بالوثائق -كذبة وفضيحة قضائية: وزيرة العدل تعلن صدور “دليل” لاستعادة أموال الأجانب من اللبنانيين وليس العكس

في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان التركيز على وضع قوانين واستصدار قرارات لاسترجاع أمواله المنهوبة والمودعة في بنوك أجنبية مثل سويسرا وبناما والجزر البريطانية العذراء، تركّز وزارة العدل في حكومتنا المحترمة على تنظيم العمل بين لبنان والدول الأجنبية والمؤسسات الدولية من أجل تسهيل الملاحقة القانونية لصالح هؤلاء، بهدف استرجاع أي أموال لجهات أجنبية  في لبنان تحت بند: مكافحة الإرهاب ، مكافحة الفساد، مكافحة تبييض الأموال!
وهكذا يستمر الكذب على اللبنانيين والإمعان في سياسة تضييع الوقت ومحاولات الاستخفاف بعقولهم، وقتل أي فرصة متاحة لمحاسبة الفاسدين والاقتصاص من سارقي المال العام والمتسببين بهذا الانهيار الدراماتيكي الذي وصلت اليه البلاد على كافلة المستويات: الاقتصادي، المالي، النقدي، الاجتماعي، النفسي، القضائي، الصحي، والبيئي، وكل ما له علاقة بمقومات الحياة البشرية، وكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية بالعيش الكريم!

فأمس، خرجت علينا وزيرة العدل ماري كلود نجم عبر التويتر فرحة مزهوة بإنجازها العظيم، عبر تغريدة أعلنت فيها عن إنجاز “وهمي” إسمه “دليل التعاون الدولي مع الجمهورية اللبنانية لاسترداد الأموال المتأتية عن الفساد”، يفرح أحدنا للوهلة الأولى من هذا العنوان البرّاق، ليتبين لاحقاً وبعد قراءته والتمعّن في فقراته، أن هذا الدليل في الواقع على أهميته القانونية، لكنه باِلنسبة للبنانيين المتعشمين بمكافحة الفساد واستعادة أموالهم التي نهبت وهدرت، ليس إلا لعب على الكلام واستفحال في الاستخفاف بعقولهم، فهو ليس سوى “دليل” يجيز للجهات المانحة والدول الأجنبية استعادة أموالها التي منحت للبنان سابقاً وليس العكس، وهو دليل يساعدهم في استعادة الأموال التي منحت للبنان لتوظيفها في مشاريع البنى التحتية والتي تم نهبها أو هدرها ولم توظف بمكانها، وليس لاستعادة أموال اللبنانيين من الفاسدين الذين أودعوا أموالهم في البنوك الأجنبية، كما يجيز للمؤسسات الدولية وجهات أجنبية تحت بند مكافحة الإرهاب والفساد وتبييض الأموال مصادرة أموال تلك الجهات في لبنان، وعبر ثلاث قنوات رسمية: وزارة الخارجية، وزارة العدل، وهيئة التحقيق الخاصة بمصرف لبنان وهذه الأخيرة هي الجهة الوحيدة المتاح لها رفع السرية المصرفية عن الحسابات.

إن هذا “الدليل” الذي أنجزته وزارة العدل بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، وبالاشتراك مع لجنة من القضاة، أرادت الحكومة اللبنانية ومن خلال وزارة العدل على ما يبدو أن تقوم به خدمة لعيون صندوق النقد الدولي، ولتعزيز موقعها التفاوضي معه، وهو بذلك بمثابة تقديم أوراق اعتماد لصندوق النقد الدولي من أجل الافراج عن تسهيلات متوقعة، لكن هذا بالواقع ليس سوى تسهيلات من أجل وضع رقبة لبنان تحت مقصلة الصندوق الدولي.

ويعلم معظمنا أن صندوق النقد كما الجهات المانحة  يمارسون ضغوطات على الحكومة اللبنانية، للقيام بإصلاحات جذرية في ملفات وقطاعات اقتصادية رئيسية مثل تخفيف نسب العجز في الكهرباء، وإيقاف التهريب والتهرب الجمركي، حيث أن تلك الإصلاحات سوف تفسح في المجال ليس فقط في تحقيق وفر ما يؤهل لسداد الديون التي ستستحق على لبنان، بل أيضاً تجيز للدول الأجنبية استعادة أموالها التي هدرت ونهبت في لبنان.

والأسئلة التي تنشأ هنا، لماذا هذا الدليل في هذا الوقت بالذات؟ أين دور الحكومة ووعودها في استعادة أموال لبنان التي نهبت وحوّلت الى الخارج؟ لماذا لم تقم مثلاً حتى الآن بالحجز الاحتياطي على أملاك بعض السياسيين ورجال الأعمال ممن تحوم حولهم شبهات فساد ونهب وهدر واستغلال نفوذ؟ لماذا لم ترسل وزارة العدل أي طلب لأي حكومة تعاملنا بالمثل من أجل إلقاء الحجز الاحتياطي على أملاك أو ودائع السياسيين ورجال الأعمال والنافذين الذين تحوم حولهم شبهات فساد حتى الآن؟

لماذا التركيز الآن على إصدار دليل لتنظيم العلاقة بين لبنان والمؤسسات الدولية لتحديد أحكام وكيفية استرداد الأموال من لبنان للجهات الأجنبية عبر الأنتربول ومؤسسات دولية أخرى، والإتاحة للدول الأجنبية تنفيذ أية عملية عبر الأطر القانونية تحت بند محاربة الإرهاب ومكافحة الفساد؟ فيما المطلوب حالياً وبشكل فوري التركيز على تنظيم العلاقة بين لبنان والخارج من أجل استرجاع الأموال المنهوبة  والمودعة في بنوك سويسرا وبناما والجزر البريطانية العذراء؟

وهل سيدفع لبنان فاتورة الدين  وخدمته  المتراكمة مرتين؟ مرة عندما أنفقت القروض والمنح في غير مصلحة اللبنانيين وذهب معظمها الى جيوب السياسيين والشركات المحسوبة عليهم الذين حصلوا على عقود بالتراضي وصفقات من أجل تنفيذ تلك المشاريع التي منها ما لم يرَ النور، وأخرى لم ينفذ منها الا بنسب تتراوح بين 10 و20%؟ ومرة لدى استعادة الجهات المقرضة والمانحة لأساس دينها الذي لم تنفقه الحكومات السابقة في مكانه الصحيح؟.

وفي هذا لفت مصدر لموقع أخباركم للعريضة التي وقّع عليها كثير من اللبنانيين عندما انطلقت ثورة 17 تشرين، من أجل استعادة الأموال المنهوبة والتي من المفترض أن يشرف عليها الاتحاد الأوروبي عن طريق ناشطين وحقوقيين لبنانيين مقيمين في أوروبا، محذراً منها، إذ أن تلك العريضة تتيح للاتحاد الأوروبي وبشكل قانوني بوضع اليد على تلك الأموال في البنوك الأوروبية وتجميدها أو مصادرتها لصالح الجهات المانحة، وأن هذا الدليل من شأنه أن يسعفهم في تحقيق هذا الغرض قانونياً، وبموافقة هذه الحكومة الضعيفة والتي تسير كأبله يتلمّس طريقه تائهاً، مع الإشارة هنا الى عبارة “الأموال المتأتية عن الفساد”، البديلة عن عبارة “الأموال المنهوبة” وهي عبارة تتماهى مع شفافية الغرب والقصد الدقيق منها، وقد بدأنا نسمعها من مسؤولين لبنانيين مؤخراً، حيث أن الجهات المانحة أكثر شفافية في تحديد المسمى القانوني لهذا الأمر، ما يتيح لها الاستفادة قانونياً من الدليل الذي صدر عن وزارة العدل، بينما كلمة “منهوبة” فهي تعني حصراً نهب مباشر وداخلي.

كان من الأجدى على وزيرة العدل أن تكون أكثر شفافية ومصداقية، وتقول دليل استعادة الجهات المقرضة والمانحة لأموالها التي هدرت في لبنان، أو دليل لمن يريدون مصادرة أموال اللبنانيين تحت مزاعم مكافحة الإرهاب والفساد وتبييض الأموال، ولا أن تشبعنا كلاماً جميلاً عن مكافحة الفساد، أوعن استرجاع “أموال متأتية عن فساد”، فالدليل  الذي أعلنت عنه واضح، وما جاء به هو دليل على الدليل.

للاطّلاع على النص الكامل للدليل اضغط أدناه

دليل التعاون الدولي لمكافحة الفساد وزارة العدل

وللاطلاع على النقاط  والفقرات التي تؤكد أن هذا  “الدليل” يساعد الجهات الأجنبية على استعادة أموالهم من لبنان انظر للوثائق أدناه

أخباركم 
يسرى نعمة 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق