لبنان بدائرة العتمة: هكذا تحوّلت الطاقة الى “وقف ذري” لسلالة التيار

بيضون: الكهرباء ليست بحاجة لوضع الخطط بل الى تنفيذها

أخباركم-
دخل لبنان في غياهب العتمة مجدداً، وبات جلياً  أن الدولة باتت عاجزة عن تأمين الكهرباء للمواطن، وسط تقديرات هائلة بكلفة عجز الكهرباء الذي تكبدته الخزينة حتى اليوم، كيف حدث ذلك وما الذي أوصلنا الى هذه الحال؟

30 عاماً بعد انتهاء الحرب الأهلية، وعشرون على آخر المعامل، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة خلالها من تطبيق القوانين وتنفيذ الخطط لتحرير قطاع الكهرباء، وتحديثه بإشراك القطاع الخاص في إنشاء معامل ومحطات الإنتاج، وتطوير إدارة هذا القطاع بشكل حضاري بما يحوله الى قطاع منتج للخزينة، يوفر تغذية مستدامة ويعفي الخزينة من أعباء عجزه.

كيف كان يمكن معالجة هذه الأزمة قبل وقوع لبنان بالعتمة كلياً، وسط الأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة اليوم، ومن المسؤول عن فشل هذا القطاع بالدرجة الأولى؟

على هذا يجيب مدير عام  الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون، فيقول: “قبل كل شيء يجب التمييز في بحث الأزمة ومخاطرها والمسؤولية عنها بين فترتين: ما قبل 2005 وبعد 2005، وذلك لأن الكهرباء جرى تأمينها تقريباً 24/24 مباشرة قبل الدخول في العام 2000، بحيث توفّر التوازن المالي لدى مؤسسة كهرباء لبنان، وإنما كان يجب متابعة تطوير القطاع ليستجيب لازدياد الطلب الناتج عن التوسع السكني والمدني والتجاري، ونشوء المجمعات التجارية الكبرى وغيرها من المشاريع الصناعية والفندقية والسياحية. وهذا لم يحصل وإنما كانت المشكلة أبسط من اليوم ، سواء من ناحية التكلفة أو لناحية إمكانية توفير التمويل وقدرة الدولة على الاستدانة، وكلفة هذين الأمرين أي: التمويل والاستدانة.

فبالمقارنة مع الظروف الراهنة وبفعل الانهيار المالي الذي نعيشه، ونشير هنا إلى إقرار قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 خلال العام 2002، الذي يفترض أن يلحظ إشراك القطاع الخاص في قطاعي الإنتاج والتوزيع وإعفاء الخزينة من هدر كهرباء لبنان وعجزه، وبكل أسف لم يطبق وفقاً للأصول حتى اليوم، بسبب رغبة وزراء الطاقة بالتسلّط على القطاع وإدارة شؤونه وفقاً لرؤية كل منهم ومصالحه على حساب المصلحة العامة!

ويجب ألا ننسى حرب 2006 والأزمة التي تلتها اعتباراً من 2007 على مستوى الشلل الحكومي والفراغ الذي أصاب البلاد، وعدم إقرار موازنات عامة، حيث كانت ظروف المعالجة أصعب من الفترة السابقة.

ثانياً، اعتباراً من 2009 اختلف الوضع إيجاباً، لا سيما بعد الدخول في الاستقرار النسبي وموافقة الحكومة على ورقة سياسة قطاع الكهرباء خلال حزيران 2010، التي سميت “خطة الكهرباء” وأقرّ بعدها القانون 181/2011 الذي وفّر 1،2 مليار دولار لبناء معامل بقدرة 700 ميغاواط، وتجهيز شبكتي النقل والتوزيع وبكل أسف أصيب بانتكاسات عديدة بسبب سوء إدارة الخطة من قبل الفريق الذي تولى الوزارة منذ تلك الفترة.”

أما بالنسبة لتكلفة قطاع الكهرباء التي تحمّلتها الخزينة يتابع بيضون: ” لقد بلغت التكلفة حتى الآن ودون احتساب الفوائد وتكلفة الاستملاكات حوالي عشرين مليار دولار خلال العشر سنوات الأخيرة فقط. وإذا أضفنا تكلفة إنشاء المعامل المنفذة أواخر التسعينات، وكذلك تكلفة إعادة التأهيل وتجديد شبكات النقل، التي وحسب تقارير مجلس الإنماء والإعمار، كلفة العقود التي تم تلزيمها بين 1/1/1992 و31/12/2007، لصالح قطاع الكهرباء وحدها بلغت 1,42 مليار دولار، يضاف إليها تكلفة المعامل الجديدة في الذوق والجية، ومحطات النقل في الأشرفية والضاحية والحصاص وخطوط النقل الجديدة في مناطق من البقاع والشمال، والاستملاكات، وتسديد قروض متوجبة على المؤسسة وتسديد ثمن الطاقة المستأجرة من سوريا، فضلاً عن سلفة البواخر الأولى وأعباء المستشارين لتنفيذ حطة 2010، والاستشاريين لإعداد دفاتر الشروط وتكلفة دعاوى التحكيم والمحامين والمصالحات على دعاوى عديدة، والتي لو تم تقدير مجموعها بحوالي الخمس مليارات دولارات فقط، بحيث يصبح المجموع العام مضافاً إلى “سلفات الخزينة” حوالي 40 مليار تبسيطاً للاحتساب!”

ويوضح بيضون: “وبتقدير الفوائد المتوجبة على هذه الحصة من الدين العام، التي لو احتسبت على أساس 5 % كمعدل وسطي على نصف المبلغ على عشر سنوات، فإن حصة دعم كهرباء لبنان من فوائد الدين العام سوف تقارب العشر مليارات دولار، بحيث يقترب المجموع من 48 مليار دولار تقريباً.

يشار هنا الى أمر مهم وهو أن الثقل الفعلي أو “الحدّي” للدولار الواحد من الدين وأهميته النسبية تختلف، باختلاف قدرة الدولة على الاستدانة كما على السداد، بحيث تكون حصة عجز الكهرباء من الدين العام خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد 2015، حيث كان يجب أن يتم تنفيذ المعامل، هي أثقل وأخطر نسبياً ويمكن النظر إليها على أنها هي التي قصمت ظهر الخزينة وادخلت البلد في الانهيار المالي والمصرفي والاقتصادي!.”

غير أن بيضون يلفت الى أمر آخر تسبّب بخراب مؤسسة كهرباء لبنان وتراجع الانتاج وزيادة التكلفة وارتفاع العجز، إنه الفشل بعينه وسوء الإدارة والاستهتار والهدر!، ويعلق بيضون على دعوة البعض الى وضع المزيد من الخطط  المستقبلية فيقول: “لدينا الكثير من الخطط والتخطيط والرؤى، ومنها قانون تنظيم قطاع الكهرباء، الذي وضع الأسس لإشراك القطاع الخاص في قطاعي إنتاج وتوزيع الكهرباء، وحدّد دوراً مختلفاً لمؤسسة كهرباء لبنان في المرحلة المقبلة، واشترط لتنفيذه تشكيل هيئة ناظمة للقطاع تتابع التطورات العالمية الحديثة التي تطرأ على النظم والتقنيات على مختلف مستويات أنشطة الكهرباء، بحيث تتبنى الحكومة هذه الباقة من الأسس والقواعد والمعايير والنظم وتقرها بصيغة سياسة القطاع وتوجهاته المستقبلية ويبقى على الهيئة أن تراقب وتنظم وتعطي التصاريح والتراخيص.”

ويضيف: “كذلك هناك ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي أقرّها مجلس الوزراء خلال حزيران 2010، وقد تمّت تسميتها “خطة” كان يفترض ان ينتهي تنفيذها بنهاية 2015، وتباشر الهيئة الناظمة دورها في تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص غير أن هذه “الخطة” لم تنجز وجرى تعديلها وتطويرها و”تيويمها” خلال 2017 و 2018 و 2019، فكان لكل “صيف” خطته الإنقاذية، والحبل على الجرار.. وكذلك أقرّت الحكومة مخططاً توجيهياً لقطاعي النقل والإنتاج يمتد حتى 2030. وبالتالي فإن ما ينقصا اليوم ليس “الخطط” وإنما التنفيذ وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.!

ويتابع: “بكل أسف إن الفريق المقيم في وزارة الطاقة منذ 2009، قد أضاع فرصاً ثمينة قبل الدخول في الأزمة المالية الحالية الخانقة التي وصل اليها البلد، وجعلت من توفير التمويل أمراً شبه مستحيل على مستوى الدولة والمصارف ومستثمري القطاع الخاص الداخلي والخارجي، ولم يعد هناك من مخرج سوى بالاستعانة بدول صديقة أو بالصناديق التي تشترط لتعاونها اجراء إصلاحات جدّية في قطاع الكهرباء وغيره، وما زلنا نتحايل ونراوغ وكان آخر هذه الفصول تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان بدون رئيس، لتمرير بقاء القديم في موقعه بالرغم من مسؤوليته وشراكته بالفشل والفساد والانهيار الحاصل في المؤسسة. وقد جاء هذا التعيين بعد انقضاء حوالي العشرين سنة على مجلس الإدارة القديم ولم يفلحوا في إقناع الخارج بجدية نيتهم في الإصلاح.

ولماذا لم يتم تعيين الهيئة الناظمة حتى الآن؟، يجيب بيضون: “لم يتم تعيينها كي يبقى الوزير متحكماً بشؤون القطاع، والأغرب من كل ذلك هو أن الوزير الحالي تحدث عن “متمرنين” يسعى لتدريبهم على يده قبل إطلاق يدهم، فيما الهيئة الناظمة تتشكل في الدول الجدية من ذوي الخبرة والتجربة والمشهود لهم بالكفاءة! تصوروا رؤية الوزير وغرابتها واستنتجوا!
لبنان بأمس الحاجة لحل جدّي بعيداً عن الحسابات السياسية والمحاصصة الطائفية، نريد حلاً ولدينا تصوّر جدّي يقتضي كف يد القابضين على القطاع وهناك تصور واضح يصلح للظرف الاستثنائي الراهن.”

ويضيف:”إن حل أزمة الكهرباء اليوم بحاجة إلى التفكير “خارج الصندوق” أقصد صندوق خطط الكهرباء الذي يأسر البلاد والحكومة بسبب تعنّت الفريق المهيمن على القطاع ورفضه التنحّي “خوفاً على إنجازاته”.
إن معالجة أزمة الكهرباء لا تحتاج لعبقرية وإنما لرجل نزيه نظيف الكف، يستمع لأصحاب الخبرة والتجربة!
لقد أثبت هذا النهج المستمر في إدارة ملف الكهرباء فشله منذ اكثر من عشر سنوات، وحوّل قطاع الطاقة الى ما يشبه “الوقف الذري” لسلالة التيار وخرّيجيه ومناصريه!”.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق