هادي منلا: للتحرّك مجدداً بعد أزمة كورونا لتغيير السلطة

بقلم هادي منلا
عندما تغرق الثورة بالتفاصيل

لا يخفى على أحد أن حال الثورة في لبنان لم تعد كما في السابق، فالساحات التي كانت تعجّ بَالناس في مختلف المناطق اللبنانية مطالبين بتغيير هذه السلطة هي الآن شبه خالية، وذلك لعدة أسباب منها موضوعية، وهي كثيرة ومؤثرة، ومنها أيضًا ما هو ذاتي.
موضوعيًا، في أي حركة شعبية عفوية وغير منظمة، ترتفع المشاركة فيها تدريجيًا لتصل إلى الذروة، وتعود بعدها للانخفاض تدريجيًا، وهذه هي حال جميع الحركات الشعبية التي مرّت في العالم. تُضاف إلى ذلك عوامل خاصة بلبنان، مثل الأزمة الاقتصادية الخانقة وطبيعة عمل اللبنانيين الذين في أغلبهم مياومون، وعليه ضرورة عودتهم إلى أعمالهم، تُضاف إلى ذلك جائحة كورونا التي ضربت كل دول العالم ومنها لبنان وقرار معظم مجموعات الثورة وقواها التزام العزل المنزلي ووقف الدعوات للتجمّعات، لأن صحة الناس هي أولوية مهما بلغت وقاحة السلطة ومهما تمادت.
ومع بدء انخفاض نسبة الإصابات بكورونا وتخفيف إجراءات التعبئة العامة، بدأت فئات شعبية التحرك في بعض المناطق، خصوصًا في طرابلس، بسبب الفقر المتزايد والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي زادت حدتها بعد أزمة كورونا. بعض هذه التحركات اتخذت طابعاً عنفياً، وسرعان ما اتُّهمت بأبشع الإتهامات، ودخلت عليها قوى سياسية سلطوية متعددة وأجهزة أمنية لحرفها عن مسارها ودفنها في مهدها.

أما ذاتيًا، فإن أغلب مجموعات الثورة وقواها، خصوصًا بعد أن حصلت حكومة حسان دياب على ثقة ملتبسة في صحتها وقانونيتها من المجلس النيابي بعد معركة قاسية مع الثوار خارج أسوار البرلمان، بدأت بالذهاب إلى تحركات جزئية أمام الوزارات والمؤسسات العامة فاضحةً ملفات الفساد التي في داخلها، محولةً الثورة عن غير قصد إلى حراكات مطلبية، ومتناسيةً وأيضاً عن غير قصد، العناوين الأساسية لثورة 17 تشرين القائمة على إعادة تشكيل السلطة، والإتيان بسلطة جديدة تخدم مصالح البلد والناس، وتخرجنا من الأزمة الراهنة (بإمكاننا استثناء التحركات أمام مصرف لبنان لأن الحاكم بأمره منذ 27 سنة هو جزء من الحلقة الجهنمية التي حكمت البلد وتحكمت في مصيرنا ومستقبلنا).

وهنا لا أقصد أن فتح هذه الملفات والخوص في تفاصيلها هو غير مهم، بل هو ضروري لتدعيم الشعار الأساسي القائل بضرورة تغيير السلطة كمدخل إلى أي حل. لكن أن تغرق الثورة كلها في هذه التفاصيل، وتصبح التحركات جميعها قائمة على هذا الأساس هو تحديدًا ما تريده السلطة، لأنها  بذلك تكون قد أبعدت عنها شبح تغييرها، وكلنا نذكر ما قاله أمين عام حزب الله عندما كانت الثورة في أوجّها «خليكم بالمطلبي وما تروحوا عالسياسي». بما معناه أنه يحق لنا “النقّ” والمطالبة لتحسين شروط عيشنا، لكن لا يحق لنا العمل على تغيير سياسي جذري، لأن هذا عمل من اختصاص أحزاب الطوائف وتياراتها حصراً، وممنوع على أي جهة أخرى عابرة للطوائف، حتى ولو كانت شعبية، أن تؤثر في المشهد السياسي. عدا أن الدخول في التفاصيل يبعد قسماً كبيراً من الناس، ويعقّد طبيعة المشكلة عليهم، والاستجابة القليلة للتحركات الأخيرة (إذا استثنينا الظروف الموضوعية) أكبر دليل على ما أقول.

إن النظام اللبناني يختلف بالتركيبة والشكل عن الأنظمة الديكتاتورية العربية الأخرى القائمة على حكم الحزب الواحد، فهو نظام مسيطر عليه من عدة رؤوس طائفية. وعليه، فإن الطريقة الثورية التقليدية بإسقاط الأنظمة وتغييرها، والتي شاهدنا مشهدًا منها في ما يعرف بثورات الربيع العربي (فشل أغلبها بسبب التدخلات الدولية وسيطرة التيارات الإسلاموية المتشدّدة عليها)، لا تنطبق على لبنان. علينا مع ذلك الانتباه إلى أن الهدف الأساسي الذي وضعته ثورة 17 تشرين، المتمثل بإعادة تشكيل السلطة، هو ما جذب الناس إليها، وحمّس الأغلبية الصامتة التي هي كثيرة في لبنان، وغالباً ما تكون محايدة وتنتظر البديل السياسي الذي يحاكي طموحاتها.
كما أنه جذب العديد من أنصار أحزاب الطوائف الذين ضاقوا ذرعاً بممارسات أحزابها، وأربك السلطة وخلخل أساساتها.

وكي تبدأ الثورة بالعودة تدريجياً إلى ما كانت عليه من حضور شعبي وازن يربك حسابات السلطة التي بدأت تستعيد أنفاسها، على فوضى التحركات التي دُعي إليها أخيراً، أن تتقلص قدر المستطاع، لأنها تنعكس سلباً بأعدادها الهزيلة على صورة الثورة ككل، وخصوصاً بعد ما يُحكى عن موجة ثانية من كورونا قد تضرب البلاد.

على مجموعات الثورة وقواها التحرّك مجدداً في الشارع بعد انقضاء أزمة الوباء، على قاعدة إعادة طرح تغيير السلطة مثل ما طرح في الأيام الأولى لـ17 تشرين، لأنه الوحيد الذي يجمع، ولأن المشكلة في لبنان كانت دائماً وأبداً سياسية متمثلة بسلطة طائفية ناهبة للمال العام ومال الناس، والحل يبدأ بتغييرها.
هادي منلا ناشط مدني لبناني

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق