هكذا عطّل ميشال عون أهم قانون لوقف المحاصصة الحزبية والطائفية: التيار أولاً

نقطة على السطح
يسرى نعمة

في خطوة لم تكن مفاجئة لو جاءت من النائب جبران باسيل، إلا أنها جاءت مفاجئة لكونها من رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي عطّل اليوم أحد أهم القوانين الإيجابية التي تصبّ في مصلحة اللبنانيين، ومن شأنها أن تحدّ من المحاصصة الحزبية والطائفية والذي تم إقراره في الجلسة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب، وهو قانون آلية التعيينات،الذي يشكل بارقة أمل أمام اللبنانيين لرفع يد الأحزاب عن الإدارة العامة ويسهم في وضع حد للمحسوبيات والزبائنية.

وطلب اليوم رئيس الجمهورية من المجلس الدستوري، إبطال القانون النافذ حكما الرقم 7 تاريخ 3/7/2020 المتعلق بتحديد آلية التعيين في الفئة الأولى في الإدارات العامة وفي المراكز العليا في المؤسسات العامة، والذي نشر في ملحق عدد الجريدة الرسمية الرقم 28 الصادر بالتاريخ نفسه، من دون توقيعه، واعتبر أن القانون المذكور الذي أقرّه مجلس النواب في 28 أيار الماضي مخالفاً للدستور، ولا سيما المواد 54 و65 و66 طالبا تعليق مفعوله وفي الأساس إبطاله كليا. وذلك في مراجعة قدمها الى “الدستوري” ضمن المهلة الدستورية اي ضمن مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية، للتقدم من المجلس الدستوري بمراجعة الطعن بالقانون المذكور، على حد قوله.

إذن على ماذا يستند الرئيس عون في عدم دستورية هذا القانون؟

في المضمون يوضح رئيس الجمهورية أن دخول هذا القانون حيّز التنفيذ قد يؤدي إلى تأسيس نتائج قانونية عليه بمعرض التعيينات في الفئة الأولى، ويرتب بالتالي ممارسات بمثابة سوابق على صعيدي مرجعية الاقتراح وسلطة التعيين ( حيث المرجعية لم تعد فقط للوزير المختص)، ووضعاً قانونياً ودستورياً غير سوي،لمن نال موقعاً إدارياً رفيعاً في الملاك الإداري العام والمؤسسات العامة وفقا للآلية المعتمدة في القانون المطعون فيه.

وأشار عون الى نص المواد 54،65،و66 من الدستور اللبناني، وخصوصاً المادة 66 التي تشدّد على “صلاحيات الوزير بما يتفق مع السياسة العامة للحكومة ومع مبدأ المسؤولية الجماعية، ولا يُقال من منصبه الا بقرار من مجلس الوزراء، أو بنزع الثقة منه إفرادياً في مجلس النواب”.

إذن الموضوع بالنسبة للرئيس عون هو صلاحيات الوزير، التي تعطيه بموجب الدستور حق تعيين موظفي الفئة الأولى في وزارته بدون إشراك أحد في قراره، فيما أعطى القانون المطلوب الطعن به، صلاحية اقتراح أسماء تعيينات الفئة الأولى لثلاث جهات: وزارة التنمية الإدارية، مجلس الخدمة المدنية + وزير الوصاية المختص.

ولعل هذا ما لم يعجب التيار الوطني الحر، وما جعل باسيل يقول عند إقراره في المجلس النيابي:” سوف نطعن به”!.. وهذا ما نفّذه اليوم الرئيس عون، باسم الطائف كرمى عيون التيار.

لكن اللافت هو الاجتماع الأخير الذي جمع باسيل مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي منذ يومين، فهل اتفق الطرفان مؤخراً على تسوية ما يطير بموجبها هذا القانون، ويصار الى التوافق المحاصصاتي إياه في ملفات أخرى، وفق الصيغة المعتمدة أعطيني لأعطيك؟ 


وفي هذا الشأن صرّح المدير العام السابق لوزارة الإعلام محمد عبيد لموقع أخباركم، مناشداً رئيس الجمهورية ميشال عون سحب الطعن الذي تقدم به الى المجلس الدستوري، وذكّر عبيد الرئيس عون بأن اللبنانيين راهنوا على رؤيته الإصلاحية السابقة لتولّيه سدة الرئاسة، والتي كانت ترتكز على سيادة القانون والكفاءة للتخلص من الإستنسابية والزبائنية التي كرستها منظومة سلطة “الطائف”.

واعتبر عبيد أن الثنائية المستحدثة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب جبران باسيل في ما خص التسويات حول التعيينات التي شهدتها الحكومة الحالية، تظهر أن عقلية المحاصصة والزبائنية السياسية هي التي تسود وتطغى على أية إمكانية لتحقيق إصلاح إداري يعيد الإعتبار الى إدارات الدولة.

وأضاف عبيد: إن إسقاط آلية التعيين المذكورة سيؤدي حكماً الى تيئيس الشباب اللبناني من إمكانية الوصول الى أي موقع وظيفي في مؤسسات الدولة، ذلك أن الأولوية ستكون دائماً للمحاسيب والأزلام وليس الأكفاء ونظيفي الكف.

مصادر سياسية متابعة قالت لأخباركم أن “عملية إقرار قانون آلية التعيينات، هي انتصار لمعيار الكفاءة على حساب المحاصصة الحزبية والطائفية لموظفي الفئة الأولى في الدولة، هذه المحاصصة التي شلّت البلاد وعطّلت الكثير من المشاريع بسبب الخلاف على الحصص والأسماء. غير أن ما قام به عون اليوم، من طعن بهذا القانون الهام ، يشكل تعطيلاً جديداً للبلاد وانشغالاً بأمور ثانوية على حساب هموم المواطن وأولوياته في هذه الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية، حيث ينطلق الرئيس عون من زاوية مصلحة التيار  الذي أتى منه وحصته، بغض النظر عن مصلحة اللبنانيين كافة، فهو باسم الدستور  الذي حتى الأمس كان لا يزال يريد تعديله لكونه أخذ صلاحيات رئيس الجمهورية، يريد الحفاظ على حصة التيار الوطني الحر في التعيينات، وخصوصاً أن هناك تعيين قادم لمدير عام مؤسسة كهرباء لبنان، حيث وزير الوصاية هو ريمون غجر المحسوب على التيار، وهناك خلاف جذري على تسميته بينه وبين وتيار المردة، اللذان يتصارعان على محاصصة مصالح الطائفة المارونية، عند كل تعيين وعند كل تصويت، وكل مصلحة.

يذكر أن الجهة النيابية التي اقترحت مشروع القانون سابقاً هي كتلة الجمهورية القوية وكانت تهدف الى كفّ يد التيار عن التعيينات في الدولة، والنواب الذين صوتوا لصالح القانون مؤخراً هم بالإضافة لنواب كتلة الجمهورية القوية، كتلة الوفاء للمقاومة، كتلة المستقبل، ونواب آخرون من اللقاء الديمقراطي، ومستقلون، ولعل منهم من أراد فعلاً كف أيدي وزراء الأحزاب عن المؤسسات التي يديرونها فتصبح كلها بمجرد أن يتسلموها بلون واحد وشبكة فشل وفساد واحدة، وهناك من أراد تسجيل هدف سياسي.

نص المواد التي استند اليها رئيس الجمهورية :
تنص المادة 66 من الدستور اللبناني على التالي: “يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به. يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون إفراديا تبعة أفعالهم الشخصية”.

أما المادة 54  فهي تتعلق بمقررات رئيس الجمهورية ومن يشترك معه بالتوقيع، إذا تنص حرفياً على التالي، ولا أعلم ما علاقتها بأمر التعيينات ودور الوزير، إذ تنص عىلى التالي:

المادة 54- مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة.

أما مرسوم إصدار القوانين فيشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة.
وعون يبرّر ذلك قائلاً: “حيث كان من الأوثق دستورياً تفويض مجلس الوزراء بذلك، وبما أنه والحال على ما هي عليه يكون القانون المطعون فيه، لا سيما في مادته الثالثة التي يتمحور حولها القانون بأكمله، قد خالف الدستور على صعد ثلاثة:

1- مخالفة المادتين 54 و66 من الدستور بتقييد صلاحية الوزير في اقتراح تعيين الموظفين التابعين لوزارته أو العاملين تحت وصايته، وجعل هذه الصلاحية صلاحية شكلية، كما مشاركته في صنع القرار الإجرائي عند التعيين المذكور.

2- مخالفة المادة 65 من الدستور بتقييد اختصاص مجلس الوزراء بتعيين موظفي الفئة الأولى أو ما يماثلها في الإدارات والمؤسسات العامة.

3- تفويض القانون هيئة إدارية وتنفيذية صلاحيات تنظيمية، في حين أن هذا التفويض يكون لمجلس الوزراء.

ويختم في نهاية كتاب الطعن:
لهذه الأسباب، وللأسباب التي يراها مجلسكم الكريم عفواً، بعد نشره القانون بمندرجاته كافة وإخضاعه لرقابته،

نطلب:

أولاً: في الشكل: قبول المراجعة شكلاً لاستيفائها الشروط القانونية.

ثانياً: إصدار القرار بتعليق مفعول القانون المطعون فيه.

ثالثاً: في الأساس: إصدار القرار بإبطال القانون المطعون فيه إبطالاً كلياً للترابط بين مواده، وذلك لعدم دستوريته، لا سيما لجهة مخالفته أحكام المواد 54 و65 و66 من الدستور.

المفارقة أن الرئيس عون المدافع الحالي عن بعض مواد هذا الدستور، هو الذي يشتكي منه دوماً ويطالب بتعديله، وقد تجاوزه وزراء تياره مراراً، وهو الذي قام بحلّ البرلمان اللبناني عام 90 عندما كان على رأس حكومة عسكرية بصلاحيات رئيس جمهورية، أثناء اجتماع المجلس النيابي في الطائف وهو يناقش وضع هذا الدستور، رافضاً له جملة وتفصيلاً، معتبراً أن ذاك المجلس المنعقد مع ممثلي الأحزاب المتصارعة ، لرسم صورة لبنان الحالي ودستوره ما بعد الحرب الأهلية غير شرعي، قبل أن يتم ترحيله ليلاً على متن طائرة هيليكوبتر فرنسية حملته من قصر بعبدا تحت وابل من قصف الجيش السوري لاجئاً الى السفارة الفرنسية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق