عندما خرجت الدجاجات قبل تصفيف شعرها

هاني كفوري

هزل وهزال!…
ليس لنا أن نقارب الأوضاع في لبنان من كل جوانبها والبلد في قلب العواصف الدولية!… كلنا يعلم كيف يرتجف البلد العاري أمام اللصوص فيما الخلاف اليوم هو على لون ثيابه للآتي من الأيام!

لكن يطيب الحديث عن النكد،، والنكد الأصيل ومسرحية الدولة عند التمثيل في معرض التدجيل.

سهِرنا الليل كمن يطلب العلا حتى بزوغ الفجر الكاذب ، وعندما غادرنا المنزل كان الفجر لا زال يتثاءب، ومشينا في طريق مقمر دون فرحة تثب بيننا حتى بلغنا مركز المعاينة الميكانيكية الوطنية العليا حيث لا وجع ولا تنهّد!

ما أن وصلنا حتى تراءت لنا أرتال السيارات المتعطشة إلى المعاينة “والبقبشة”… حشرنا المركبة الآلية بحسب تعليمات البلدية في زاروب بدت عليه علامات الذهول لهذا الازدهار المفاجئ، فتدبّر أمره ليستوعب ثلاثة صفوف من السيارات.

كانت الدجاجات لا تزال بثياب النوم ونحن نسمع شخير ديوكها فيما بدأ المنتظرون الأقدمون ينسجون صداقات الضرورة ريثما يطلع النهار وتفتح بوابة المعاينة قلبها للعاشقين!

راح المنتظرون يتسامرون ليذكروننا بمشهد التلاميذ الثرثارين أيام الدراسة الابتدائية عندما كان أكثرهم كسلاً يناقشون أمور الفروض المدرسية دون جدوى.

أما نحن فقد شاء القدر أن نركن السيارة خلف شاحنة صغيرة بدا على ركابها القلق وعدم الثقة بوفاء أضوائها وثبات موقفهم عند الامتحان، تماماً كما يحصل في التحالفات السياسية أو إبان الانتخابات النيابية، يترجلون فيعاينون الأضواء بكافة ألوانها، والأضواء تتدلل عليهم، فتنصفهم حيناً وتخذلهم أحياناً بما يزيد من حيرتهم بدل الاطمئنان! حتى دبّت الغيرة بالبطارية فبدأت تتثاءب هي الأخرى “وما حدا أحسن من حدا”!

أدركنا دون صعوبة أن تلك الشاحنة تحمل الجنسية اللبنانية بكل ميّزاتها نظراً للهزال الذي أصاب أداءها، أسَرَتنا بضع كلمات كتبت على مؤخرة الشاحنة ترفد القارئ بفلسفة صباحية تختصر عاماً دراسياً برمته.
“لا تحزن على الدنيا وما فيها… أنت ضيف على أراضيها”.
” لله در الحسد ما أعدله… بدأ بصاحبه فقتله”!

ضحكنا على العفوية في هذين البيتين وعرفنا أن الحسد هو سبب اعتلال تلك الشاحنة!!
وفتحت أبواب الجنة بعد ساعة من الانتظار، عندما خرجت الدجاجات تتدبر أمور بيوتها قبل تصفيف الشعر والمكياج! وتقدم رتل السيارات ببطء وانتظام حتى توقفنا بمحاذاة الجهة الخلفية لأحد المستشفيات الحكومية، والتي كانت تعجّ بأفراد مدجّجين بالكمامات، مع احترام التباعد الاجتماعي بانتظار التقدّم نحو فحص ال”PCR”. نحن جالسون في سياراتنا فيما هم وقوفاً يتشاورون مع هواتفهم، ما أدخل العزاء إلى قلوبنا وهانت مصائبنا أمام مصائب سوانا، دون أن ندرك ما الذي سيخفف من مصائبهم إذا تأكدت إصابتهم بالوباء!.

وتهادت عقارب الساعة ودارت دورات متتالية، وما بلغنا مدخل المركز حتى أصابها بالغثيان والدوار! وانتصف النهار والطقس فلفل حار وهنا بدأنا نعاين التسرّب الوطني والمهني فإذا بالشاحنة تبتعد عنا ليفصل بينها وبيننا رتل طارئ من السيارات هبطت من السماء! وكان في إحداها شيخ دون مشيب، لا ندري من أين دخل، لكن الأكيد أن أحد المنتظرين خلفنا ترجّل وأسمع الشيخ تقريظاً وطنياً خالصاً، فلم يصغِ هذا الأخير سوى إلى صوت الله الذي منحه نعمة القفز فوق البشر!

وعمّ الهدوء ليهجم أحد الشبان ويعرض بهجومية لافتة خدماته لتصليح ما يمكن أن يظهر في سياراتنا من عيوب تعيق النجاح وتمسح ما في الجيوب!

وقبل المعاينة المنشودة ارتأى أحد العصافير المجهول الهوية التعبير عن إعجابه بهذا الحدث الدولي العظيم، فزرق على يدنا وهو طائر في الهواء وتابع مسيره دون أن يترك لنا فرصة الثناء على صراحته أو الاحتجاج على الإهانة.

ضحكنا على هذا التعبير وأبدينا إعجابنا بهذا الصرح الميكانيكي العريق وقدرته على رفس قرارات مجلس الوزراء، ورأينا بأم العين كيف يمكن للمافيات أن تؤدي دورها في خدمة الوطن والحفاظ على السلامة العامة!

وكانت “بقبشة” فولكلورية لمستوى الانبعاثات، فتساءلنا إذا ما استخدموا نفس الجهاز يوم تفجير المرفأ… ومعاينة الأبواب للتأكد من عدم تلحيمها وعدم ولوج الأغراب إلى داخل السيارة، والتحقق من أجزاء الميزانية مع مطرقة فاستحضرنا مطرقة التصديق على الميزانيات في غابر الأيام والأحلام.

وانتهت المعاينة بشهادة حسن سلوك فتحت لنا بوابة رسوم أصيبت يوماً بالإعفاء، لكن الزمن ليس زمن إعفاء، فالوطن ينادينا…

هاني كفوري كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق