فيلم لبناني طويل…

هاني كفوري
طلب المسؤول الاطلاع على آخر الإحصائيات بعد آخر مؤتمر صحفي عقده في الماضي القريب، فتبيّن له أن التفاعل باهت على مواقع التواصل الاجتماعي، والهوبرات خفُتَت، والناس منهمكون بتقلبات أسعار الصرف وجنون أسعار السلع وقتامة المصير!

فانزوى في مكتبه وأحضر مفاتيح خزانة تحتوي على ملفات كثيرة، وقرر فتح درفة “ملفات المداعبة” فاختار من بينها واحداً سحبه ووضعه أمامه على المكتب.

راح يدقّق في الموضوع والمستندات فانفرجت أساريره ثم أجرى اتصالاته مع الأفرقاء المعنيين بالملف، من سياسة وقضاء ومال وأمن وإعلام ودين، وطلب من مساعديه التحضير لعقد مؤتمر صحفي عاجل مع تشديده على توثيق المؤتمر من أجل الجولة الانتخابية القادمة!

حضر الصحافيون يملأهم الفضول لمعرفة سبب هذه الدعوة المفاجئة واللهفة إلى سبق صحفي يحرّك مياه الفساد الآسنة! دخل المسؤول دون ربطة عنق كأنه عائد من رحلة صيد الفساد للتو.

نثر أوراقه على الطاولة وعرض موضوع المؤتمر وأعلى الصوت وراح يفنّد بالوثائق – ويعرضها أمام الكاميرات – حادثة اختلاس للمال العام بمبلغ بقي تحت سقف المليون دولار، ثم ختم المؤتمر بالتهديد والوعيد وفضح المزيد.

وفي اليوم التالي تقدّم بالملف كإخبار إلى قاضي (مالي ومالك يا هوى) فاستلم هذا الأخير الملف ووعد بدراسته وتظاهر بالبت به بأسرع وقت..

تلقّى القاضي اتصالاً هاتفياً من مرجعيته السياسية، تحثّه على تطبيق القانون بشفافية، تعليمة اعتاد على فكّها بسرعة فوعد خيراً بحسب ما يمليه عليه ضميره المهني.

استدعى القاضي المتهم إلى جلسة استماع كشاهد دونما الحاجة إلى مذكرة جلب أو إكراه، وفي صباح اليوم المحدّد حضر المتّهم بكامل أناقته ودخل بكل ثقة إلى مكتب القاضي وفاح عطره في المكان، فوقف القاضي وصافحه مخالفاً قواعد التباعد الاجتماعي بسبب خصوصية الزائر.

طلب القاضي القهوة الصباحية له وللزائر، ثم جلس الإثنان يتبادلان أطراف الحديث ويطمئنان إلى أحوال بعضهما بعد انقطاع قسري. راح المتهم يداعب بين أنامله مسبحة من الذهب الخالص فانتفض القاضي وصرخ به: من أين لك هذا؟
ابتسم المتهم ورشف من قهوته الصباحية، ثم سحب من جيبه مسبحة مماثلة قدّمها للقاضي بحركة استعراضية. ثم ضحك الرجلان وطلب القاضي إحضار ترويقة الكنافة..

وبعدما فرغا من تناول الفطور، اتصلا بالمرجع المسؤول، وطمأناه إلى إقفال الملف لعدم كفاية الدليل، على أن يتم الاتفاق لاحقاً على توقيت رمي نتيجة التحقيق في الإعلام ريثما تفتر همّة المترقبين! ثم طلب القاضي من المتهم إلقاء ما تيسّر في صندوق الطائفة ليبارك رئيسها خطواته في المستقبل..

وفي الإنتظار، سعت الشاشات إلى التوغّل في تفاصيل الملف بحاجبين مقطبين ونظرات هجومية توحي بالقضاء على الفساد بالضربة القاضية! وأعلنت عن نية القاضي الحصول على المزيد من الوثائق والمستندات من أجل التوسّع في التحقيق!…
وفي اليوم الموعود طلعت نشرات الأخبار بخبر إقفال الملف، فتظاهر المسؤول المدّعي بالغضب وألقى اللوم على المحسوبيات وأرغى وأزبد، وعندما انتهى من الاستعراض، طلب المتّهم وهنأه متمنياً له التقدّم والنجاح في خدمة الوطن.

وأوعز إلى الشاشات الموالية التباهي بإنجاز لبناني طبّي جديد في دنيا الاغتراب يزيل التململ من نفوس السذّج الذين كانوا ينتظرون المحاكمة العادلة..

ثم ألقى نظرة على الإحصائيات فإذا بها ترتفع مجدداً بين موالين للمدعي ينتقدون العدالة، وآخرين موالين للمدعى عليه يؤكدون براءته ويشيدون إشادة ظرفية بالقضاء!…
ثم اتفق المسؤولون فيما بينهم على الاحتفال مطمئنين بهذا الإنجاز اللبناني الفريد…

هاني كفوري كاتب لبناني

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق