فيروس الفساد

الفساد هو الصفة الملازمة للبشر بكل الفئات الاجتماعية والعمرية في كل الظروف والأوقات! يلازم اليمين واليسار والدين (المعلن) والإلحاد (غير المعلن) والكبير والصغير والقوي والضعيف!… هو مكوّن من مكونات النفس البشرية منذ وجدت البشرية! حتى أن الله حذّر من الدخول في التجربة!

من أهم مميزات الفساد أنه يمكن أن يصيب رجل السياسة والدين والمال والأعمال والزراعة والصناعة والتجارة والمقاولات والطب والهندسة والتعليم… وكل مجال يجيده الإنسان وحتى الفقر.!

هو فيروس إلهي دون لقاح،، ولا نستبعد أن يكون الذين خلقوا الفيروسات وآخرها موضة فيروس كورونا قد استوحوه فيروساً لاصقاً من فيروس الفساد!.

هو غير مرئي لكنه ملموس، غير ظاهر لأنه يعمل في الخفاء، لكنك تلمس مفاعيله في التخلّف الظاهر!
لا يخاف الفساد من الدين، لذلك لا فائدة من ردعه بالضمير والوجدان والحساب في اليوم الأخير! لا تردعه سوى القوانين وهذه الأخيرة هي من صنع الإنسان فهي إذن عرضة للفساد!

يدخل أحدهم إلى الخدمة العامة بواسطة أحد النافذين مزوّداً بكتيّب تعليمات عن أصول الفساد، وأولى تلك التعليمات عدم الخوف من العقاب! يلج إلى الوظيفة خائفاً من افتضاح فقره وسرعان ما تغريه الوظيفة وتفسده فينتقم من ذلك الفقر لينتقل إلى ضفة الميسورين الذين لا يُسألون عن أسباب يسرهم.

يرتدي شرنقة الحماية ويستفز الناس منذ الصباح، يراقبه المنتظرون خلف المكتب وهو يرتشف قهوته ثم يصطنع عبوساً، ويبدأ نهاره بتحصيل الرشاوى وكأنها ناموس الوظيفة. يكون قبل الوظيفة قابعاً في منزل صغير بالكاد يمكنه تسديد بدل إيجاره ليصبح من نجوم الإعلام ويستقبل في دارته… وهذه الأخيرة المقصود بها تضخيم المنزل ومنحه صفة الفخامة بما يليق بالفاسد الكريم..

من صفات الفاسد التكتّم على رؤسائه ومرؤوسيه منعاً لتغلغل الفضيلة بين أركان الفساد واحترام التراتبية ولكل امرئ سعره في هذا المضمار!
أما ذروة الفساد وأثمن الأثمان فهي تجارة الدم والدموع ودق طبول الحرب والرقص حول الجثث، وشرب الأنخاب فوق الدمار والقهقهة فوق النيران، وبيع وتأجير الإيمان والأجيال مقابل الأوهام، ومن ثم النوم ملء الجفون بمؤازرة المهدئات والأفيون. أمثل هؤلاء عن الإصلاحات يُسألون؟! أفلا تعلم المنظومة العالمية أنهم فاسدون؟!

لا يخاف الفساد من القوانين لأنه يقبع خلف منظومة متشعبة من العلاقات الحقوقية والقضائية والإدارية والأمنية! منظومة لا تخلو من الثغرات التي تمنع الوصول إلى الفاسدين!

قد يقول قائل ولكن القوانين تكافح الفساد في دول كثيرة! أجل لكن بذور الفساد مزروعة في النفس البشرية وهي تنتظر ظروف الحروب والفوضى لتطفو على السطح وتطيح بكل منظومة القيم الاصطناعية في زمن السلم! فالمنظومة التي تسمح بتشديد القوانين تبقي الثغرات إلى الوقت المناسب!

أما في الدول الزاخرة بالفساد، فالفاسد يخدم تلك المنظومة العالمية عن قصد أو عن غير قصد، وهو يمارس مهنة الجابي فيجمع لها المال من الشعب ويختصر في ذاته عشرات الآلاف من البشر، وعندما تحين الساعة يسهل “تشليحه” ما جمعه وتعريته بتهمة الفساد!.

لذا يا كرام، كل كلام عن مكافحة الفساد ليس سوى إبرة مورفين تهدئ من روع الشعوب الساخطة على سرقة أتعابها وجنى عمرها. شعوب هي في الأصل تحمل بذور الفساد في ذاتها، ولا ضير أن يؤازر المورفين في تلك المهمة دعوات الدين إلى الصبر والتحمّل لعل الله يبيد الفاسدين.. ولكن هل رأى أحد منا أموالاً منهوبة ومستعادة أحدثت فرقاً إنمائياً في أحد المجالات؟

بعد كل ما تقدم ليس لنا سوى الدعاء بأن ننعم بفترة مؤقتة من عدم الفساد ، ووقانا الله وهم مكافحة الفساد واستئصاله وأبعد عنا شر المورفين وعهر الشياطين!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق