فخامة الحصانة..

هاني كفوري

المادة 17 : تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وهو يتولاها وفقاً لأحكام هذا الدستور.
َورد هذا النص في الدستور اللبناني على أساس أنه دستور محترم من الوزراء ومجلسهم ومَن لفّ لفّهم! لكن الأمور اختلطت عن قصد غير شريف وفهم مجلس الوزراء مجتمعاً أن السلطة هي تسلّط! وأن جميع ألحانه سوف يعزفها مجلس النواب!

وهنا برزت الحصانة لتحصين التسلّط.. وانصهر مجلس الوزراء مجتمعاً برئيسه ووقعت الواقعة بعدما استفحلت الحصانة وغابت المساءلة والمحاسبة طيلة السنوات اللاحقة لاتفاق الطائف.

وهنا انتفض المنطق وقال بصوت عال: لو لم يكن سوء النية في الأداء عن سابق تصوّر وتصميم لما كانت هنالك حاجة إلى الحصانة! فالمسؤول الشريف هو كالملح ليس بحاجة إلى من يملّحه!
وبما أنه لا توجد ارتكابات ما لم يكن هنالك مرتكب (ون/ات) فقد برز بُعد النظر وسلامة التخطيط في الحفاظ على حصانة هؤلاء! وبما أنها ليست مخصصة سوى لأهل السلطة والتسلّط فقد غفلت عن حصانة الشعب.

أما الشعب حبيب قلب المسؤولين وعدّة شغلهم وسُلّم تسلّطهم فله مهمات جمّة وخدمات جليلة في خدمة الوطن!
هو أهل الزعيم وناسه في أوقات الدوام! هو “يهوبر” إبان الانتخابات ويروّج لهذا وذاك ويعتنق الطائفية تجاه جيرانه ويتوجّه إلى “زناديق” الاقتراع ويدلي بصوته العذب! هو يرقص لفرح زعيمه دون أن يدرك معنى الفرح! ويبكي عندما يتألم وحده ويصفّق لنجاح الزعيم ويلطم لخسارته ويجوع دون أن يشبع ولو عمرت موائد الزعماء في كل الأنحاء! يثور ويهدأ عند الطلب! وفق برامج تحريضية رقمية متطورة بالتحكم عند بعد! يصاب بجروح وحروق ويستشهد أو يُقتل أو يُغتال فتبكيه أمه ويحضر الزعيم للعزاء والوجاهة المضمخة بعطور الوقاحة والبلاهة.

ليس للشعب أن يدخل القصور والممالك، آخر حدوده حارس على مدخل القصر يمنع ذويه من الدخول، وهذه ليست من مهمات البشر!

الشعب ينسى الانفجار والدماء والدمار و”البهدلة والشحار” فيما الزعيم يخطط في الليل والنهار لاستكمال الانهيار! الشعب ينتج مخدراته بيده فالحياة على الأرض باطلة والكنوز في مكان آخر أما الزعيم فيكتفي بكنوز الأرض ومتى جاءت الساعة كانت من الساعات الفاخرة!…

يمتاز الشعب بسرعة فائقة في الانتقال من الاكتفاء إلى العوز! أما الزعيم فيكنز ولا يعوز! يصاب الشعب بقوانين الضرائب والتقشَّف ويلبّي نداء الإذلال عند محطات الوقود والأفران والصيدليات! أما الزعماء فيقفزون فوق هذا كله… هل تعلمون السبب؟! إنها بكل بساطة فخامة الحصانة!

المثقفون هم أحرار في أن يحللوا المعطيات ويلقوا المحاضرات والتحليلات وإيجاد الحلول قدر ما يشاؤون. أما السياسيون فهم أحرار في اختلاق الأزمات وتسعيرها غبّ الطلب.

من غرائب هذا الزمن أن يكون فقيه الشعب صامتاً فيما سفيه السياسة يغرّد!
وفي النهاية الحصانة هي الجدار العازل بين الحكام والمحكومين… بين جنّة الفساد وأرض الرماد! فمن أوجد تلك الحصانة؟…

هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق