البطريرك والحياد.. هذا ما يقوله ناشطون

وفيق الهواري
بعد انطلاقة الانتفاضة ليل 17 تشرين الاول 2019 بدأت بعض وسائل الإعلام والمجموعات الشبابية الحديث عن هوية لبنانية جامعة، وظهرت بداية تكوّن وحدة شعبية، غير أن آخرون رأوا أن ما حدث خلال الانتفاضة هو بداية لنشوء قشرة لوحدة لبنانية موعودة، وترافق ذلك مع انفجار العلاقات بين مكونات منظومة المحاصصة الطائفية، والذي يسعى كل مكون فيها لأن تسود هيمنته على البلد.

وفي سبيل إعادة ترتيب البيت الداخلي للمتحاصصين، وفي ظل التنازع بين المكونات، بدأت الشعارات التي تعيد السيادة للإنقسام العامودي بالظهور، وبديلاً عن شعار “كلن يعني كلن” و”الشعب يريد إسقاط النظام” و”استعادة الأموال المنهوبة”، طرحت مطالب وشعارات فئوية، وعلى رأسها موضوع حياد لبنان.

والحياد كان موضوع انقسام دائم بين اللبنانيين. وفي الذاكرة فإن موضوع الحياد الذي طرح في خمسينيات القرن الماضي كان يعني حياد لبنان بين العرب والكيان الإسرائيلي. كذلك كان يعني الحياد بين حركة التحرر العربي آنذاك وبين الدول العربية الخاضعة للسيطرة الاستعمارية، مع ميل ملحوظ لأصحاب دعوة الحياد لإقامة علاقات مميزة مع تلك الدول العربية. في ذلك الزمن، فإن الدعوة إلى الحياد كانت غلافاً لوعي وهوية طائفية رداً على سؤال:أي لبنان نريد. هذا الطرح السياسي لمفهوم الحياد كان دفاعاً عن مصالح طائفية يختلط فيها الطائفي بالوطني.

في دردشة لأحباركم مع بعض الشباب والناشطين حول هذا الأمر، يقول أحد الناشطين الذي فضل عدم ذكر اسمه: أن خيار الحياد أو عدمه يتوقف على السياسة التي يجب اعتمادها في خضم الصراع الدائر في المنطقة حالياً للسيطرة عليها الآن. وهذا الصراع يعود إلى ما قبل قيام الكيان اللبناني نفسه، وهو صراع بين المجموعات الطائفية المكونة للبلد، حيث تغيب مصالح لبنان الحقيقية وتسود مصالح الطائفيات المتصارعة.

ويضيف: “إننا نشهد قيام كيانات إثنية ومذهبية مستقلة ومتصارعة في الوقت نفسه، أين لبنان من كل ذلك؟ وهل يمكن أن يكون لبنان على الحياد من خطة تجزئة المنطقة؟ هل يمكن أن يكون على الحياد، وإسرائيل تقوم بأعمال حرب وخرق أجواء واعتداء على الثروة المائية والنفط والغاز؟ هل يمكن أن يكون محايداً مع صفقة القرن وخطة توطين الفلسطينيين؟ “..يصمت لحظات قبل أن يكمل: “إن الشرط الأساس لطرح موقف الحياد أن نكون في دولة قوية ديموقراطية، ولديها إجماع شعبي لهذا الطرح. وأن يكون لهذا الطرح قبولاً من المحيط، لا في حالة حرب معه.

وإلى الآن لم يشرح أصحاب الدعوة إلى الحياد، ماذا يعنون بالحياد الداعين له؟، يقولون لنا: “تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، و لكن لايشرحون كيف يرتبط لبنان بصراعات المنطقة، و من هي القوى التي تُدخله في هذه الصراعات؟ و ما هي خلفية كل منها، و هل من قوى حياد في لبنان؟ و أصلاً هل الحياد ممكن؟

ويحاول الناشط جوزيف انطونيوس شرح ما يريده البطريرك بشارة الراعي من دعوته إلى التزام الحياد، ويقول: لماذا يدعو البطريرك الراعي إلى حياد لبنان؟
منذ وصول الراعي إلى كرسي بكركي، نلاحظ أن مداخلاته غالباً ما تُعبّر عن السياسة الخارجية للفاتيكان، وهو أمر طبيعي خصوصاً لأن الفاتيكان كانت له اليد الطولى في انتخابه”.

ويتابع: “الخط الفاتيكاني منذ وصول البابا فرنسيس هو خط يدعو إلى السلام كما أن التحرّكات السياسية للبابا الحالي أكثر كثافة وفعالية من البابوين السابقين.
دعا البابا، مثلًا، محمود عبّاس وشمعون بيريز إلى الصلاة معًا في الفاتيكان، كما دعا إلى يوم صوم من أجل السلام في سوريا، وكتب إلى بوتين قبيل قمة العشرين في سانت بيترسبورغ، وذلك لتهدئة الأوضاع في سوريا، وضغط على باراك أوباما من أجل إخراج كوبا من عزلتها..”

وأضاف: “يبدو أن ما قاله الراعي يندرج أوّلًا ضمن هذا الإطار، من دون أن نبسّط الأمور ونجعل فهمها ينحصر في السياسة الخارجية في الفاتيكان. وحتى لو رفض أي حياد في الصراع ضد ما سمّاه «إسرائيل»، فإن السلام، بالمعنى البابوي، يتضمّن السلام مع الكيان الصهيوني والسلام بين إيران والسعودية وتركيا…

من ناحية أخرى، يبدو أن الراعي يحاول التصويب على حزب الله أو على الأقل، يطلب العون من أجل تحجيم دوره. ما أريد قوله هو أن الراعي يقلق من تنامي قدرات حزب يحلم بتحويل لبنان إلى دولة إسلامية، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يبدو مؤيّدًا للكيان الصهيوني.”

ويضيف : “رأيت في رسالته نوعاً من طلب النجدة، ليس هناك من يدافع عنّا في وجه الكيان الصهيوني والجماعات الإسلاموية إلا حزب الله، وهو بدوره يمثّل خطراً على الكيان اللبناني الذي نشأ ليحمي الموارنة والمسيحيين عمومًا. الحياد إذن، من دون أن نكون شديدي البراءة، هو تعبير آخر عن التخوّف من الارتماء الكلّي في أحضان إيران، بما في ذلك من خطر على الكيان اللبناني والحجّة هي دائمًا الاقتصاد.

ثانيًا: أظن أن من الخطأ الانجرار وراء القنابل الصوتية التي تطلقها قوى السلطة، والسلطات الدينية واحدة منها (أقول هذا وأنا ابن الكنيسة). لسنا مجبرين على الخوض في خطاب متسرّع والوقوع في التجربة السهلة المدمّرة، الانجرار وراء موقف حاسم: مع الحياد أو ضدّه. من هنا ضرورة الحوار بيننا بطبيعة الحال.

في رأيي، يجب أن ننظر إلى الأمور من منطلق مصلحة لبنان، ورؤيتنا للبنان الذي نريده. الثابتة الوحيدة في السياسة الخارجية اللبنانية يجب أن تكون مقاطعة الكيان الصهيوني، العداء له. لهذا يجب أن ننظر إلى الموضوع من هذا المنظار: هل على لبنان معاداة إيران؟ هل عليه قطع علاقاته بالنظام السوري؟ هل عليه معاداة السعودية؟

عندما أتحدث عن مصلحة لبنان، أقصد أن المعيار الوحيد لعلاقات لبنان الدولية، علاوة على عدائه للكيان الصهيوني، هو مصلحته. الأخوّة والصداقة والوفاء والسياسة الداخلية في الدول الأخرى، لا مكان لها في السياسة الخارجية.

لكنّ مشكلتنا أن السياسة الخارجية للبنان ليست في يد الدولة، ولم تكن يوماً في يد الدولة. إنها اليوم في يد مجموعة من الدويلات الطائفية، وقبل قيام الدولة، لا يمكن أن نأمل بقيام سياسة خارجية تحقق مصالح لبنان، كل لبنان. لا بأس، مثلًا، بالحصول على سلاح من إيران، ولا بأس من تلبية بعض شروطها، لكن لا بأس أيضًا بالضغط عليها عبر فتح قنوات دبلوماسية مع دول أخرى، السعودية ربما بل ربما أيضًا مصر، وفرنسا (التي تسعى جاهدة لحجز مكان لها في الشرق الأوسط بعد «الاستقالة الأميركية». وتركيا (لبنان ليس أرمينيا)، وليس مطلوباً معاداة تركيا بل ربما الضغط عليها أيضاً في مسألة المجازر المرتكبة ضد جماعات لبنانية، والنظام السوري (الذي كان، مثلًا، خير حليف للبنان في الحرب ضد داعش). المحرَّم الوحيد هو التعامل مع الكيان الصهيوني، لا التزاماً بالقضية الفلسطينية فحسب، بل أيضاً لأن وجود الكيان الصهيوني بحد ذاته، يمثّل خطراً وجودياً على لبنان، وهنا لا أعني به الكيان اللبناني فحسب بل شعب لبنان.

أما الناشط هادي المنلا فيقول:
“بداية لا بد لنا أن نسأل:
1 – إذا التزمنا الحياد… ما هي كيفية التعامل مع “إسرائيل”؟ خصوصاً انها جزء من محور يتصارع في المنطقة مع محور آخر، وهي عدو وجودي للبنان، واعتداءاتها عليه بدأت حتى منذ ما قبل الوجود الفلسطيني المسلح؟

2 – كيف سوف يتم تطبيق الحياد بوجود طوائف لها كياناتها السياسية المرتبطة تاريخياً بدول خارجية؟ وهي تستمد قوتها ودعمها السياسي من هذه الدول؟

3 -إذا تم تطبيق الحياد… هل يقبل مطالبوه بفتح علاقات مع سوريا وايران وروسيا والصين وتكون مشابهة ومتوازنة كالعلاقات مع الولايات المتحدة والدول الاوروبية ودول الخليج العربي؟ الذي يريد أن يكون حيادياً، عليه أن تكون علاقاته متساوية ومتوازنة مع جميع الدول في المحاور المتصارعة…

4 – الدولة كأجهزة ومؤسسات هي حيادية في الصراع القائم في المنطقة…ولا تتدخل عسكرياً و سياسياً فيه… وحتى عند أي اعتداء إسرائيلي كما حصل البارحة… فالدولة لم تصدر اي بيان… حتى الجيش التزم الصمت!! المشكلة ليست هنا… بل في دخول اغلب الفرقاء في لبنان في صراع المحاور إرضاءً لمعلميهم في الخارج… فرأينا دخول لحزب الله في سوريا واليمن والعراق… كما رأينا عقاب صقر يوزع “الحفاضات” و “البطانيات” للسوريين…

5- أما إذا قرر اللبنانييون الحياد… هل مسموح لهم قولاً وفعلاً بحكم ظروف المنطقة أن يكونوا حياديين؟”.

ويضيف الناشط اللبناني: “إذا صدقت النوايا… أعتقد أن المقصود من الحياد هو أن لا يكون البلد مرتهن لأي من دول الخارج… وهذا معناه أن تكون الدولة قوية وقادرة وذات قرار حر ومستقل تتخذه طبقاً لمصلحة البلد وشعبه… بما معناه انه قد تكون هناك مصلحة للدولة ان تكون حيادية… وقد تقتضي مصلحتها في بعض الأوقات أن تنخرط في محور وصراعٍ ما دفاعاً عن مصلحتها وعن أراضيها وعن مصلحة شعبها….

ولكن لهذا شروطه وهي غير متوفرة الآن، وأقلها يتطلب وجود سلطة وطنية قوية لا طائفية تستطيع تقدير الموقف وتضع البلد في المكان الذي يناسبه… وهذا مسار نضالي طويل، بدأ منذ عشر سنوات واستكمل في ثورة 17 تشرين، وعلينا استكماله دائماً إلى حين الوصول إلى الهدف المنشود.”

لذلك يبدو، بين الحين والآخر تلجأ بعض أطراف السلطة، أن كان في الحكم أم خارجه، إلى طرح مطلب يشكل عامل انقسام جديد بين اللبنانيين، ويعيق بناء شعب واحد في وطن واحد .ويهدّد بناء الكيان موحداً .

ومن هنا مطلب الحياد والذي لا تجمع عليه مكونات البلد الاجتماعية .
وحتما لا أحد يطرح المصلحة الوطنية العليا. حتى أن العداء وعدم الحياد تجاه الكيان الصهيوني هو وجهة نظر عند بعض المكونات اللبنانية.
بالتالي يبدو أن المطلوب هو كيف نؤسس وعياً مشتركاً للمصلحة الوطنية العليا التي تحدد جوانب الحياة التي تتطلب حياداً والتي تتطلب انحيازاً.

المؤكّد أن هذه المطالب التي تعمّق الانقسام تهدّد الكيان المتردّي أصلا بسبب النظام الطائفي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق