العنف الرقمي والواقعي الذي تواجهه الصحفيات عبر الإنترنت

تبرز سلامة الصحفيات في واجهة العمل الصحفي في العالم، لا سيما وأنهنّ يواجهن مخاطر جديّة تتمثّل بتهديدات السلامة الرقمية والنفسية والجسدية، والتي غالبًا ما يكون لها تداعيات مخيفة وأحيانًا تؤدّي إلى الوفاة.

وعن أشكال المخاطر، فهي تتراوح بين المضايقات والإساءات عبر الإنترنت وصولاً إلى التهديدات بالعنف الجنسي، إضافةً إلى انتهاكات الخصوصية والأمن الرقمي واستخدام بعض التقنيات بهدف التضليل. ويمكن تسمية هذه التهديدات “العنف الجنساني عبر الإنترنت”، أي الإرتكابات المؤذية التي تتعرّض لها الصحفيات بسبب جنسهنّ، والتي يقوم بها أشخاص يكرهون النساء أو بعض الشبكات المترابطة التي تشنّ هكذا حملات أو أشخاص يهدفون إلى التضليل وبث المعلومات الكاذبة ويكونون على علاقة بدولة ما ويسعون إلى تقويض حرية الصحافة.

بناءً على ما تقدّم، أطلق المركز الدولي للصحفيين بالإشتراك مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دراسة مسحيّة عالميّة لرصد حالات وتأثيرات العنف الذي يمارس ضد الصحفيات عبر الإنترنت وفهم مظاهر وأشكال العنف الجنساني عبر الإنترنت في عام 2020، وذلك بهدف توصيف المشكلة وتفصيلها كخطوة أولى، ثم اتخاذ تدابير فعالة لمواجهتها، بعد اختبار الإجراءات الفعّالة والبحث عن الطرق التي تؤدّي إلى النتيجة المطلوبة ودراسة أبرز الأمور التي تحتاجها الصحفيات.

كيف تتعرض الصحفيات للعنف على الإنترنت؟

يتواصل تهديد النساء عبر الإنترنت وتتعرّض الصحفيات لهذا النوع من العنف يوميًا في جميع أنحاء العالم خلال استخدامهنّ المنصات الرقمية، والتي تشمل التعليقات على الموقع الإخباري إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ولأنّ مرتكبي هذا العنف يستخدمون الإنترنت كوسيلة للوصول لمبتغاهم، فإنّ العنف يلاحق الصحفيات من أماكن عملهن إلى المنزل، ما قد يؤثّر على عملهنّ وإنتاجهنّ، كما يمكن أن تلحق هذه الممارسات الأذى النفسي والضرر المهني والعنف الجسدي أحيانًا، كذلك تدفع هذه الممارسات بعض الصحفيات إلى التخلّي عن مجال عملهنّ لحماية أنفسهن.

وفي هذا السياق، تستخدم بعض الصحفيات اللواتي تعرّضن لهذه الهجمات العنيفة عبر الإنترنت مصطلحات مرتبطة بالحرب الجسدية لوصف تجاربهنّ، ومنهنّ الصحفية الفنلندية جيسيكا أرو التي قالت: “تُستهدف النساء في الحروب الإلكترونية بالطريقة نفسها التي يُستهدفنَ بها في الحروب الأخرى”.

والجدير ذكره أنّه في الفترات الأولى لظهور ما سُمي بـ”العنف الجنساني عبر الإنترنت”، لم يتقبّله مسؤولون عن مؤسسات إعلامية وشركات وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أنّ ما يُكتب هو نتيجة لإشراك الجمهور عبر الإنترنت، ورمى الجميع بثقل إدارة المشكلة ومسؤولية المواجهة على الصحفيات المستهدفات اللواتي قيل لهن “إنّ الهجمات التي يتعرّصن لها عبر الإنترنت لا تشكّل مصدر قلق حقيقي”.

ولكن فيما بعد، جرى إعداد تقارير وأبحاث حول هذا النوع من العنف وبمشاركة المجتمع المدني، ما أدّى إلى تحديده بأنّه مشكلة فعلية وتمّ الاعتراف بآثارها دوليًا، ثمّ برزت مبادرات تعاونية لدعم الصحفيات المستهدفات، قبل أن يصبح العنف عبر الإنترنت معقدًا ومنتشرًا بشكل كبير، الأمر الذي دفع إلى توحيد الجهود الرامية إلى مواجهة هذه المشكلة.

وفي مقدّمة الأمثلة على العنف الجنساني، تبرز قضية الصحفية والناشطة النسويّة كارولين كريادو بيريز التي تعرّضت لهجوم عبر الإنترنت عام 2013 في المملكة المتحدة بعد نجاح حملتها لطبع صورة الكاتبة البريطانية الشهيرة جين أوستن على ورقة نقدية، ولفتت بيريز إلى أنّها “تعرّضت لتهديدات بتشويه أعضائها وقطع رقبتها وتفجير منزلها وحرقها وأنها ستتمنى الموت”، كما تمّ نشر رابط لعنوان إقامتها عبر الإنترنت، وغير ذلك من التهديدات المرعبة التي أشعرتها أنّها مطاردة وأخافتها كثيرًا.

ثلاثة أنواع من التهديدات المشتركة

تواجه الصحفيات ثلاثة تهديدات متقاربة ومشتركة عبر الإنترنت، هي:

أولاً، المضايقات والاعتداءات المعادية للمرأة: تشمل هذه المضايقات الاعتداء والتحرش الجنسيين وتهديد الصحفيات بالعنف والاعتداء الجنسي والاغتصاب والقتل، وأحيانًا تتخطّى التهديدات الصحفيات لتنسحب على بناتهن وأخواتهن وأمهاتهن. كما تتعرّض الصحفيات لحملات يقوم بها أشخاص أو مجموعات أو شبكات، وتستهدف المظهر والجنس والمهنية بهدف تشويه سمعتهنّ والتقليل من ثقتهنّ بأنفسهن.

ثانيًا، حملات تضليل مدروسة تستغل القصص المعادية للنساء: تعتبر الصحفيات أهدافًا متكررة لحملات التضليل عبر الإنترنت، والتي تشارك فيها أحيانًا جهات حكومية، ومن أبرز ما تتضمّنه حملات التضليل هو اتهام الصحفيات بأنّ سلوكهنّ المهني تشوبه مشكلات وإلحاق الضرر بسمعتهن الشخصية ونشر صور مسيئة ومتلاعب بها ومقاطع فيديو إباحية مزيفة. ويهدف المهاجمون إلى تقويض مصداقية الصحفية وإحراجها للتراجع عن العمل والتخفيف من توجيه النقد خلال العمل.

ثالثًا، تهديدات الخصوصية والأمن الرقمي: تتضمن أساليب الهجوم المصممة للإضرار بخصوصية الصحفيات وأمنهن وسلامتهن على الإنترنت، البرامج الضارة والقرصنة والتحايل، إضافةً إلى الكشف عن عناوين سكن وعمل الصحفيات وخارطة تحركهن.

عن العنف عبر الإنترنت

يتجلى العنف عبر الإنترنت الذي يستهدف الصحفيات من خلال مجموعة متنوعة من الطرق، ولكن له عدد من الخصائص المشتركة، وهي:

أولاً، يكون متصلاً بشبكة: في معظم الأحيان، يتم تنظيم العنف عبر الإنترنت.

ثانيًا، يتعدّى العنف الصحفيات: ينتشر العنف عبر الإنترنت ضد الصحفيات ويتعداهنّ ليشمل عائلاتهن ومصادرهن والجمهور المتابع لهن.

ثالثًا، العنف الشخصي: غالبًا ما يرتبط العنف بتهديدات شخصية توجّه للصحفيات.

العلاقة بين العنف عبر الإنترنت والعنف الواقعي

ظهر نمط جديد يربط بين حملات العنف عبر الإنترنت والهجمات غير المتصلة بالإنترنت، مما يوضح أنّ نهجًا جديدًا من التصعيد في التهديد تواجهه الصحفيات حول العالم.

وفي هذا السياق، تعرّضت الصحفية الاستقصائية دافني كاروانا غاليزيا التي كانت تحقق في قضية فساد مرتبطة بالدولة، لتهديدات ومضايقات متكررة عبر الإنترنت، وبعدها قُتلت في تشرين الأول/أكتوبر 2017 إثر انفجار قنبلة كانت موضوعة تحت سيارتها قرب منزلها في مالطا.

وفيما زادت المضايقات والإساءات المرتبطة بحملات تقوم بها دول، يظهر وجه الشبه بين ما تعرّضت له غاليزيا وبين التهديدات العنيفة التي تواجهها رئيسة تحرير موقع “رابلر” الصحفية الفيليبينية ماريا ريسا، حيث أصدر أبناء غاليزيا بيانًا أعربوا فيه عن قلقهم من أنّ ريسا معرضة لخطر القتل بسبب تحقيقاتها المرتبطة بالدولة، وورد في البيان أنّ الظروف التي تعايشها ريسا، مشابهة إلى حدّ كبير لتلك التي هيأت لمقتل والدتهم.

كذلك فقد حظيت قضية الصحفية الإستقصائية الهندية جوري لانكش باهتمام دولي، بعد تعرّضها للإغتيال خارج منزلها. وكانت لانكش معروفة بأنها من منتقدي التطرف وتعرضت لانتهاكات ومضايقات كبيرة عبر الإنترنت قبل وفاتها، ولم تسلم من الحملات حتى بعد وفاتها، حيث استغلّ البعض وسائل التواصل الإجتماعي للاحتفال. كذلك الأمر بالنسبة للصحفية رنا أيوب التي تدخّل مسؤولون في الأمم المتحدة للدفاع عنها، بعد إنتشار معلومات كاذبة على الإنترنت لتضليل تقارير أعدّتها، كما انتشرت مقاطع فيديو مزيفة أسفرت عن اغتصاب وتهديدات بالقتل. وفيما تحدّث خبراء في الأمم المتحدة في بيان عن مقتل لانكش، دعوا الدولة في الهند إلى التحرك لحماية أيوب، معربين عن قلقهم من تعرّضها لخطر حقيقي بعد تلقيها تهديدات مروعة.

وفي السياق نفسه، تابعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إمكانية انتقال العنف عبر الإنترنت إلى العالم الواقعي والآثار الخطيرة لهذا النوع من العنف على الصحة النفسية للصحفيات، ثمّ أصدرت قرارًا يدين جميع “الاعتداءات التي تتعرّض لها الصحفيات أثناء ممارسة عملهن، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية، التمييز، العنف القائم على النوع الاجتماعي، الترهيب والمضايقة عبر الإنترنت وعلى أرض الواقع”.

إشارةً إلى أنّ العنف الذي يُمارس ضد الصحفيات على الإنترنت يصل إلى حد الاعتداء على حرية وسائل الإعلام وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.

مشروع البحث المشترك بين المركز الدولي للصحفيين واليونيسكو

إنّ هذه الدراسة المسحيّة التي أطلقها المركز الدولي للصحفيين واليونيسكو، أتت بالتعاون مع مركز حرية الصحافة في جامعة شيفيلد، بهدف رصد العنف الذي تواجهه الصحفيات عبر الإنترنت.

ومن خلال هذه الدراسة، سنرسم خرائط للعنف عبر الإنترنت الذي تعاني منه الصحفيات في 15 دولة، هي: البرازيل وكينيا ولبنان والمكسيك ونيجيريا وباكستان والفلبين وبولندا وصربيا وجنوب إفريقيا وسريلانكا والسويد وتونس.

وإضافةً إلى الدراسة، ينتج المركز الدولي للصحفيين بالتعاون مع اليونيسكو دراسات حالات خاصة بصحفيات استُهدفن عبر الإنترنت.

تتضمّن أهدافنا التالي:

تحديد حجم مشكلة تعرّض الصحفيات للعنف حول العالم، ومدى توسّع هذه المشكلة لا سيما في عالم الجنوب الذي لم يحظَ بدراسات جيدة.
تحديد كيف تتباين أنماط وأشكال العنف ضد الصحفيات على الإنترنت حول العالم.
دراسة تعرض الصحفيات للعنف على الإنترنت بطرق وجوانب متعددة.
تقييم فعالية الإجراءات الهادفة لمعالجة هذه الأزمة.
تقديم توصيات إلى الأمم المتحدة والحكومات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وشركات التكنولوجيا من أجل اتخاذ طرق أكثر فعالية لمواجهة المشكلة.
يأتي هذا المشروع بدعم شركاء هم شبكة الصحافة الأخلاقية ومركز دارت للصحافة والصدمات في آسيا والمحيط الهادئ والرابطة الدولية للنساء في الإذاعة والتلفزيون.

موقع شبكة الصحفيين الدوليين

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق