الفيول المغشوش: الفضيحة تهزّ كيان الشركة بالجزائر ومخاوف من محكمة دولية

لماذا وافق رئيس الجمهورية على تجنيس مُلاحق دولي في شركة سوناتراك؟

سلكت فضيحة الفيول المغشوش مسلكاً اخطبوطياً متشعباً، في دهاليز وزارة الطاقة وكهرباء لبنان، والمختبرات والمنشآت والبواخر والمعامل، مع تقدم التحقيقات وتكشّف المزيد من الحقائق، والتي إذا استمرت في مسارها الى آخر المطاف دون تدخلات سياسية أو تغطيات حزبية، فسوف تتفجر فضيحة ضخمة قد تجرف معها رؤوساً كبيرة في السياسة والإدارة والأعمال وأصحاب شركات محلية وعالمية.

ما يعقّد الأمور أكثر، أن أعداد المتورطين والمخالفين يتزايد، وإن بنسب متفاوتة، والتورّط يأخذ أشكالاً مختلفة، بين مرتكب، ومغطّي، ومرتشي وراشي، وساكت، وحتى الآن فرع المعلومات لا يزال يحقّق، وحتى يوم أمس الأول كان عدد صفحات التحقيق يفوق الـ 410 صفحات.  فيما أصدر أمس القاضي نيقولا منصور مذكرتين وجاهيتين بحق رئيسة المختبرات خديجة نور الدين، والمديرة العام وزارة النفط أورور الفغالي، وهذه الأخيرة المحسوبة على التيار الوطني الحر كانت قد اعترفت الأسبوع الماضي أمام القاضي غادة عون، بأنها قبضت رشاوى عبارة عن هدايا حقائب نسائية وليرة ذهب، ومع ذلك أطلق سراحها، الأمر الذي خلق بلبلة بين الناس، لكن ما هي الخيوط التي تبدّت والتي أعطت دفعاً للقاضي منصور ليسطر بحقها مذكرة وجاهية وهي التي كانت محظية من التيار؟ 

وأمس أحدث المؤتمر الصحفي الذي عقدته النائب بولا يعقوبيان تفجيراً في الأوساط السياسية والاعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كشفت حقائق أسمتها فضيحة الفضائح – الفيول المغشوش_  سبقها بذلك  ما صرّح عنه الإعلامي سالم زهران لتلفزيون لبنان، علماً ان الإثنين أي يعقوبيان وزهران كشفا أن مصيبة المصائب الأساسية تقع على العقد وشروطه، والوزير الذي وقّع عليه، والحكومة التي وافقت على إبرامه، والقصة ليست فقط قصة فيول مغشوش ولنحاسب من قام بغش هذا الفيول وغشّ المواصفات المتفق عليها ببنود العقد بل بشروط وظروف العقد نفسه!

في خضم ذلك  يبدو أن هذا الملف الفضيحة هزّ كيان شركة سوناتراك الأم في الجزائر، وهي التي لا تزال تلملم أنفاسها بعد فضيحة مالية تسبب بها أحد الموظفين في ميلانو الايطالية. إذ ذكرت صحيفة أندبندت عربية، أن السفير الجزائري في بيروت عبد الكريم ركايبي، التقى وزير الطاقة والمياه ريمون غجر، وبطلب من السلطات الجزائرية للتعبير عن استيائها من طريقة تداول القضية قبل أن يفصل فيها القضاء، ولدراسة سبل حلها في إطار ودّي، بعد ورود أخبار عن عزم نقل الملف إلى جهة دولية للحصول على تعويضات، وهي الخطوة التي تتخوّف منها الجزائر وقد تحدث أزمة دبلوماسية.

وأوضح الصحافي الجزائري وليد كبير الموجود في بيروت، في حديث إلى “اندبندنت عربية”، أن القضية قد تأخذ أبعاداً أخرى على اعتبار أن الجهة اللبنانية التي كانت تستورد “الوقود المغشوش” هي واجهة لأطراف متنفذة في لبنان، موضحاً أن الأنظار تتجه إلى مدير أسبق لشركة “سوناتراك” واحتمال ضلوعه في عملية الاحتيال بتواطؤ مع الجهات اللبنانية، وفرض وسيط لبناني عبر فرع الشركة في الجزر العذراء البريطانية. ويلفت كبير إلى أن الاتفاق انتقل من دولة مع دولة إلى وسطاء. وهو ما يوحي بوجود رؤوس كبيرة وراء الفضيحة.

وقال كبير إن الوسطاء اتخذوا شركة “سوناتراك” واجهة لاستيراد “الوقود المغشوش” من مختلف الشركات البترولية العالمية إلى لبنان. وتابع أن الضغط الإعلامي أقلق الجزائر التي اعتبرته مقصوداً لإلحاق الضرر بالشركة البترولية، مضيفاً أن الجزائر متخوفة من رفع ملف القضية إلى المحكمة الدولية، ما يرتب على الشركة الجزائرية تقديم تعويضات للدولة اللبنانية وخسائر ضخمة نظراً الى المدة الطويلة لعملية الاحتيال.

 وكان زهران كشف عن نسخة للعقد عبر تلفزيون لبنان، تظهر أنه موقّع بين لبنان وبين سوناتراك ج.ب.ع أي الجزر البريطانية العذراء، وليس مع سوناتراك الجزائر، والعقد  يشترط السريّة التامة، ما يثير الشبهات والريبة حول أسباب تلك الشروط التي وافقت عليها الحكومة اللبنانية آنذاك، ويطرح تساؤلات جمّة: 
أولاً: لماذا وافقت حكومة فؤاد السنيورة، ووقّع الوزير محمد فنيش عام 2005 على عقد يشترط السرية التامة عليه وعلى بنوده وعدم الإعلان عنه أمام الرأي العام اللبناني؟ وهل هو عقد  يتم بين جهازين عسكريين أو بين قيادة عسكرية وجهاز استخباراتي؟ أوليس من حق اللبناني الذي يدفع فاتورتين كهربائيتين ويغرق في وحول الدين العام وخسائر الكهرباء أن يعلم بشروط هذا العقد وبكل شفافية؟.

ثانياً: لماذا عمدت كل تلك الحكومات الكذب على اللبنانين، منذ السنيورة مروراً بحكومات سعد الحريري المتكررة وأقنعونا أن اتفاق التزوّد بالفيول هو اتفاق مباشر بين دولة ودولة؟، ليتضح أن العقد موقع مع شركة سوناتراك ج.ب.ع أي سوناتراك جزر بريطانيا العذراء، وهو فرع واجهة لشركة سوناتراك الجزائرية، ونعلم جميعاً سمعة الجزر العذراء، وهي مرتع لمن يريدون تهريب الأموال وتبييضها والتهرّب من الضرائب؟ ما الذي أرادت أن تخفيه الحكومة بهذا العقد لتبرمه مع شركة تحوم الشبهات حول أحد المسؤولين فيها؟.

ثالثاً: إذا كان التيار الوظني الحرّ وكما يدّعي أنه هو من كان وراء الإخبارات المتعلقة بالفيول المغشوش، وأراد فعلاً الحقيقة وكشف مكامن الفساد في هذا الملف، أين دورهم في الرقابة في كل ذلك بدءاً من الوزير السابق جبران باسيل حتى الوزيرة ندى البستاني؟

الملفت أن البستاني أكدت أمام القضاء ووسائل الإعلام أنها لم تتلقَ أية تقارير عن وجود حمولات فيول غير مطابقة للمواصفات، فيما أكد مدير عمليات شركة MEB المشغّلة لمعملي الذوق والجية يحيى مولود للتحقيق وأمام وسائل الإعلام أنه سبق له أكثر من مرة وقدم تقارير لها تفيد أن الفيول لا يطابق المواصفات، وأنها لم تقم بالتحقيق أو أي شيء آخر!

ولو سلمنا جدلاً أنها لم تتسلم أية تقارير، إذن من هو المسؤول عن المراقبة والتحقّق مما يجري على الأرض، وعمل التقارير اللازمة والحرص على حسن سير آلية العمل، والحصول على التقاير ، أليس المدير العام والوزير؟

الأمر لا يقتصر على ذلك، إذ كشفت  يعقوبيان عن تقرير أعدته شركة “غلوبال واتش”، عن “سوناتراك بي.اي.في”  اي في الجزر العذراء البريطانية، خلاصته أن الشركة لا يوجد فيها موظفون وليس لديها مشاريع تشغيلية. والتقرير يقول انها استحدثت واجهة مالية ويحكي عن 15 شخصية تهرّب الأموال الى تلك الجزر، ورغم أن الجزائر تقر ّبأنها تابعة لها مثلما قال وزير الطاقة السابق محمد فنيش بالأمس.

وتابعت: “إذ أردنا أن نصدق مزاعم المتعاقبين على هذه الوزارة الذين يقولون “لم نكن نعلم”، لم يخبرونا عن فضائح الفيول”. و”هذه هي المرة الأولى التي نعرف فيها”، تكرر الوزيرة ندى البستاني أنه للمرة الأولى يصل اليها تقرير!، ولا أعتقد خلال 15 سنة لم يسمع أحد منا عن أعطال في المعامل وان هناك فيولاً مغشوشاً يدخل لبنان، ومع هذا الوزراء المتعاقبون لم يحققوا؟لم يسألوا؟. كما أن هناك تقارير من مؤسسة كهرباء لبنان عن وجود فيول غير مطابق، وإذا أنكر (المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان) الأستاذ كمال حايك فلا مشكلة. المعلومات التي لدينا أنه راسل أكثر من مرة ربما ليرفع المسؤولية عنه.”

والذي يجعل الأمر أكثر ريبة ما كشفت عنه يعقوبيان عن تجنيس شخص جزائري مُلاحق قانونياً بفضائح سوناتراك، ومتورط بمئات ملايين الدولارات، هذا الشخص، جنّسه المرسوم الشهير عام 2018. 
يعقوبيان قالت :”الرجل يحمل جنسية كندية وفرنسية وهو جزائري إسمه فريد نور الدين بجاوي، وهناك مذكرة توقيف دولية في حقه وملاحق في الجزائر وايطاليا ، وأضافت :”يقال وأتمنى أن أحصل على جواب صريح، أن المديرية العامة للأمن العام أبلغت رئاسة الجمهورية ان هذا الرجل ملاحق وأن هناك مذكرة توقيف في حقه، ورغم ذلك أعطوه الجنسية اللبنانية”.

لكن السؤال المثير، تضيف يعقوبيان: “ماذا قدم هذا الشخص الى الدولة اللبنانية من خدمات؟ لا أعرف. هو متزوج من لبنانية. تعرفون كم هي حالات المتزوجين من لبنانيات وليس لديهم الجنسية وتعرفون كم هناك أولاد لبنانيون محرومون الجنسية اللبنانية لأسباب طائفية ومذهبية. وهذا الرجل ملاحق بمئات ملايين الدولارات بقضية سوناتراك وليس بقضية أبعد من ذلك. فاتورة الفيول التي ندفعها عشرات مليارات الدولارات ونركض الى صندوق النقد لنقول له أعطونا 10 مليارات دولار ونستجدي العالم ان يعطينا 10 مليارات من أموال “سيدر”. 10 مليارات هي فاتورة سنتين أو 3 من الفيول! ما يصل من البواخر الى لبنان هو نفايات نفطية، وهذا مثبت”.

ومساء أمس دخلت على الخط شركة “كارباور شيب” التي تحدثت عنها النائب يعقوبيان وقالت أن التحقيق يجب أن يطال مشغّلي بواخر الكهرباء، حيث يقال أنهم يقومون بتصفية الفيول المغشوش لاستعماله في البواخر.
الأمر الذي لم يعجب  شركة “كارباورشيب” وردّت ببيان نافيةً ما وصفته ادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً من النائب يعقوبيان، وتؤكد أنها عارية من الصحة تماماً. وأنه بناء على العقد الموقع بينها وبين شركة كهرباء لبنان، فهي غير مسؤولة عن الفيول، حيث يقع على عاتق المؤسسة تزويد الفيول المخصص لتشغيل بواخر الكهرباء. كارباور شيب لم تكتفِ بذلك بل أكدت أنها لا يمكن أن تتلاعب بفيول غير مطابق للمواصفات فذلك يؤثر سلباً على المعامل التي تملكها ويؤدي الى أعطال وأضرار مكلفة.

وأضافت الشركة:  تشير الشركة إلى أنها رفضت شحنة من الفيول في أواخر شهر آذار 2020 حيث أنها لم تكن تستوفي المواصفات وأبلغت مؤسسة كهرباء لبنان رسمياً بذلك ولم تستعملها.”

ولعل كل ذلك سوف تكشفه التحقيقات ومع كل دهليز يدخلها المحققون في هذه المغارة يتكشّف دهليز آخر صادم.

وسط كل ذلك أصبحت طريق العودة الى الوراء شبه مستحيلة، كما أن التوقف وسط عتمة الدهاليز أمر غير ممكن ، لم يعد متاحاً سوى السبور في غور تلك الدهاليز، حتى النهاية.
المطلوب من الحكومة الآن عدة أمور على مستويات مختلفة في هذا الملف إذا كانت فعلاً جادة في المتابعة وفي استرجاع الأموال التي هدرت من جيوب اللبنانيين في هذه المغارة وهي:
أولا: رفع دعوى تعويضات على شركة سوناتراك ج.ب.ع وبساتنة، و,Zr، وفسخ العقد معهم جميعاً.
ثانياً: ملاحقة، ومحاكمة وحبس وتغريم كل متواطىء ومتورط ومرتكب وكل شخص يثبت تورطه التحقيق، صغير كان أم كبير .
ثالثاً: البدء بعمل مناقصة جديدة شفافة فعلاً، لتوريد الفيول وليس على طريقة ما حصل سابقاً مع شركة Zr  وغيرها من الشركات.
رابعاً: إلزام شركتي بساتنة وZr ببناء معامل لإنتاج الكهرباء، كجزء من التعويض عن الخراب الذي ألحقوه بالمعامل، وعدم القبول بالتسوية مقابل عدم فتح ملفاتهما أو ملاحقتهما قانونياً.
يبقى الأمل معلقاً على جهود القضاء ومدى صموده أمام التهديدات أو الضغوطات السياسية أو المالية في هذا الملف الضخم والشائك.
أخباركم
يسرى نعمة 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق