يوم دُعيَ مسؤولو الخراب الى جلسة لتصليح الخراب!

هاني كفوري


أما وقد استفحلت الأزمة في لبنان فلا حاجة لنكرانها أو التلطيف من وقعها على الناس!  تدهور سعر صرف الليرة وما تبعه من فلتان في أسعار السلع الاستهلاكية، يمكن للحكومة التملّص منه وتفسيره في خانة المؤامرة الخارجية على الوطن لأسباب سياسية وتبديل نفوذ!.

لكن الفطريات التي نَمَت على مياه الأزمة الآسنة لا يمكن تفسيرها إلا في إطار عجز السلطة عن تنظيف المكان من الأوبئة والجراثيم الأخلاقية.

ما لا يمكن فهمه هو تلك الطفرة المخجلة من عدم الانتماء الوطني، خساسة تجارية، لا تلبث أن تطفو على وجه الخطابات والصلوات والأدعية والأكاذيب!

هل لأحد أن يفسّر تحجّر النفوس أمام رب عائلة حبس دمعته أمام رفوف السوبرماركت وتسارعت دقات قلبه تلملم فتات كرامته المهانة أمام العجز عن تأمين حاجيات عائلته لأسباب خارجة عن إرادته؟

مؤامرة خارجية على قدرته الشرائية وخساسة داخلية على قيمة مدّخراته وأجره وتعويضاته…

خساسة داخلية نعم، وإلا كيف نفسّر نشوة بعض التجار والصرافين بالأرباح الأسطورية في الآونة الأخيرة؟
كيف نفسّر تهافت الميسورين على شراء البضائع من المتاجر الفاحشة الثراء والبكاء في الإعلام عن مَن لا تسمح لهم كرامتهم بالبكاء؟

كيف نفسّر بطء السلحفاة الحكومية أمام سرعة الذئاب؟.. “وحياة أمي وبيي بدي أعمل خطة اقتصادية… إيدي عا مار مطانيوس مش عم بكذب!”… وماذا عن أكوام النفايات السياحية؟

ماذا عن المتنطحين للدفاع عن صندوق النقد الدولي بوجه” التشاطر الرسمي”؟.. وتحديد المبالغ التي سيدفعها هذا الأخير بما يتلاءم مع أمنيات أولئك المتنطحين؟

كيف نفسّر مواخير أسعار الصرف التي تقبض رشوتها بالدولار لتروّج لأسعار أسطورية؟ “سيبلغ سعر الدولار سبعة أو عشرة أو عشرين ألف ليرة”.. مزاد تهويل مفتوح لكأنهم يتدربون للرقص على جثة الوطن!

لكنهم لا يخبرون عن ردّة فعل الناس عندما تعجز الكرامة عن الشراء، فتقفز الغريزة إلى السرقة والإجرام!

يا أيها التجار (أيا كانت أثوابكم)، إن مشوار الحياة قصير والعبرة في الأثر الباقي.

يخبرنا السالفون أنه إبان المجاعة في الحرب العالمية الأولى كان في إحدى القرى رجلان ميسوران لم يتأثرا بموجة المجاعة بعد أن ملآ أهراءاتهما بالمؤن والحبوب، ولما اشتدّت المجاعة قصدهما أهالي القرية من أجل استدانة بعض حفنات من الشعير لإبعاد الجوع عن عائلاتهم ولو إلى حين،  فصار الرجلان يعطيان الحبوب للأهالي بيعاً أو تسليفاً مقابل رهن قطعة أرض أو منزل أو ما شابه!

ولما وضعت الحرب أوزارها عاد الأهالي الذين تدبروا أمرهم لتسديد الدين واستعادة أملاكهم، أحد الشيخين كان وقوراً ووفى بوعده للناس برفعة وشهامة فاستعاد دينه وأعاد الرهن لأصحابه، أما الآخر فتمنّع عن استعادة الشعير واشترط لإعادة الرهن قبض ثمنه ذهباً، وقد عاينّا بعضاً من العقارات المباعة بالشعير والمستعادة بالذهب!

وبعد فترة طال الموت الرجلين كما سائر أبناء القرية في ذلك الزمن،  وتساوى الجميع في القبر، والأحفاد يعيشون اليوم في المنزلين في شبه عزلة. وما زال طيب ذكر الأول يتردد في أحياء القرية، فيما ذِكر الآخر ما زال يتلازم مع مقارنة رطل الشعير بليرات الذهب… والمرارة..

يا أيها المسؤولون، أية عبثية في دعوة شهود الخراب إلى جلسة لإصلاح الخراب؟ إن لم تسحبوا الدولار من أيدي الخبثاء، فعبثاً تحاولون بنصوص الإنشاء! وإذا كان بينكم من مستفيد فأين العجب إذا سقط الوطن بأيدي الأعداء؟..عندها يكون الحزن غباء والفرح عمالة والسكوت تواطؤ.!

هاني كفوري كاتب لبناني
أخباركم

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق