أميركا: كل هذا العنف ..هل ينهي ولاية ترامب؟

يسرى نعمة 
المكان : الولايات المتحدة الأميركية، المناسبة: احتجاجات شعبية واضطرابات وأعمال شغب وعمليات قمع من الشرطة، الأسباب: العنف والعنصرية، السبب المباشر مقتل جورج فلويد ذي البشرة السوداء على يد ضابط أبيض. المطالب: محاسبة القتلة وإنزال أشد العقوبات بهم، ووقف نهج التمييز والعنصرية حتى يتوقف موت “السود” والأقليات.

هذا الأمر ليس غريباً، لكن المستغرب هو طريقة تعاطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب معه. فعقدة التفوق الأميركية والعنجهية هي مرض متأصل في كثير من نفوس الأميركيين وخصوصاً النافذين، ومنذ عهد الاستعمار والعبودية، ولم تتمكن القوانين من إزالته.

هذه البلاد التي يطرح قادتها أنفسهم بأنهم أرباب العالم وحامو الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية، ويمنعون معاداة السامية، فيما يرزح سكان الشوارع الخلفية، ومجتمعات الأقليات تحت ضغوطات اجتماعية وسياسية وأمنية بسبب هذا النهج السائد، والذي غذّاه قدوم ترامب وإدارته، ليس فقط عبر القوانين المتعلقة بالهجرة والسفر وحصرها بدول معينة، بل لسلوكه في التعاطي مع دول العالم والمؤسسات الدولية  والاتفاقيات والمعاهدات، حتى الآن، ألغى ترامب وشطب علاقة بلاده مع  12 مؤسسة ومنظمة عالمية، بينها منظمة الأونيسكو واتفاقية الاحتباس الحراري، وآخرها منظمة الصحة العالمية، كما أن خطاباته وتغريداته لا تخلو من نكهة مشبعة بالعنصرية.

تغريدة ترامب السوداء
آخر مظاهر العنصرية، هو سلسلة مواقفه الأخيرة التي كشفها عبر تغريداته التويترية، وإحداها  ضاعفت من حدة الأزمة وألهبت الشوارع وأشعلت العلاقة بينه وبين إدارة “تويتر” والتي اتهمته فيها بأنه يدعو الى العنف.
بالواقع فإن وصف “تويتر” بأن تغريدته “مدعاة للعنف”  يبدو مخفّفاً، فالتغريدة كشفت عن تعطش  للديكتاتورية وعنصرية عميقة، حيث استعار ترامب تعبيراً شهيراً لضابط شرطة  قديم معروف بعنصريته، قاله عام 1967: “عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار”. 

“When the looting starts, the shooting starts.” وهو أتى كردٍ على أعمال النهب والشغب التي تعرضت لها مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا على أيدي محتجين فقراء الذين يشعرون بالغضب والغبن والظلم.

تعامل ترامب مع الأزمة بطريقة رعناء وحمقاء، غير مسؤولة، وبعنجهية وفوقية مفرطة، فاقمت من حدة الأزمة، لا بل كرّس للعنصرية المرفوضة من المحتجين بتغريداته المتواصلة، عوضاً عن استقطابهم وامتصاص غضبهم، وأحدث لنفسه هوةً ضخمة وساتراً مرتفعاً بينه وبينهم. تجلّى ذلك عندما راح  يهدّد المحتجين بالكلاب الشرسة في البيت الأبيض تارةً،  وبنشر الجيش ودفعه لاستخدام القوة غير المحدودة لقمعهم ومواجهتهم طوراً آخر، ليكتمل المشهد في ما بعد عندما عمّمت  وزارة العدل أن من يقوم بأعمال الشغب هم يساريون ومتطرفون، واندسوا بين المتظاهرين السلميين، في “عذر هو أقبح من ذنب.”

مضمون هذه التغريدات الحمقاء ينمّ عن جهل وسوء دراية، ويخلو من الحكمة وحسن الإدارة والتعامل مع الأزمات، صفات لا تجدر برئيس حاكم في البيت الأبيض، ولا بأي بيت على الكرة الأرضية. كيف لا؟ فهو في أحد مقابلاته عندما ُسئل ما هو كتابه المفضّل قال متبجحاً أنا لا أقرأ!.  كل هذا كان كفيلاً بإلهاب الشوارع والساحات وفجّر غضباً شاسعاً وصل الى 20 ولاية، وراح المحتجون يشعلون النيران في المحلات والسيارات والآليات العسكرية ويقطعون الطرقات، وقابلها مواجهات وعمليات  قمع من قبل عناصر الشرطة في مدن مختلفة ولا تزال مستمرة للحظة كتابة هذا المقال.

العنف

هذا ما يؤكد أن أشكال التمييز والعنصرية لم تتلاشَ في الولاياتِ المتّحدة نهائياً، وهي بأبشع حالاتها وتصل الى الدموية. فإذا كان تصريح وخطاب أعلى سلطة مفترضة في العالم يدفع باتجاه التصعيد وقمع التظاهر والسيطرة على المتظاهرين بقوة الرصاص، أين مناداته بحرية التعبير والتظاهر؟ المفروض أنها تطرح نفسها دولة القانون والحريات، والحقوق العامة، فكيف سيكون الأمر عليه لو كان مثل ترامب على رأس دولة في العالم الثالث؟.

القانون  والعنصرية
لقد باتت إفرازات وتداعيات العنصرية جزء من حياة السود والأقليات التي تتحدر من أصول لاتينية وعربية، وقد أكدت ذلك دراسة للأمم المتحدة أجرتها مع شبكة حقوق الإنسان عام 2018 التي قالت “أن العنصرية تتغلغل في جميع جوانب الحياة وتمتدّ إلى جميع الأعراق غير البيضاء في أميركا”. 

وعلى الرغم من وجود القوانين التي تمنع التمييز والعنصرية في البلاد، إلا أن عقدة التفوّق والتميّز والشعور بالأفضلية لدى الأفراد وخاصة المتحدرين من أصول أوروبية ومن أعمار مخضرمة، لم تُقتلع من صدور الكثيرين، وخصوصاً ممن يتمتعون بنفوذ، ولديهم الصلاحيات أي ممن يشغلون مناصب في مراكز أمنية أو سياسية أو أصحاب مصالح وأرباب عمل، رغم أن الأميركيين العاديين قد يتبنون وجهات نظر  مختلفة عن هؤلاء النافذين.

ماذا يريد هؤلاء المحتجون؟
بحسب إفادات بعضهم على شاشات التلفزة، هم يعتبرون أن الشرطة لا تزال تتباطأ، رغم أنها ألقت القبض على الضابط  قاتل فلويد وهو ديريكت تشوفين، إلا أن الادعاء العام وجّه له تهمتين من الدرجة الثانية والثالثة، ولم يعجب هذا الحكم المحتجين، إذ يرون أنه مخفّف ويجب أن يحصل على عقوبة مشدّدة، أي حكماً من الدرجة الأولى والتي تعني “مع سبق الإصرار والترصّد”. 

ويطالب المحتجون أيضاَ بأن يتم القاء القبض على ثلاثة عناصر آخرين، ضالعين في الجرم كانوا في موقعة الحادث،  فتشوفين ظل جاثماً بركبته فوق رقبة فلويد لمدة أكثر من 3 دقائق و36 ثانية، كان وقتاً كافياً لخنقه ولفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يستغيث قائلا:”أرجوكم، لا يمكنني أن أتنفس”   “Please i can’t breathe” ، فيما أحدٌ منهم لم يتحرّك ولم يوقف تشوفين عن فعلته.

بيغ جورج،، الضحية جورج فلويد

على حسابها عبر “تويتر”  نشرت مجموعة “حياة السود مهمة” Black Lives Matter، فيديو، لعله يختصر كل المأساة ببضعة كلمات ومجموعة من صور ضحايا القتل والاستبداد.

“يا إلهي إنه يوم آخر من الآلام  نبدأه وجورج فلويد قد رحل عن هذا العالم على يد شرطي وضع ركبته على رقبته حتى غادرته أنفاسه، وهو الذي يستحق الكثير. 

 تجريم ذوي البشرة السوداء والبنّية، وجرائم القتل بحقهم ليست جديدة في أميركا، الجديد بالأمر أنه يتم تصويرها. كم حياة يجب أن تؤخذ منا حتى تتمكنوا من فعل شيء؟

نحن لا نشكل تهديداً، إنني ارتجف وأنا أطبع هذه الكلمات، هذا الاستبداد يجب أن يتوقف..
نحن مرضى، نحن نريد فقط أن نكون على قناعة، بأن جميعنا سوف يعيش، وهذه القناعة لا يمكن أن نحصل عليها حتى يتم اعتقال ومحاسبة القوى الموجودة حالياً.
لا تشيح بنظرك عن الحقيقة حتى يصبح كل فرد منا حراً من استبداد أبيض، فالعالم سيقف الى جانبك.”

أشكال التمييز
اختزلت هذه الكلمات البسيطة مشهداً من مشاهد المأساة التي يعانيها هؤلاء. وسيادة التمييز، الذي يتخذ أشكالاً مختلفة، فإذا كان الأمر يتعلق بحكم قضائي يصل الى حد تخفيف الحكم مثلاً على متهم “أبيض” البشرة تحت تبريرات مختلفة، فيما يتم تشديده على شخص “أسود” أو لاتيني في كثير من المحاكم الأميركية التي تعجّ أيضاَ بقضاة تعودوا على سلوك هذا النهج. كذلك الأمر يتعلق بأفضليات العمل والتوظيف وحتى الحصول على الشهادات وتوفر الفرص.

وخلال أزمة انتشار وباء كورونا، تفاقمت هذه المأساة، إذ تشعر نسبة كبيرة من الأميركيين المتحدرين من أصول أفريقية أو لاتينية أو عربية بالتفرقة والتمييز لجهة حصولهم على العلاج أو أولوية نقلهم الى المسشفى، وهذا أعلن عنه بعض الأشخاص عبر شبكة الـ CNBC والـ CNN في اليومين الأخيرين، كما نشرت صحيفة دير شبيغل الألمانية في عددها أمس، “أن السود والأقليات مستهدفين ليس من عناصر الشرطة وحسب، بل حتى خلال أزمة كورونا هم مظلومين وغير محميين، ويتم تجاهلهم، لا بل قام ترامب بمضاعفة الأزمة حين أجبر بعض الأقليات وأكثرهم سود، التوجه الى أعمالهم في واشنطن.”

وبغض النظر عن الاحتجاجات والمآل الذي ستصل اليه، فإن السؤال الطبيعي هنا، ترامب نفسه الى أين هو ذاهب اذا كان  يطمح للنجاح في الانتخابات؟، وهل ثمة من ترك ترامب يتخبط بسياسته وحيداً، بدءاً من سوء إدارته لأزمة كورونا مروراً بقطعه علاقة بلاده مع منظمة الصحة العالمية واستعدائه الصين، وصولاً لهذه الأزمة من أجل إسقاطه بحفرة أعماله وأخطائه، أم أن هناك فعلاً خطأ ما ما لم يتنبّه له المستشارون ورجال الاستخبارات وإدارة البيت الأبيض من خلفه؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق