بين الشقيقين شقاق وخبزُ وثورة وعشق سلطة فمن الأبقى؟

وفيق الهواري
يبدو أن الإعلان عن الشروع بالانخراط السياسي للإبن البكر لرئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري، بهاء الدين، هو محاولة لرأب التصدّع الذي أصاب جدار السنية السياسية في تحالف مكونات النظام الطائفي، كما أنه محاولة لإعادة النبض للدور السعودي  وفعاليته في اللعبة السياسية في لبنان.

الإعلان عن حضوره لم يحمل رؤية سياسية واضحة سوى أنه جاء مستنبطاً عناوين، ومستغلاً شعارات يرفعها الثوار ضد منظومة الفساد التي حكمت على مدى 15 عاماً، وهذه المدة بحسب رأي المحامي نبيل الحلبي ممثل بهاء الدين الحريري، أي منذ مقتل الحريري الأب! 

المشكلة أن بهاء الدين يطرح نفسه من زاوية طائفية ومذهبية أيضاً، ولم يسعفه ذكاؤه أو مكر محاميه ليدرك أن هذا أصلاً مدخلاً سيئاً لإقناع الشارع الثائر، الذي يتحدث باسمه، وطرح نفسه في بيانه بأنه المنقذ البديل، الذي سينسف كل قواعد المنظومة التي كانت قائمة على التحاصص بحسب بيانه، والتي ضربت البنية الاجتماعية والسياسية السليمة للبنانيين وتسبّبت بانهيار اقتصاده.

إذ يشير محامي بهاء الدين الى وجود فريق عمل متخصّص في مجالات مختلفة ينشط في أماكن وجود السنة، إنه يقدم نفسه من موقع مذهبي ويمد يده للتعاون مع فرقاء من مذاهب أخرى، وهذا ما يؤكد وبدون لُبس أنه قادم من أجل محاصصة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الموقع التاريخي للطائفة السنية.

نعلم أن اتفاق الطائف كرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ما أفسح المجال أمام بناء نظام المحاصصة بين القوى المذهبية المختلفة، محاصصة تقوم على النزاع الداخلي حول الحصص والوحدة في وجه قوى التغيير.

التسوية الرئاسية أشارت الى تراجع في نفوذ ودور السنية السياسية لمصلحة الشريك الشيعي. ثم أتت الانتخابات النيابية عام 2018 لتكرّس زعامة الثنائي الشيعي ضمن الطائفة الشيعية، وتعلن تقدم موقع التيار الوطني الحر ضمن الطوائف المسيحية. وفي الوقت نفسه شهدت الزعامة السنية التي من المفترض أن يمثّلها سعد الحريري تراجعاً ملحوظاً في الموقع السني الشعبي، ما أثّر على دوره في السلطة وفرض عليه المجيء على رأس حكومة بشروط الشريكين الشيعي والماروني.

الانهيار المالي والاقتصادي دفع الناس للانتفاضة في 17 تشرين ما دفع الحريري لاستغلالها في محاولة لفرض شروطه على حلفاء السلطة، فقدم ورقة إصلاحية لا تختلف عما تطرحه الحكومة الحالية، لكنه اشترط تشكيل حكومة اختصاصيين من خارج أطراف السلطة في محاولة للإمساك بالحكم منفرداً لإدارة مصالح التحالف الطائفي، وهذا ما رفضته أطراف السلطة الفاعلة. ما أوصلها إلى تشكيل الحكومة القائمة، التي لم تستطع نيل رضى زعماء السنية السياسية، كما الشارع، وبدت الحكومة وكأنها تعبّرعن تحالف بين الشيعية والمارونية السياسية.

ما تعيشه السلطة الآن، وبعيداً عن مطالب الناس، هو أزمة إنتاج تسوية سياسية جديدة بين أطرافها، تضم المكونات الأساسية في البلد، وخصوصاً أن مطلب مؤتمر تأسيسي جديد للكيان يبدو بعيد المنال حالياً.

إذن لا بديل عن تسوية جديدة برعاية إقليمية ودولية وهذا ما حاول البعض الإيحاء أن بهاء الدين الحريري يحظى بتأييد إقليمي وله علاقات دولية مميزة.

لكن الدور الذي يطمح إليه يواجه صعوبات داخلية واضحة، ففي بيروت بدأت النزاعات بين مؤيدي تيار المستقبل وأنصاره. وبلغ السجال أوجّه في اليومين الأخيرين. ما كشف المأزق الشعبي والسياسي للتيار الأزرق  الذي يرزح تحته من جهة، كما لفت الى شبهة المشروع الذي يأتي على متنه بهاء الدين الحريري.

وفي خضم ذلك، يبرز لنا أيضاً بوضوح، أن وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق الذي يحاول تقديم أوراق اعتماده كزعيم للسنة، سيسعى لوضع العوائق أمام مسيرة الزعيم المستجدّ، وفي طرابلس سيكون في مواجهة زعماء كثر، يهدف كل منهم إلى وراثة زعامة سعد الحريري، التي يبدو أنها خسرت الدعم الإقليمي والدولي وتشهد مزيداً من التفكك داخلياً. رغم أن أحدأً منهم لا يزال لا يصدق أن أوراقه باتت شعبياً واقليمياً محروقة مع اندلاع ثورة 17 تشرين الأول المحقّة، التي غيّرت الكثير بموازين القوى السياسية على الأرض.

بهاء الدين الحريري يواجه صعوبات شديدة، داخلية تتعلق بكيفية بناء موقعه بداية كرجل يتعاطى الشأن السياسي، ثانياً بكيفية إقناع القاعدة به، فزمن أبيه غير زمنه، أباه الذي جاء من الأعلى عبر براشوت اقليمي- سعودي_ سوري_ أميركي. أما هو فعليه أولا البداية من القاعدة، أي في الشارع وكتفاً الى كتف مع المجتمع الأهلي، ليقنع الناس أنه رجل سياسية جدير وأنه يحمل مشروعاً وطنياً فعلياً، ومشروع إصلاح يهم الثوار الذين يتحدث باسمهم، قبل أن يقنع المذهبيين أنه يصلح كزعيم أساسي يمثل الطائفة السنية، كما أن هذا سوف يستلزم عليه بالتزامن، صياغة علاقة مع القوى الطائفية الأخرى، والتي تسعى كل منها إلى أن تحظى بأرجحية داخل نظام المحاصصة.

أما مطالب الناس التغييرية، والمتعلقة بوقف الانهيار المالي ووضع خطة اقتصادية جدية، وسن قوانين تضمن استقلالية القضاء والسعي إلى استعادة الأموال المنهوبة، كل هذه لا تشكل أية أولوية أمام من يسعى إلى الإمساك مجدداً بسلطة تسرق الخيرات من أفواه الشعب لتوزعها على أقوياء الطوائف.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق