذي أصبح بمثابة وطن ثاني لنا،  أحس هنا ورغم احتضان ألمانيا لنا كأم حنون، إلا أن جزءاً من روحي بات مفقوداً، هو الحنين للوطن والأهل “.



وأضافت: ” هذا المكان أعطاني كل شيء افتقدته لكنه لم يضمد جراحات قديمة وجديدة. هذا المكان جنة صنعها أهلها وأنا أحس بكثير من الحرج لأننا لم نكن جزءاً في تأسيسه، لكنني ربما استطعت في المستقبل أن أردّ لهذا البلد جزءاً ضئيلاً مما قدمه لنا من الأمان وهامش الحرية، إنه الأكثر حرصاً علينا وعلى كياننا. لهذا فأنا أواصل تدرّجي الدراسي على أمل أن أحقق حلمي الذي ضيّعت السبيل اليه في الوطن حلم الدراسة العليا وعبر اختصاص أحبه.

في الوطن مارست الفن في بيتي . وفي مناسبات ما، وكانت عيون أجهزة النظام بل عيون المجتمع تراقبني، كيف لأنثى أن تكون فنانة؟. الآن نحن أحرار، وإن كان هنا أيضاً بعض من الظلم يلاحقني كما غيري، بسبب العادات والتقاليد البالية ذات السلطة”.

وتوضح: “لم أتفاجأ بصورة أوروبا وبصورة ألمانيا على الأخص، الحياة هنا جميلة أريد أن أخدم هذا الوطن الجديد الذي قدم لي ما لم يستطع وطني تقديمه لي، لاسيما تحت ظل الفوضى والظلم والحرب، وأستثني هنا القيم والأخلاق والكرم والكثير من العادات الإيجابية التي يتصف بها شعبنا وأبناء وطننا.”

روجين والسيدة الألمانية

وتتابع: ” قادتني الظروف ان أستأجر شقة في مبنى لعجوز ثمانينية، هذه العجوز أعتبرها أمي الأولى في الغربة. علمتني اللغة وكيف ألفظ الكلمات بتأنِ. علمتني الثقة، رفض الظلم، عرّفتني اكثر على حقوقي وواجباتي في هذه البلاد. هذه السيدة غادرت الحياة وأنا أمر بظرف مرضي، بعد أن فتك بها السرطان الذي لم يستغرق إلا أسابيع عدة. هذه السيدة كتبت لي أكثر من رسالة غضب في فترة الكورونا لأني انقطعت عنها وعن زوجها بعد ان كنت أزورهما يومياً أساعدهما أقدم لهما وجبات من الطعام الشرقي وكانت تنصحني كأم وتقول لي: ma ez denim كنت أقول لها أنت حولتني لألمانية وأنا حولتك لكردية”. وتستطرد:” على فكرة، الجيل القديم من الألمان يشبه الشرقيين في حرصهم على العادات والتقاليد وبعض العادات الشرقية التي نعتز بها كالاحترام و غيره من أشكال القيم و الأخلاق”.

أرض الله واحدة، الفرق يكمن في أنظمة الحكم، فهناك بلد الشعب فيه حر وبلد يعتبر سجناً! ولذلك فإن سكان هذا السجن الكبير رغم طيبتهم ونبلهم وتفوقهم، يتأثر بعضهم بظروف هذا السجن، نتيجة ثقافة ما لذلك وجدت الحرب مدخلاً إلى بلادنا.

كانت الحياة في الوطن بلا مستقبل الآن يوجد مستقبل باهر ينتظر كل صاحب موهبة وإمكانيات، يبدو أن لا نعمتين تلتقيان بالنسبة إلينا، ها نحن نتكيف تدريجيا لكن يبقى الوطن الأول جرحاً مفتوحاً في القلب، والوطن لا يكتمل إلا بأهله. واجهنا بعض المتاعب لكن ليس هناك أي عائق، الدولة هنا وفّرت كل سبل المساعدة، كل من يريد أن يعمل فهو قادر أن يطوّر نفسه ، إلى الآن كل شيء يسير على ما يرام. الدراسة حلمي الأول والأخير. عملت مايمكن عمله لأسرتي، لكنني أسعى الآن لأحقق مافاتني من إنجازات فنية موعودة. أمامي الكثير لأعطيه في مجال الغناء والموسيقى وحكمنا التاريخ؟

زهرة وعائلتها

لقاؤنا الثاني كان مع الناشطة الاجتماعية “زهرة اسماعيل” المقيمة أيضا في نوردهورن، (38 عاماً)، متزوجة ولديها 4 أولاد، تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً و7 سنوات، “زهرة” كردية الأصل من القامشلي في سوريا حصلت على الجنسية السورية عام 2011، لكنها لم تستطع تقديم امتحان البكالوريا لأنها كانت مكتومة القيد، تذكر أنها كانت من المتفوقات في مدرستها ولا زال لديها الكثير من الطموحات والأحلام..لم تكن تحب السفر، كانت متمسكة بالأرض التي ترعرت ونشأت فيها، لكن، وعندما بدأت الحرب في سوريا شقّت هي وزوجها طريق الهروب بما بقي منهما.

في البداية استطاع زوجها الوصول إلى المانيا، وهي سافرت إلى تركيا وكانت طريقاًً محفوفة بالخوف والمخاطر، كان هناك نزاعًاً مسلحاً بين الجيش الحر وقوات الحماية الكردية، ودّعت أهلها وتمكنت من الهرب وأولادها من سوريا، بقيت في تركيا ما يقارب الثلاث سنوات حتى استطاعت وعبر الأمم المتحدة السفر إلى المانيا حيث يقيم زوجها.. وهي إذ تفتقد لعائلتها، جيرانها صديقاتها والحي الذي كانت تسكن فيه، لكنها تمكنت هنا وبخطى ثابتة أن تحدّد دربها، وتنتقي هدفاً واضحاً في مسيرتها، فقد أعطتها هذه البلاد متنفساً من الحرية، الأمان اللذان تفتقدهما في سوريا. ورغم أنها هنا أجنبية كحالها في وطنها، إلا أنها شعرت بالانتماء لهذا البلد، وباتت أحلامها قريبة جداً من واقعها..

تقول زهرة: “لقد سمعت الكثير عن ألمانيا قبل قبل مجيئي وأن الناس هنا كالماكينة، مشاعرهم باردة، لكني بعد أن عاشرتهم اكتشفت العكس، وأصبح لدي الكثير من المعارف والأصدقاء الألمان”.
وجدت “زهرة” هنا فارقاً كبيراً (بين السماء والأرض)، بحسب تعبيرها، لقد وجدت الأمان النفسي، الاجتماعي، والمادي، هنا عندها فرصة السفر، في وطنها كانت ممنوعة من السفر، الجامعة، الامتلاك، وحتى غير مسوح لها إثبات زواجها ورغم ذلك يتملكها الحنين لتلك الأرض، وتعشق اللغة العربية التي بدورها تعلّمها لأولادها، وتعّرف أولادها وتحدّثهم عن سوريا، لكنها لن تلتفت للوراء ولا تفكّر في العودة، وهي تتمنى أن يأتي كل أهلها وأحبابها وقد تجد في حضورهم ما يعوّضها عن المكان الأصلي لـ “الوطن”. .

“أرى مستقبلي ومستقبل أولادي رائعاً ومشرقاً بإذن الله” وما يعزّز هذا الإحساس تفوق أولادها في دراستهم واندماجهم والتشجيع الدائم الذي يتلقوه من مدرستهم ومدرسيهم، وتابعت زهرة:”لقد أحببت اللغة الألمانية ولم تكن عائقا بالنسبة لي، حالياً أنا أدرس لشهادة اللغة C1 وأعمل مساعدة للمدرّسات الألمان في تدريس اللغة ألمانية للنساء المبتدئات فضلاً عن مجال الترجمة الذي أحبه وأدعم هذا بالدراسة، بالمطالعة والاندماج بالمجتمع الألماني”.
ما استطعت أن أفعله هنا ولم أفعله في بلدي هو قيادة الدراجة، في وطني من المستحيل ان اقود دراجة، الدراجة للرجال فقط.

لا التفت الى الوراء

ثم التقينا (ك. رفو) وهي أم لثلاثة أولاد، أكبرهم في الثامنة عشر وأصغرهم 9 سنوات (44 عاماً) سورية الجنسية وكوردية الأصل، عملت في سوريا لمدة عشرين عاماً كمدرّسة لغة انجليزية، وصل زوجها الى المانيا عن طريق البحر عام 2015، وحصل على حق الحماية لمدة سنة واحدة، وهذا ما جعل لم الشمل صعباً للغاية.  ورغم كل ذلك سَعَت (ك. رفو) بكل قوة وتصميم وإرادة للالتحاق بزوجها وتحقيق مستقبل آمن وأفضل لأولادها وكان ذلك، فقد سافرت إلى كردستان، حيث عملت كمدرّسة في أحد مخيمات اللاجئين الذي أقامت فيه وعائلتها، وبعد سنتين من السعي والانتظار استطاعت ان تحصل على تأشيرات لم الشمل ووصلت الى المانيا أواخر عام 2018.

تقول: “كل شيء تركته هناك دون الالتفات الى الوراء. وحيث كنت لا مستقبل لأولادي، فالسياسة هناك دمّرت كل شيء فينا وانا اريد الحرية، النور، الأمل والنجاح لعائلتي. أحن كثيراً لمدينتي، لشوارعها، مبانيها، وحتى زواريبها، لدكاكينها، محلاتها، وأحن لمكان عملي، لزملائي وزميلاتي لجلساتنا ودردشاتنا، أحن لكل شيء وافتقد الجميع، لكن كل هذا أحاول عدم التفكير فيه واعتبره ذكريات جميلة تشحنني بالحب والكثير من التصميم.

الأجمل التعرف على الثقافات المختلفة
وتابعت: لقد وجدت هنا الأمان، المساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل، والمساواة في الحقوق الانسانية. وما عرفته أيضاً هو انتفاء الواسطة، وهنا تتطورين حسب كفاءتك وقدراتك ومهاراتك وكلنا لدينا هذه الفرصة . هنا أستطيع أن أحقق أحلاماً لم استطع تحقيقها في بلادي، أطمح بتحسين اللغة الألمانية أكثر وأكثر، أكمل دراستي ،والأجمل أنني هنا أتعرّف على كثير من الثقافات الأخرى.” 

وتضيف: “علاقتي بأولادي أصبحت أكثر متانة، في وطني كانت لنا حياة أسرية واسعة تنمي الجانب العاطفي عند أولادي، لكن هنا نحن نكمل بعضنا البعض ونحاول بترابطنا أن نملأ هذه الفراغات ونعيد التوازن الى هذا الجانب المهم من حياتنا.

لقد وجدت ألمانيا أجمل من الكلام، لقد أحببتها، وتأقلمت سريعاً مع أسلوب الحياة فيها، لم أشعر يوماً منذ وطأت قدماي هذه الأرض أني لاجئة، وما سيعزّز هذا الشعور بي في المستقبل هو أن اكمل دراسة اللغة وادخل مجال العمل، حينها سأصبح مثلي مثل أي مواطن آخر هنا.”

في بلادنا لا يطبق القانون 
وأضافت: “هناك فرق شاسع بين هنا وبلادي، على كل الصعد وطبيعة الحياة وأسلوبها حتى من ناحية النظام والقانون، في بلادنا لا يطبق القانون. لقد استطعت التأقلم مع القوانين هنا وكأني جزء من هذا البلد خاصة ان عندهم تقدير خاص للطفولة، للمواهب والقدرات”.
وتابعت بحماسة ابنة العشرين: “لا أعتقد أن هذا المكان ورغم حبي له، يعوّضني عن المكان الأصلي وخصوصيته، هناك ذكرياتي، وكل الحنين ورغم ما كل ما مرّ بنا فيه، يبقى الأمل بالعودة.”
وختمت ضاحكة: “ما استطعت أن أفعله هنا ولم أكن استطيع فعله في بلادي: “ارتداء الجينز وركوب الدراجة”.

غير أن قصة أخرى كانت “لسمراء سوريا” _كما تسمي نفسها_ تقول الشابة الثلاثينية وهي سورية الجنسية والأصل: “جئت إلى ألمانيا مع بناتي الثلاث منذ حوالي 5 سنوات، ضمن برنامج لمّ الشمل الذي قام به زوجي.

زوجي على علاقة بإمرأة أخرى

لقد جئت الى هنا باحثة عن الأمان، لكن فور وصولي اكتشفت ان زوجي على علاقة بامرأة اخرى من جنسية غير عربية، وبين ليلة وضحاها وجدت نفسي امرأة مطلقة، وحيدة، غريبة وتفتقد للأمان العائلي والاستقرار النفسي. لم استطع ان أرى اي جمال في هذه الأرض فقد انفصلت عن الواقع وأصبح كل همي أن أراقب تصرفات زوجي، انتظره كل مساء لأكتشف انه دائما برفقة المرأة الأخرى. هذه التجربة ورغم قسوتها جعلتني أكثر قوة، واعتماداً على النفس. اكتشفت الفرق الكبير بين بلادي وهنا، في بلادي يخشى الرجل مجتمعه ويداريه، يخشى الأهل ولا يتمادى بتصرفاته مع زوجته وام اولاده، لكن هنا كانت له الحرية باختيار الطريق الذي يشاء دون ان يقيم الاعتبار لمشاعري واستقرارنا العائلي، ولا حول لي ولا قوة. وتابعت “سمراء سوريا” : كل مكان جميل بناسه، وطبيعي اذا جاءوا اهلي الى هنا سيعوّضوني كثيرا، لكن سيبقى الحنين الدائم لبلدي، قريتي، بيتي ولسطوحه، غرفتي ومنزلي الزوجي، لا مكان يعوّضني عن هذا الحنين. وبتفاؤل شديد تابعت: “أرى مستقبل بناتي هنا مشرقاً بإذن الله ومستقبلي هو بناتي”.

وعن العوائق التي واجهتها هنا قالت: “العائق الوحيد مشاكلي العائلية وبسبب هذه المشاكل ضاعت مني اكثر من فرصة للتعلم، وأحاول بعد هذه التجربة ان أعوّض ما فاتني”. وأخيرا قالت:” في وطني كان لدي حرية القرار والاختيار ولكن بمساندة اهلي وزوجي، لكن اليوم انا وحيدة باتخاذ القرارات واحيانا تكون غير صائبة لأنها بناء على ردة فعل وهذا ما اوقعني بسوء الاختيار، اختيار شريك للحياة اكمل معه طريقي بعد انفصالي عن زوجي”.

التقينا ايضاً بـ (يسرا. ح) “44 عاماً”. وهي أم لابنتين، سافر زوجها قبلها بعقد عمل الى المانيا، وتمكّن بعد 6 سنوات من أن يرسل في طلبها وابنتهما الى المانيا. كان ذلك عام 2010، أي قبل الحرب بسنة واحدة.
(يسرا. ح) من سكان مدينة “دمشق” كانت تعمل هناك كمساعدة طبيب أطفال تقول متنهدة: “لا أنسى مدينة الشام، أشتاقها كثيراً، نشأت فيها وتعلمت، وعملت أيضاً، كنت أتأمل شوارعها وأقبلها بعينّي وانا ذاهبة الى المطار، لم أكن أعلم ان الغياب سيطول الى هذا الحد، وأن الحرب ستأخذ كل شيء جميل في هذه الأرض”.

وتابعت: “حين وصلت إلى المانيا افتقدت للغتي، لم يكن هناك من يتحدث العربية، بقيت ثلاث سنوات في البيت بعد أن أنجبت طفلتي الثانية، كان التلفزيون لا يتحدث سوى الألمانية، زوجي كل النهار في العمل، وانا وحيدة مع بناتي لا مكان أذهب اليه، وما زاد من حزني ومعاناتي الحرب في سوريا، كنت دائمة البكاء والخوف على عائلتي، كما على أقاربي وجيراني”.
وتضيف (يسرا.ح): “استطعت التنفس قليلاً حين بدأت تعلّم اللغة الألمانية من خلال دورة يومين بالأسبوع، لأتخطّى بعد ذلك هذا العائق.

مع الوقت أدركت (يسرا. ح.) أن وجودها في ألمانيا كان خيراً لعائلتها التي تعيش تحت نار الحرب، فاستطاعت أن تساعد أخوتها بالقدوم الى المانيا عبر التعاون مع معارفها، واستقبالهم وتأمين الرعاية لهم حتى يستطيعوا الاستقرار هنا.

وقالت: “لا مكان في العالم يعوّضني عن المكان الأصلي، لقد وجدت هذه البلاد جميلة لكنها ليست أجمل من بلادي، الشام هي الأجمل وستبقى كذلك، هي روحي، قلبي، هي كل ذكرياتي وأيامي الجميلة.

وأضافت: “اللغة كانت ولا تزال بالنسبة لي هي العائق رغم أني أتقنها، وحتى الآن لا أزال أشعر بالغربة هنا، فأنا لم آخذ حقي في العمل الذي أتمناه، لكن ما أفكر فيه بناتي، ومستقبلهن، وأعلم انه سيأتي اليوم الذي أعود فيه الى سوريا”.”
وختمت قائلةً: “ما استطعت القيام به هنا هو قيادة الدراجة والسباحة، فانا لم أفكر يوماً أن أقود دراجة أو أتعلم السباحة”.

لم أكن أعلم أنه سيكون آخر عناق لأمي

ثم كان لي حديث مع الشابة (س. م.) (27 عاماً) متزوجة ولديها ابنتان، وهي ربة منزل، حالياً تدرس اللغة الألمانية، قدِمت الى ألمانيا من سوريا منذ 5 سنوات تقريباً، وتنقلت بين بلد وآخر من تركيا، الى الجزائر مروراً بالمغرب حتى وصلت الى نوردهورن شمال البلاد، تقول (س. م) والدموع في عينيها: “تركت بلدي وأهلي، ودّعت والدتي على أمل أن أجد الأمان في بلاد أخرى، ولم أعرف أنها ستكون المرة الأخيرة التي سأعانق فيها والدتي وأشم رائحتها، فقد رحلت منذ سنتين وأنا في الغربة”.

وتضيف: “رغم إحساسي بالأمان والاستقرار هنا واطمئناني على مستقبل بناتي، إلا أني دائمة الحزن، التفكير والحنين، أحن لأهلي والدفء في أحضان عائلتي، ولا شيء هنا يعوّضني عما أفتقده وأريده كل هذه المعاناة أوصلتني الى المرض. وتابعت:”وجدت ألمانيا بلداً جميلاً، بل أجمل مما كنت أسمع عنها، لكن هذا الجمال لا يعوّضني ما أفتقد، لكن من ناحية أخرى هناك الكثير من الفوارق بين هنا وبين مجتمعنا خاصة من ناحية الحرية والحقوق والواجبات.” وتابعت: “لو جاء اهلي الى هنا بالتأكيد سيعوّضني وجودهم، لكن لا يعوّض ذلك عن المكان الأصلي، هناك حيث ذكرياتي،مدرستي أقاربي وصديقاتي، كل شارع هناك له ذكرى وحكاية”.

وإذ شدّدت على عائق اللغة الألمانية، لفتت (س.م) الى أنها ترى مستقبلها ومستقبل أولادها في المانيا جيداً، وختمت قائلة: “لو استطعت ان أتخطى عائق اللغة الألمانية بسرعة، لربما تأقلمت بشكل أكبر مع واقعي هنا، أما ما استطعت أن افعله هنا ولم أتمكن من فعله في بلدي، هو قيادة الدراجة، فضلاً عن اعتمادي على نفسي بكثير من الأمور وليس الاعتماد فقط على زوجي، الذي كان مستلما كل أموري في بلدي.”

بدورها السيدة”ج.د.” 43 عاماً وهي أم لثلاثة أولاد، جاءت إلى ألمانيا، عام 2015، تخرجت في سوريا وعملت هناك كمهندسة .

تقول في لقاء صغير جمعني معها: “آخر مشهد رأيته كان وجوه أهلي في مدينتي القامشلي. أفتقد لأهلي فقط، هنا وجدت نفسي واستطاعت ان تعطيني هذه البلاد ما لم تعطني إياه بلادي، الحرية والأمان، لقد استطعت أن أدرس في مجال يشبه مجال اختصاصي، وكان لي أصدقاء ألمان ساعدوني في البحث عن وظيفة حتى أن أحدهم كان يرافقني إلى الشركات الألمانية حتى أجد وظيفة مناسبة.

تكافؤ الفرص
وتابعت: “يوجد فرق كبير بين بلدي وهنا، لقد لاحظت أن الجميع يأخذ فرصته وبشكل متساوِ أما في بلادنا لا يصل سوى أصحاب الواسطة والمال”.
“نعم وجود أهلي يعوّضني عن المكان الأصلي، أنا لا أفتقد سوى أهلي، وأرى مستقبلي وأولادي مشرقاً وجميلاً خاصة أني استطعت التأقلم بسرعة مع وضعي الجديد وتغلبت على صعوبة اللغة. وختاماًَ قالت: “استطعت هنا أن أنفصل عن زوجي وأحتفظ بحضانة أولادي، وأعيد ترتيب حياتي من جديد ، دون أن أتأثر أو ألتفت إلى كل ما كنت أسمعه حين كنت في الوطن”.

أليس في بلاد الإنسانية
ختام لقاءاتنا كان مع سيدة ثلاثينية متزوجة ولديها ثلاثة أولاد لم ترغب أيضاً بالكشف عن إسمها، لكنها تملك حساً شاعرياً وقلماً أدبياً أطلقت على نفسها إسم: (أليس في بلاد الإنسانية).
تقول هذه السيدة: “قصتي قصة إنسانة ضاعت في الوطن، فوجدت وطناً بديلاً لها”. لقد أتيت من صلب المعاناة والمأساة والحزن والعذاب، في وطني كنت عجوزاً، جسداً بلا روح”. وتابعت: “في وطني ماتت الانسانية، وانعدمت فيه حقوق الانسان ومقومات الحياة البسيطة، وكان الضياع بين البقاء أو الهروب، وكان القرار الصعب، مشيت وعائلتي في طريق مجهول، محفوفاً بالمخاطر، أقله الغرق والموت”.

اخترتُ هذه الأرض وطناً لي وتركت وطني للغرباء
لكني بعد كل ذلك وصلت إلى بر الأمان، الى أحضان أمٍ بديلة أعطتني الكثير، أ وليست الأم هي العطاء؟، وعدت طفلة بين أطفالي، طفلة مفعمة بالحيوية، النشاط، الطموح وكل الحب، شعرت باكتفاء الذات، بالرضا، ولم أشعر بأي فرق بيني وبين أي انسان يعيش تحت شمس وسماء هذه الأرض، وفي هذا الوطن البديل تُبنى الأحلام، وتتحقق. الأهداف”. نعم لقد اخترت هذه الأرض وطناً لي، وتركت وطني الأم للغرباء.
وتختم: “أنا سعيدة هنا، سعيدة بالتعرف على ثقافات جديدة، لغة جديدة، وأتمنى أن أتقن لغتها وأتجول بين مكتباتها، أقرأ كتبها بشغف وأعرفها اكثر..”.

في ختام لقاءاتنا كانت لنا فرصة التعرف الى الأستاذ المتقاعد “هاينر هويمان” وهو مدرّس وناشط اجتماعي في مجال دعم ومساعدة اللاجئين في المانيا، حيث دار بيننا الحوار التالي:

هويمان: النظام السياسي ينعكس على الاجتماعي

حدثنا عن تجربتك مع العائلات العربية والكوردية التي لجأت الى هذه البلاد وخصوصاً النساء، ترى معظمهن سعيدات هنا، ما الذي أعطاه القانون لهؤلاء النساء؟ هل ألمانيا تعطيهم ما لم يحصلوا عليه في بلادهم؟

الأستاذ والناشط الاجتماعي هاينر هويمان

– الأنظمة والقوانين في البلاد العربية تختلف بشكل كبير عنها في أوروبا، فلكل منها خصوصيته، فكيف بالنظام الاجتماعي؟ لقد أعطت هذه القوانين الحرية للنساء العربيات وحريتّهن في تقرير المصير، ولكن حين تصل العائلة العربية الى هنا يخاف الرجل أن تتحرر المرأة من خلال هذه القوانين، وهي كثيراً ما تستغلها لصالحها، ومن مفهومها الخاطئ للحرية تدمّر حياتها الأسرية، فنجد حالات طلاق كثيرة ولو أن الرجل تفّهم هذه الحقوق، وتنازل كل من الشريكين لمصلحة العائلة واستقرارها وليس الحصول على هذه الحقوق بالقوة واستوعب ما له وما عليه لتوصلا الى حياةٍ يغمرها الوئام والتفاهم والسلام”.

لماذا نرى وبشكل كبير حالات انفصال وطلاق عند المرأة العربية وبالأخص “السورية” هل تعتقد ان هناك تشجيعاً من المجتمع الألماني بهذا الخصوص؟ ماذا تقول عن ذلك كمختص؟

-إذا تحدثنا بشكل خاص عن ألمانيا، المرأة هنا تتمتع بحقوقها. فهي غير مجبرة على الزواج لإرضاء المجتمع، وغير مضطرة ان تعيش مع رجل لا تريده. أما المرأة العربية تتزوج أحياناً كثيرة لإرضاء الأهل والمجتمع، وتعيش مع الرجل في كثير من الأحيان، لإرضائهما، ولأن ليس هناك قانون ينصفها ويأخذ حقها، فهي لا تستطيع أن تترك أولادها بسبب التهديد الدائم حين الانفصال بحق الرجل بحضانة الأطفال وربما حرمانها من رؤيتهم.

أما في ألمانيا فهي تستطيع الحصول على حقوقها كاملة وأن يبقى أولادها في حضانتها فضلاً عن المؤسسات والجمعيات التي تدعمها في ذلك من جميع النواحي، خاصة الاقتصادية فهي غير مضطرة للرضوخ بمجرد أن زوجها هو الذي ينفق عليها وعلى أولادها.”

وتابع السيد “هويمان” : المجتمع الألماني لا يحرّّض أبداً على الطلاق، ولكن الخلل في مؤسسة الزواج، وعدم الانصاف في القانون يؤدي للطلاق، المرأة القادمة من دول عربية حين تأتي إلى هنا، تعرف حقوقها وواجباتها وتُدرك أن القانون هنا يسمح لها بحضانة أولادها وأنهم من حقها وأن هناك مؤسسات حكومية وجمعيات تساعدها في الانفاق عليهم، وأضاف : “بالمناسبة المرأة الألمانية في الماضي عانت من السلطة الذكورية، فعلى سبيل المثال هي لم تكن تستطيع أن تعمل بدون إذن زوجها، واليوم لا تزال في بعض المهن تأخذ راتباً أقل من راتب الرجل، وكثير من أرباب العمل لا يفضلون أن تعمل المرأة عندهم لأن لها حق في إجازة الأمومة، والتفرغ لأولادها حين المرض فهي لديها مسؤوليات عائلية لا تستطيع التخلي عنها.

سؤال أخير، هل تعتقد ان النظام السياسي ينعكس على النظام الاجتماعي؟

– نعم النظام السياسي يرتبط وبشكل كبير بالنظام الاجتماعي القوانين في ألمانيا تعدّل نفسها وفقاً للظروف والمصلحة الاجتماعية. وللوصول الى العدل الذي ينصف كل أفراد المجتمع، وهذا ما نراه في القوانين التي تشمل المرأة أيضا ويجري النظر فيها وتعديلها وفقا لاحتياجات المرأة وحقوقها”.

خاص موقع أخباركم

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق