بروكلين كما رأيتُها..

بقلم حمادي خليفي
قمت بنقل أدباشي (أغراضي) دفعة واحدة على متن السيارة، من المدينة الصغيرة وسط بنسلفانيا، الى ضجة نيويورك التي لا تنتهي. حشوتُ كل حياتي الصغيرة هناك في خلفية السيارة ، ثلاث سنوات مرت كلمح البصر، وضعتها كاملة على رفوف هذه العربة.

المسافة لم تكن طويلة جداً، خمس ساعات من وسط بنسلفانيا الى نيوجرسي ثم نيويورك. هذه المسافة نفسها تختزل وطني كاملاً، ترحل بي من تونس الى جربة، كي تصبح هنا، مجرد عدد من الساعات بين ولاياتين متجاورتين.

بروكلين، حي الباحثين عن الأمل، المتعبين والمهاجرين والحالمين، وحي الطبقة الجديدة المرفّهة التي أخذت تلتهم شيئاً فشيئاً منازل الفقراء، عبر الوكالات العقارية التي تشتري البيوت، ثم تعيد بيعها بسعر خيالي، أو المالكين الجدد الذين يرفعون أسعار الإيجار بشكل مشط، ثم يقومون بطرد السكان التقليديين واستجلاب الطبقة الأخرى المستعدة لدفع الثمن المطلوب.

كانت الشقة تقع في الطابق الأرضي في حي ويليامسبيرغ، أخذت أتجول في الشوارع، باحثاً عن شيء ما. الحي يهودي بامتياز، تنتشر اللغة العبرية هنا على معظم البنايات وحتى باص المدرسة وعلامات المرور والاعلانات التجارية، كما أرى مجتمع الحسيديك هنا كاملا يتنقل في الشوارع، يمشي الرجال بقبعاتهم الضخمة، وظفائرهم الممتدة من اعلى الشعر، وبدلاتهم السوداء، بينما تلبس النساء تنورات طويلة جدا وجوارت تغطي كامل السيقان الى جانب غطاء خفيف للرأس. بدا لي هذا الحي مسروقاً من الخمسينات بلباس سكانه. واصلت المشي وانعطفت الى شارع بادفورد حيث تغير كل شيء، وتحول سكان الحي الى سود في أغلبيتهم. بعد هوينة من المشي بلغت شارع سيلك أي بدا معظم السكان لاتنيين ولم أسمع شيئا غير الاسبانية.

بدت لي الأحياء هنا عوالم صغيرة منفصلة، منعزلة جداً ومترابطة في نفس الوقت، حيث ترى التغييرات الديمغرافية تحدث أمامك بلمح البصر، أو التاريخ يتجسد في لباس حي كامل لا يزال يحافظ على طريقة عيشه قرأت أن الحاخام الأول ليهود ساتمار الحسيدية، تيتيلبوم، قد أتى الى بروكلين في السبعينات بغية جمع الأموال للمستوطنات الاسرائيلية الجديدة، غير أن الأمر انتهى به معارضاً لاسرائيل، واشترى ارضاً بويليامسبيرغ، حيث انتهى به المستقر هنا مع عائلته وطائفته التي أصبحت تقطن الحي كاملاً اليوم.

قفلت راجعاً وأنا أتضور جوعاً، كان رحلة المشي الطويلة والعزلة رائعة. أكتشف كمّ احتياجنا الشديد للصمت، والذي ننكره كل يوم بالهروب الى شاشات الهاتف والموسيقى والتلفاز والحديث مع الاخرين.
بحثت عن متجر ما لشراء أي طعام، فألفيت نفسي بجانب متجر صغير، ودفعني هناك إحساسي بضرورة دفع مالي لصاحب المحل عوض الماركات التجارية الكبيرة، على الرغم من أن الأمر قد لا يغير شيئاً.

وقعت يداي على زجاجة من الكحول وسندويتش جاهز، وهممت بالدفع مادّاً بطاقتي الائمتانية ، كي يشير لي البائع نافياً:
كاش، “أونلي كاش”.
امتعضت بسبب جوعي الشديد وحاجتي للأكل، مغمغماً: يوم زبالة
– “مفيش حاجة يا عم، خذ ولما يبقى عندك كاش تعال تاني”!

هكذا أجابني الرجل بلهجته المصرية التي، وعلى غرابة الأمر، أصابتني بالألفة. بعد أن سمع كلمة التحية العربية التي همست بها في غمرة من غضبي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق