كشف المخطط الروسي: كيف تساوم روسيا سوريا على إعادة إعمارها

ناجي أمهز
لم يعد خافياً على أحد بأن روسيا الاتحادية التي تنظر الى سوريا على أنها فرصة لا تعوّض من أجل استعادة مكانتها في العالم من خلال أزمة الشرق الأوسط بكافة تعقيداتها.

والذي يتابع الملف الروسي يعلم بأن روسيا مستعدة أن تفاوض على كل شيء من أجل مصالحها، ومن خلال سرد بعد الحقائق التي هي واضحة كوضوح الشمس في نهار مشرق محاط بكشافات نووية، يمكننا تأكيد ذلك وبدون أي مبالغة.


أولاً: الذي يسمع بعظمة روسيا الاستخباراتية وأجهزتها المتعددة والمتنوعة ومنظومة تجسّسها وأقمارها العسكرية التي ترصد العالم الدقيقة بالدقيقة، يحق له ان يتساءل بنفسه هل كانت روسيا تعلم ماذا يحضر لسوريا قبل عام 2011؟ وإن كانت تعلم، لماذا تأخرت بالتدخل لإنقاذ الوضع السوري الذي هو حليفها الطبيعي، أو بالأحرى لماذا لم تقدم ما لديها من معلومات أو لتحذّر القيادة السورية؟، قبل هذا الهجوم الإرهابي التكفيري البربري على سوريا قلب العروبة النابض، وإن كانت روسيا لا علم لها بما كان يحضر ،إذن على روسيا ومكانتها السلام، أو يمكن القول من باب السياسة ان روسيا كانت تعرف كل شيء لكن كانت تتحين الفرصة كي تستفيد من هذا المتغير لتعزيز دورها، وهذا حقها بلعبة الأمم على حساب كل هذا التاريخ والتحالف، لكن حينها لا يمكن ان نقول عن روسيا أنها صديق أو حليف بل انها ضرورة موازين القوى.

ثانياً: منذ بداية الأزمة السورية والعدو الصهيوني يعربد في سماء المنطقة ويقتل ويدمّر في سوريا، وأحياناً يقصف بالصواريخ الباليستية، ومع ذلك لم نسمع موقفاً روسياً واحد يحمل بطياته الانزعاج الحقيقي، من إعتداءات اسرائيل، بل لو حسبنا عدد زيارات نتنياهو الى روسيا لوجدناه جلس مع بوتين أكثر مما جلس مع حكومته، ولا أحد ينسى التحليلات التي طالما أطلقها المحللون الاستراتيجيون الفسفوريون حول منظومة أس 300 وأس 400 وأس 500، وطالما رقصوا ودبكوا على هذه النغمة، وحتى هذه اللحظة لم نشاهد صاروخاً واحداً، ولا حتى أس 100 يعترضها، ولو كانت روسيا ترسل هذه المنظومة على ظهر السلاحف لوصلت الى سوريا، بينما لم تتأخر روسيا ببيع منظومة الصواريخ أس 400 الى تركيا في حزيران من عام 2019، والتي بدورها سلّمت شيفرتها للأمريكيين، حتى عندما سقطت الطائرة الروسية في عام 2018 بنيران الطائرات الاسرائيلية، كل ما قام بفعله بوتين انه أعرب عن استيائه، ولم يصدر شيئاً حتى هذه اللحظة عن التحقيقات بسبب سقوط هذه الطائرة، ولم توقف اسرائيل عدوانها على سوريا بل انها تعلّم الروس بمواقيت هذه الاعتداءات.

ثالثاً: حتى عندما أسقطت تركيا الطائرة الحربية الروسية عند الحدود السورية، وبالرغم ان روسيا ارعدت وعطست وحردت، إلا ان بوتين لم يتجرّأ على فعل أي شيء بل وجدناه يسمح بتوسع النفوذ التركي بالمنطقة وكما قلنا باعه منظومة أس 400.ومؤخراً قام الإعلام بالتركيز كيف جعل بوتين اردوغان ينتظر، وحسَبَ الدقائق، ونسينا ما قدمه بوتين لأردوغان بالسر والعلن، بل ان الذي كرّس أردوغان قوى أمر واقع محتل لجزء من الخارطة السورية هو السياسة الروسية.

رابعاً: لو عدنا بالذاكرة قليلاً الى الوراء وتذكرنا من أنقذ محمد بن سلمان في قمة العشرين لوجدنا ان بوتين هو الذي انقذ محمد بن سلمان، في وقت لم يكن دونالد ترامب ولا أحد من زعماء العالم يرمي التحية على محمد بن سلمان بسبب مقتل خاشقجي، جاء بوتين وأخذ يمازحه ويسلم عليه، بل عقد معه صفقة أسلحة عام 2019 والتي استلمتها السعودية من نفس العام عرفت بقاذفات اللهب المدمرة كي تقصف السعودية بها الحوثيين الذين هم رأس حربة في الحلف الذي يُحسب لروسيا أنها تسانده.

خامساً: كل الدراسات تشير ان الذي افتعل أزمة النفط في سوريا هم الروس من أجل الضغط لتوقيع عقد الاتفاقية حول ميناء طرطوس، مع العلم أن الروس هم ثاني بلد مصدّر للنفط عالمياً، إلا أنهم تذرّعوا أنهم غير قادرين على كسر الحصار المفروض على سوريا كي تمدّها بالنفط الا اذا حصلوا على مرفأ طرطوس.

سادساً وسابعاً وعاشراً، يمكن لأي متابع أن يحتسب ما جناه الروس من تواجدهم في سوريا، وما جناه محور المقاومة وسيدرك ان الرابح الوحيد هم الروس الذين لم يستحوا ان يطالبوا الحكومة السورية ببعض الديون، في أكثر الأوقات حرجاً، وبالفعل نجحت الحكومة السورية الرشيدة بسد كافة ديونها بينما العالم يغرق بالديون، ولكن ألا يحق لنا أن نسأل الروس لماذا طالبوا الحكومة السورية بالديون، إلا إذا كانوا يعتقدون بأن الحكومة السورية غير قادرة على تسديد الدين من أجل افتعال أزمة سياسية.

لا يختلف اثنان بأن روسيا تبحث في سوريا بالإضافة الى مكاسبها السياسية عن مكاسب مالية لان المال والسياسة لا ينفصلان عن بعضهما، وكما أصبح معلوماً للجميع بأن روسيا رفعت كلفة إعادة إعمار سوريا من خمسمائة مليار دولار الى ثمانمائة مليار دولار، وهناك حديث أن المبلغ الذي يتم البحث حوله قد وصل لألف مليار دولار، ويقال بان هذا المبلغ أصبح جاهزاً لكن بشروط لا داعي للكلام عنها، لأني تكلمت عنها سابقاً في مقال نشر في عام 2018.

كما أن قصة تحوّل روسية اليوم الى دولة تقوم على المسيحية الأرثوذكسية بعد أن كانت دولة لا تعترف أصلاً لا بآله أو بخالق يذكرنا بقول الشاعر الذي تكلم عن حنون اليهودي الذي اعتنق الاسلام حيث ما زاد حنّون في الإسلام خردلة —- ولا النصارى بكت لفقد حنّون، أصلا، الجميع يعرف بأنه لا يمكن الدخول الى خارطة المنطقة اقليمياً، إلا من البوابة الدينية ولماذا لا نستبعد هذه الفرضية عن روسيا؟

ألا يحق لنا أن نسال أصحاب سيمفونية مجموعة البريكس أين أصبحت هذه النظرية العالمية؟ وماذا قدمت أو فعلت لإيران وسوريا ولبنان بظل معاناة اقتصادية ضاغطة؟، “أو أن الموضوع متروك لعام 3000 ميلادي بعد أن تكون آلية الاقتصاد العالمية قد تغيّرت برمتها، وتغيرت معها الجغرافيا والسياسة أو ربما قامت القيامة”.!

كما أن الإظهار الدائم بأنه لا خلاف سياسي مع روسيا، منح روسيا مساحة كبيرة بأنها قادرة على إدارة الأزمة السورية كما تريد، أو أقله بأنها تمسك بجميع خيوط اللعبة مما يمنحها شرعية إضافية بالتفاوض مع الأميركيين والأوربيين، وحتى اخصام واعداء سوريا على حد سواء، لذلك انا ارحب بما اسمع من بعض النخب السورية المقاومة العروبية المنتمية الى مدرسة الرئيس الاسد التي تعترض على بعض التصرفات الروسية، لانها تخلق نوعا من التوازن الاستراتيجي وتحرك المياه الراكدة وانا ادعوها ان تزيد من انتقادها كي نحفظ ونحمي انتصارات محور المقاومة على العدو الاسرائيلي والارهاب التكفيري، وان لا نسلم كل امرنا للسياسة الروسية التي من الطبيعي ان يكون لها اجندتها الخاصة ورؤيتها الاستراتيجية بما يعزز من مكاسبها وخاصة تواجدها على شواطئ البحر الابيض المتوسط.

وهنا لا بد أن نشير الى الأطماع التاريخية للروس بإيران، ولتوتر العلاقات الإيرانية- الروسية، والخصومة والنزاع بينهما في زمن القاجار و خاصة في حكم فتح علي شاه، و كان الهدف الرئيسي للروس هو الوصول إلى بحر آزاد، والسبب الثاني السيطرة على أرض القوقاز، والذي كان سكانه يطمحون بالحكم الذاتي و كذلك القوقاز المركزي والجنوبي والذي كانا يعدان جزء من الأراضي الإيرانية وكان سكانه يحبون انتماءهم لإيران، نعم روسيا تخشى على نفسها من حب شعوب تلك البلاد للشعب الإيراني مما يفرض علينا أن لا ننسى تلك الحقبة التاريخية.

وعلينا أن لا ننسى أن 40% من الاقتصاد الروسي هو بأيدي يهود روس يحملون الجنسية الاسرائيلية، وعلينا أن لا ننسى ان 80 % من الإعلام الروسي يدار من قبل الاسرائيليين، وأن 55% من المستوطنين اليهود هم من أصول روسية.

 
ناجي أمهز كاتب ومحلل سياسي لبناني
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق